ترامب وسليماني: معنا أم ضدنا؟

على رغم توتر العلاقات بين واشنطن وطهران، فإن فكرة المواجهة المباشرة كانت مستبعدة، واستعاضاً عن ذلك بالتنافس غير المباشر ولعبة بسط النفوذ. إذاً، لماذا قرر ترامب تغيير قواعد اللعبة وأمر باغتيال قاسمي؟

إذا سبق أن تحدثت مع ديبلوماسي أميركي، فربما لاحظت عمق الألم الذي ما زالت تسببه لهم أزمة الرهائن الأميركيين في إيران التي امتدت 444 يوماً، من 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 1979 حتى 20 كانون الثاني/ يناير 1981.

مرت سنوات على المقابلة التي أجريتها مع ديبلوماسي أميركي في العاصمة الأرمينية يريفان، كان الحديث يدور حول دول القوقاز وصراعاتها. ثم سألته عن احتمال أن تكون إيران أدت دور الوسيط فيها. لكن المسؤول الأميركي، الذي كان يتعامل باحتراف بالغ حتى تلك اللحظة، تغيّرت لغة جسده فجأة، وامتقع وجهه، وذكرني بطريقة غير ديبلوماسية كيف أن إيران أخذت دبلوماسيين أميركيين رهائن في السابق واحتجزتهم على مدار 444 يوماً، في تجربة مهينة ومؤلمة لمسؤولي وزارة الخارجية الأميركية، وخلص إلى أن الولايات المتحدة لن تستسيغ أبداً أي دور إيراني، حتى لو كان في إطار صنع السلام.

علاوة على أزمة السفارة الأميركية في طهران، فجر انتحاري موالٍ لإيران السفارة الأميركية في بيروت عام 1983. وعام 2012، هاجم سلفيون متشددون البعثة الأميركية في مدينة بنغازي، وهو ما أسفر عن مقتل أربعة أميركيين من بينهم السفير كريستوفر ستيفنز. وربما أدى هذا الهجوم الأخير إلى خسارة هيلاري كلينتون في سباق الرئاسة. صحيح أن الهجوم على السفارة الأميركية في بغداد كان رمزياً، إذ لم يسفر عن أيّ ضحايا، واقتصر على أضرار بسيطة في الممتلكات. لكن تمثل الرموز أهمية كبيرة خاصة إذا جاءت قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية الأميركية. وإذا عرفتُ ذلك من واقع خبرتي المحدودة، إذاً ألم يدرك قاسم سليماني مدى حساسية الهجوم على السفارة الأميركية في بغداد؟

في الساعات الأولى من يوم 3 كانون الثاني من عام 2020، هبط قاسم سليماني -أقوى شخصية عسكرية في إيران- في مطار بغداد الدولي، قادماً من بيروت. وقد كان بصحبة العديد من كبار القادة العسكريين الإيرانيين وقادة الميليشيات العراقية، من بينهم أبو مهدي المهندس، قائد “كتائب حزب الله” العراقية. ثم غادروا مطار بغداد الواقع على بعد مئات من الأمتار من صالة شحن جوي، حيث يتمركز ضباط أميركيون في إطار الجهود المشتركة مع المخابرات العراقية في ما يعرف باسم “الحرب على الإرهاب”. يعد مطار بغداد مأوى أيضاً لعدد من الوحدات العسكرية الأميركية الأخرى، وهي وحدات مسلحة بمعدات عسكرية من بينها مروحيات هجومية من طراز أباتشي. وعندما غادر سليماني والمسؤولون العشرة الذين كانوا برفقته المطار، هاجمت طائرات مسيرة أميركية موكبهم ما أدى إلى إشعال النيران في سيارتهم وقتلهم على الفور. 

ألم يدرك قاسم سليماني مدى حساسية الهجوم على السفارة الأميركية في بغداد؟

تدل حقيقة أن سليماني سافر بمنتهى البساطة عبر مطار بغداد -على بعد أمتار من أماكن تمركز الوحدات الخاصة الأميركية وأفراد الاستخبارات- على أنه لم يتوقع تعرضه لهجوم. فقد اعتاد الخصمان على التعايش في العراق منذ سنوات. وعلى رغم توتر العلاقات بين واشنطن وطهران، فإن فكرة المواجهة المباشرة كانت مستبعدة، واستعاضاً عن ذلك بالتنافس غير المباشر ولعبة بسط النفوذ. إذاً، لماذا قرر ترامب تغيير قواعد اللعبة وأمر باغتيال قاسمي؟

وإذا كانت المعلومات الواردة في تقرير وكالة “رويترز” الأخير موثوقة، فإن سليماني اجتمع في بغداد في منتصف تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2019، بحلفائه العراقيين ومن بينهم المهندس، لتكليفه “بتصعيد الهجمات على الأهداف الأميركية”، من أجل مواجهة التظاهرات المتزايدة المناهضة للنظام في عدد من المدن العراقية، تحديداً المدن ذات الغالبية الشيعية في وسط العراق وجنوبه. ويضيف التقرير أن “خطة سليماني المتمثلة في مهاجمة القوات الأميركية، تهدف إلى إثارة رد عسكري من شأنه تحويل هذا الغضب المتزايد إلى الولايات المتحدة”.

بالنسبة إلى القيادة الإيرانية العليا، فإن التظاهرات المناهضة للحكومة والفساد التي يشهدها العراق، والتي يشهدها لبنان أيضاً وحتى إيران نفسها، ليست بدوافع ذاتية مستقلة. ولا يُنظر إلى المتظاهرين باعتبارهم مواطنين ومجموعات لهم الحق في أن يكون لديهم صوت سياسي ومن حقهم أيضاً التعبير عن شكواهم وتقديم مطالبهم. بالنسبة إليهم هم مجرد تابعون وليسوا مواطنين. ولا يعتد بهم إلا في إطار المواجهة الثنائية بين النور والظلام، بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومنافستها اللدود الولايات المتحدة الأميركية.

منذ انسحاب الولايات المتحدة من “الاتفاق النووي” في أيار/ مايو 2018، وفرضها حظراً شديداً على إيران، تقلص اقتصادها بنسبة 4.8 في المئة عام 2018، وعام 2019 وصل إلى نسبة كاسحة بلغت 9.5 في المئة ويُعزى ذلك في الأساس إلى انخفاض صادرات النفط من نحو 2.5 مليون برميل يومياً إلى أقل من نصف مليون برميل يومياً. وهذا يعني بعبارة أخرى أن الاقتصاد الإيراني كان يختنق، ولم يكن بوسعه أن يستمر في ظل هذه الظروف من دون المجازفة بمواجهة انهيار داخلي. في حين ينظر القادة الإيرانيون إلى المعارضة الداخلية، أولئك الذين تظاهروا في شوارع عدد من المدن الإيرانية في تشرين الثاني 2019، وقبل ذلك في عامي 2017 و2018، على أنها نتيجة للسياسات والضغوط الأميركية التي تجب مكافحتها والتصدي لها بالطريقة ذاتها التي تتبعها أجهزة الدولة الإيرانية في محاربة المؤامرات الأجنبية.

يعد مطار بغداد مأوى أيضاً لعدد من الوحدات العسكرية الأميركية الأخرى، وهي وحدات مسلحة بمعدات عسكرية من بينها مروحيات هجومية من طراز أباتشي.

فقد هدفت الهجمات الإيرانية الأخيرة، بما في ذلك الهجمات الصاروخية التي استهدفت قاعدة عسكرية في كركوك شمال العراق، وأسفرت عن مقتل متعاقد مدني أميركي في 27 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، إلى زيادة الضغوط على إدارة ترامب لدفعها إلى إعادة النظر وتعديل سياساتها. ومن جهتها، ألقت الولايات المتحدة اللوم على “كتائب حزب الله”، وانتقمت بقصف خمس قواعد تابعة لها على الحدود العراقية – السورية، ما أودى بحياة ما يقرب من 25 مسلحاً. وفي 31 كانون الأول تحولت جنازة هؤلاء القتلى إلى هجوم شعبي من آلاف المتظاهرين على السفارة الأميركية في بغداد.

وبموته، فاز سليماني برهانه: فقد وضع خطاً فاصلاً يميز بوضوح إذا كانوا “معنا أم ضدنا”. فقد حلت تظاهرات حاشدة مؤيدة للنظام محل تظاهرات المعارضة في المدن الإيرانية. ورد البرلمان العراقي بمطالبة القوات الأميركية بمغادرة الأراضي العراقية، بينما تعهد كثر من السياسيين وقادة الميليشيات الموالين لإيران بالانتقام.

بيد أنه في الشرق الأوسط، لا يؤيد الجميع “محور المقاومة” الإيراني وادعائه “الكفاح ضد الإمبريالية”. فقد أفضى دور إيران في قمع الانتفاضات الشعبية، وبصفة خاصة في سوريا، إلى اكتساب أعداء جدد. فضلاً عن أن الكثير من العراقيين الذين تظاهروا في بغداد وفي أماكن أخرى، يعتقدون أن سيادة بلادهم وقعت أسيرة في أيدي القراصنة الإيرانيين. وعلى رغم ذلك، فإن هؤلاء الذين يؤيدون إيران وأولئك الذين يعارضونها واضحون ومعروفون تماماً.

ولكن ماذا عن الولايات المتحدة؟ هل نعرف من هم أصدقاء أميركا اليوم في الشرق الأوسط؟ ألم تستغل واشنطن حلفاءها بغطرستها التي لا تطاق ثم أطاحت بهم؟ أحدث مثال على ذلك هم المقاتلون الأكراد في سوريا، الذين تخلت عنهم الولايات المتحدة في غضون ساعات في أعقاب “تغريدة” نشرها دونالد ترامب، تماماً كما حدث مع المتمردين العراقيين الذين شجعتهم التحركات والأقوال الأميركية وثاروا ضد صدّام حسين عام 1991، غير أنها تخلت عنهم وتركت مصيرهم إلى آلة الحرب التي يديرها حكام العراق المستبدون، وتعرضوا للهلاك.

 هدد ترامب في تغريداته إيران باستهداف “52 موقعاً إيرانياً (مشيراً إلى أن الأهداف الاثنين والخمسين تمثل 52 أميركياً احتجزوا رهائن في إيران قبل سنوات) بعضها على مستوى عالٍ جداً ومهم لإيران والإيرانيين وللثقافة الإيرانية”… ففي عدد من التغريدات البسيطة هدد الرئيس الأميركي علناً بارتكاب جرائم حرب.

يبدو أن ترامب لا يرغب في العودة إلى الشرق الأوسط لتحقيق الديموقراطية، ولا لمكافحة الإرهاب أو العثور على “أسلحة الدمار الشامل”، بل لكي يثبت أن العصا التي يحملها هي الأكبر والأقوى، فقد صرح في تغريدة، قائلاً، “أنفقت الولايات المتحدة نحو تريليوني دولار على المعدات العسكرية، نحن الأكبر والأفضل على الإطلاق في العالم!”.

من عجيب المفارقات أن ترامب الذي أراد الانسحاب من الشرق الأوسط، معتقداً أن التحدي الاستراتيجي الذي تواجهه أميركا يكمن في منطقة الباسيفيك -منطقة آسيا والمحيط الهادئ- التي شهدت تصاعداً في القوى الصينية، يرسل جنوده مجدداً إلى الشرق الأوسط، وهو على وشك إشعال حرب جديدة مع إيران. ترامب ليس أول رئيس أميركي يقع في مثل هذا الموقف المتناقض -الذي يكاد يكون هزلياً: فعندما وصل جورج دبليو بوش إلى السلطة، وبعد فشل بيل كلينتون في الوساطة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أراد هو أيضاً التركيز على كل شيء باستثناء الشرق الأوسط، ولكن انتهت به الحال إلى غزو أفغانستان والعراق. كما أراد باراك أوباما الانسحاب من الشرق الأوسط ولكنه أرسل قواته إلى ليبيا وسوريا، وكذلك إلى العراق لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. على ما يبدو أن علاقة الرؤساء الأميركيين والشرق الأوسط تتسم بطابع حلو ومر في آنٍ واحد.

بالنسبة إلى القيادة الإيرانية العليا، فإن التظاهرات المناهضة للحكومة والفساد التي يشهدها العراق، والتي يشهدها لبنان أيضاً وحتى إيران نفسها، ليست بدوافع ذاتية مستقلة.

قبل “المواجهة الحاسمة” الأخيرة التي وقعت بين ترامب وسليماني، اقتصرت القصة في الشرق الأوسط على تظاهرات شعبية تطالب بإنهاء الاحتكار السياسي من قِبَل تحالف من الحكام الفاسدين ومغامرين من المقاومة. ولم تكن هذه التظاهرات الجماهيرية تريد – ولم يكن بوسعها – الاختيار بين واشنطن وطهران، وذلك لأن هؤلاء الحشود بلا وظائف ولا أمل لهم في العثور على وظائف، نظراً إلى أن الموارد المالية في بلدانهم باتت قريبة من الإفلاس، وتسممت الأرض والمياه في بلادهم، فضلاً عن أن عقود الحروب دمرت مدنهم. فقد تظاهر آلاف الناس من بيروت إلى بغداد وطهران، ومن الخرطوم إلى الجزائر العاصمة، وذلك لأن السرد المزدوج الذي يتلخص في “الإمبريالية” و”الكفاح ضد الإمبريالية” لم يعد يقنعهم، ولا يقدم حلولاً للمشكلات الفردية والجماعية التي يواجهونها. لقد سئم الرأي العام في الشرق الأوسط بغالبيته، من المعارك العقيمة التي تتكبد ثمناً باهظاً لم يعد بوسعهم تحمله.

ولكن هل تشكل هذه الغالبية أهمية في عصر ترامب وسليماني؟

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

رامي الأمين – صحافي لبناني
الوزير نشيط بلا شك. وهو يعمل ليل نهار على ملف “كورونا” وسواه من ملفات الوزارة. و”من يعمل يخطئ” كما يقول لينين، وقد أخطأ الوزير في أكثر من موضع وأصاب في مواضع أخرى.
خالد منصور- كاتب مصري
لكم أنزعج من هذين الصنفين من الناس، وهما، أصحاب اليقين المتشائمون، وأصحاب اليقين المتفائلون. ما له الشك، لا سوق له ولا اتباع؟
بوناصر الطفار – كاتب ومؤدي راب لبناني
مهما علا صوت التطبيل لن يغطّى على أنين أهلنا المكتوم في فراشهم ليلًا. دولتنا قذرة يحكمها القذرون. حكومتنا ستبقى مهما فعلت وأنجزت مجرّد إفراز رديء من إفرازات النظام السياسي الطائفي في لبنان
زياد ماجد – كاتب وأستاذ جامعي لبناني
أنتروبولوجيا هذا المرض والسلوكيات والعلاقات ذات الصلة به وبانتشاره ستُظهر لنا في المستقبل الكثير من الأمور، وهنا بعض من النقاش حولها …
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
إنه وقت مثالي للحكومات الضعيفة الفاسدة لتفعل ما يحلو لها ولتجترح المزيد من السلطة بينما يصرف مواطنوها وقتهم وجهدهم لتوفير الحماية والطبابة والأمن والتكيف النفسي مع العزل والانكفاء.
زكي بيضون – استاذ جامعي
قد تكون أزمة الجائحة ما زالت في بدايتها، لكن من المؤكد أن تفاوتاً هائلاً ظهر بين مسارها في الشرق الآسيوي ومسارها الموازي في الغرب
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني