الجزائر: البوليس السياسي يستعيد “حريّته”

كسرت المخابرات بتدجينها وسائل الاعلام وأحزاب المعارضة، محاولات الانتقال الديموقراطي في الجزائر.

لم يغير النظام الجزائري ممارساته، على رغم المسيرات الحاشدة التي تتواصل منذ 10 أشهر. مدة كانت كافية بالنسبة إلى هذا النظام لإعادة ترتيب أوراقه وإحكام قبضته على عتلات القوة التي أضعفها تناحر العصب المكونة له بسبب توزيع الريع في آخر عهدة الرئيس بوتفليقة. 

وقّع رئيس الدولة الموقت عبد القادر بن صالح بتاريخ 17 كانون الأول/ ديسمبر الفائت، أي قبل يومين من تسليمه المهمات لرئيس الجمهورية الجديد عبد المجيد تبون، مرسوماً نشر في الجريدة الرسمية يوم 25 من الشهر ذاته، يقضي بإرجاع صلاحيات مديرية الأمن الداخلي التابعة لجهاز المخابرات (مديرية مكافحة الجوسسة سابقاً)، بعدما قوضها الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة خلال عهدته الأخيرة. وإذ استعمل هذا الأخير المديرية في وقت مضى كذراع لتوجيه العمل السياسي والإعلامي، بدافع حماية محيطه من التحقيقات المتعلقة بقضايا الفساد، ارتأت القيادات العسكرية التي وجد الجزائريون أنفسهم في مواجهة مباشرة معها كسلطة أمر واقع بعد تنحيته في نيسان/ أبريل من السنة الماضية، أن تعيدها لها كاملة. صلاحيات يمكن اختزالها في عمل الشرطة أو البوليس السياسي، تخترق الأحزاب وتتدخل في اعتماد الصحافيين ووسائل الإعلام وتدير شبكات الولاءات التي تتحكم في تسيير الإشهار العمومي والخاص لتوجيه الممارسة السياسية والإعلامية لحماية النظام. 

وإن كانت مهماتها الأصلية في مكافحة التجسس، تجعل عملها الاستخباراتي المحض في المجالين السياسي والإعلامي طبيعياً، فهو جزء من عمل المخابرات في دول العالم كلها، إلا أن توظيفها من طرف المؤسسة العسكرية لتوجيهها بما يخدم مصالحها على حساب الدولة، أنتج خراباً سياسياً وإعلامياً أصبح يهدد الأمة الجزائرية في وجودها. فقد كسرت المخابرات بتدجينها وسائل الاعلام وأحزاب المعارضة، محاولات الانتقال الديموقراطي. واسترجاعها لما انتزعه منها بوتفليقة في هذا الظرف بالذات، لا يبشر بفتح المجال السياسي أمام المجتمع. كما أن مراجعة اختصاصاتها قبل تنصيب الرئيس الجديد بيومين، هو رسالة له تفيد بما لا يجب أن يخوض فيه. حصر بوتفليقة اختصاصها عام 2014 في معالجة قضايا ” أمن الإقليم، الإرهاب، التخريب والجريمة المنظمة” والمساهمة في ” الوقاية من الإجرام المتصل بالتكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال، قمع الأنشطة التي تقوم بها التنظيمات الإجرامية الدولية بهدف المساس بالأمن الوطني، الوقاية من أي نشاط تخريبي وعدواني يستهدف مؤسسات الدولة وإبطاله، الوقاية من أي شكل من أشكال التدخل الأجنبي وقمعه “تحت سلطة القضاء وحتم عليها ضبط الإجراءات القانونية اللازمة لجمع الأدلة المادية والمعنوية. وجاء مرسوم بن صالح ليحررها من هذ الضوابط القانونية وأعطاها إمكان فتح تحقيقات ابتدائية في كل شيء قبل بدء تحقيق قضائي بشأنها. 

صلاحيات يمكن اختزالها في عمل الشرطة أو البوليس السياسي، تخترق الأحزاب وتتدخل في اعتماد الصحافيين ووسائل الإعلام.

فعلاً، جدد النظام الجزائري واجهته بفرضه انتخابات لم يشارك أغلب الجزائريين فيها واستقطب من خلالها جحافل من المنتفعين الذين خرجوا إلى الشارع للتموقع، من أجل مكاسب ظرفية بمنطق النظام ذاته الذي لطالما فرضته المخابرات وفق قواعد غير مكتوبة مبنية على الطاعة والولاء. وبقي من ينادي بالحرية ودولة القانون يصارع لكسب فضاءات عامة أكبر تتيح تغيير قواعد اللعبة السياسية، بما يكفل بناء دولة. ويتلخص هذا المطلب في شعار يردده المتظاهرون كل جمعة منذ مدة وهو: ” نكملو غير بالسلمية ونخرجو العسكر من المرادية (سنكمل المسيرة بطرائق سلمية إلى أن نُخرج العسكر من رئاسة الجمهورية وبالتالي تحييدهم عن القرار السياسي)”. ونتج عن هذا المسار الذي عمدت خلاله سلطة الأمر الواقع إلى قمع ممنهج تميز بحملة اعتقالات واسعة في صفوف المتظاهرين من ناشطين سياسيين وفعاليات في المجتمع المدني تعيين عبد المجيد تبون رئيساً للجمهورية وهو أحد وزراء بوتفليقة السابقين. 

هذه الانتخابات التي أجريت يوم 12 كانون الأول الماضي قاطعها الجزائريون بقوة ولم تتعد نسبة المشاركة فيها 40 في المئة، ولم ينتخب فيها سكان منطقة القبائل، إذ صوت 9 ناخبين من أصل 700 ألف مسجلين في الدائرة الانتخابية لتيزي وزو و1000 ناخب من أصل 600 ألف مسجلين في بجاية قبل غلق مكاتب التصويت تفادياً لأعمال العنف. وعاد تبون ذو 75 سنة إلى الواجهة السياسية مع بوتفليقة عام 1999 وزيراً للاتصال في حكومة بن بيتور من كانون الأول 1999 إلى حزيران/ يونيو 2000 ثم عمل وزيراً منتدباً لدى وزير الداخلية وكلف بالجماعات المحلية في حكومة علي بن فليس الأولى من حزيران 2000 إلى أيار/ مايو 2001، ووزيراً للسكن والعمران في حكومة بن فليس الثانية من أيار 2001 إلى حزيران 2002. ثم تصدر المشهد خلال العهدتين الأخيرتين لبوتفليقة بتوليه وزارة السكن والعمران من 2012 إلى 2017، وتم تكليفه تنسيق عمل الحكومة كوزير أول لمدة ثلاثة أشهر، قبل عزله بسبب خلاف مع رئيس منتدى رؤساء المؤسسات علي حداد القابع في السجن بتهم فساد. تعيين تبون الذي هو خريج المدرسة الوطنية للإدارة، وزيراً جاء بعد مسار مهني داخل إدارة الدولة، إذ كان رئيس دائرة ثم والياً، وكلل المسيرة بتعيينه وزيراً منتدباً لدى وزير الداخلية العربي بلخير المعروف بـ”الكاردينال” لما كان له من نفوذ وهذا لمدة 8 أشهر من حزيران 1991 إلى شباط/ فبراير 1992. 

باختصار، جاءت هذه الانتخابات لشرعنة إعادة ترتيب بيت النظام بشبكاته وعصبياته. فهناك زمرة أزاحت أخرى وهي الآن تعمل على بسط نفوذها على مؤسسات الدولة بتعيينات على كامل المستويات، تعيينات بدأت قبل الانتخابات داخل الجيش والأجهزة الأمنية، جهاز العدالة والشركات العامة. عملية حصلت داخل الأطر المؤسساتية ذاتها لتنتج واجهة هي نسخة باهتة لما كانت عليه تحت سلطة الرئيس المخلوع. فعين الرئيس الجديد حكومة من 39 وزيراً، أعادت إلى الواجهة وزراء عملوا في حكومات بوتفليقة السابقة واحتفظ بوزراء عينهم بوتفليقة قبل تنحيته بأيام، كما عين وجوهاً جديدة كان بعضها متموقعاً في الأشهر الماضية مع الحراك الشعبي المناهض للنظام. حكومة لم يُعيَّن فيها وزير أو نائب وزير للدفاع كسابقتها ويمكن القول في هذا السياق إن وفاة الفريق أحمد قايد صالح – نائب وزير الدفاع الأسبق قائد أركان الجيش وصانع هذا التغيير وبيان مجلس الوزراء المنعقد البارحة وصف الرئيس بوزير الدفاع ما يعني حصر الأمر بالرئيس. 

لم يغير النظام الجزائري ممارساته، على رغم المسيرات الحاشدة التي تتواصل منذ 10 أشهر

داخل النظام – المفاجئة أربعة أيام بعد تنصيب الرئيس الجديد لم تترك فسحة للمؤسسة العسكرية للتوافق على مسؤول جديد لها. وإن جرت العادة على تعيين قائد القوات البرية على رأس قيادة أركان الجيش، وعُين اللواء سعيد شنقريحة خلفاً لأحمد قايد صالح الذي كان يجمع بين هذا المنصب وينوب عن رئيس الجمهورية على رأس وزارة الدفاع مباشرة بعد إعلان الوفاة، بقي الغموض حول وزارة الدفاع.  وإذ وصف بيان رئاسة الجمهورية المتضمن تعيين شنقريحة رئيس الجمهورية بوزير الدفاع وهو بحسب الدستور القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية ومسؤول الدفاع الوطني، في تلميح لاحتفاظه بالمنصب، لم يُشر بيان إعلان التشكيلة الحكومية إلى هذا المنصب بتاتاص. وبثت وزارة الدفاع صوراً لقائد الأركان بالنيابة سعيد شنقريحة وهو يلقي خطاباً توجيهياً أمام قيادات ليست له نظرياً سلطة عليها كالأمين العام ورؤساء دوائر وزارة الدفاع وكأن المؤسسة العسكرية تعلنه قائداً عليها.  

هذه الانتخابات التي أجريت يوم 12 كانون الأول الماضي قاطعها الجزائريون بقوة ولم تتعد نسبة المشاركة فيها 40 في المئة.

لم يضعف إعلان هذه الحكومة عزيمة المتظاهرين الذين خرجوا بالآلاف يوم الجمعة الذي تلاه في العاصمة الجزائر وفي مدن أخرى. هلل بعض المتموقعين مع المتظاهرين المناهضين للنظام على صفحات التواصل الاجتماعي لأصدقائهم المعينين في المناصب الوزارية ومنهم من سارع بتبريكات لبعض الوزراء. 

لكن استقبال هذا الإعلان الذي جاء يوم أطلقت السلطة سراح معتقلي رأي أنهوا بغالبيتهم عقوباتهم، ووضعت عدداً ممن كانوا في الحبس الاحتياطي تحت نظام الحرية المشروطة إلى حين محاكمتهم، كالقيادي في الولاية الرابعة التاريخية لخضر بورقعة، سوقت له قنواتها الإعلامية على أنه إجراء تهدئة في سبيل حل الأزمة السياسية التي لم تحل بالانتخابات المفروضة ضد الإرادة الشعبية، كان استقبالاً فاتراً. فقد تواصلت المسيرات الشعبية ويبدو من خلال آراء من تحدث إليهم “درج” أن القناعة المتبلورة لدى المتظاهرين مفادها أن المشكلة ليست مشكلة أشخاص، إذ ليس هناك تغيير من دون مراجعة قواعد اللعبة السياسية وهي قواعد غير مكتوبة، يقرر من خلالها العسكر من يتولى المناصب ومن يحصل على الريع. وكل عمل سياسي في الظروف الحالية سواء كان من طريق الأحزاب الموجودة أو أحزاب يتم إنشاؤها وفق المنظومة القانونية الحالية، مآله الفشل بالمساهمة في تجديد النظام ولا تغيير من دون تحرير الفضاء العام من وسائل الإعلام والأحزاب. لا يشعر المتظاهرون بإمكان التعبير بحرية سوى في الشارع وهو الفضاء الوحيد الذي يعبرون فيه بحرية ولو بأثمان باهظة، فكثر من سجناء الرأي يقبعون في السجون بتهمة التحريض على التجمهر غير المسلح، التجمهر الذي هو من حرية الاجتماع ولا يزال يعاقب عليه القانون في الجزائر. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
مناهل السهوي وميزر كمال
حين فكرنا بمادة تجمع العراق وسوريا معاً بدا أن الجوع هو البوابة، العراقُ من الماضي وسوريا الآن، كيف يبدو شكل المجاعةِ الآتية إلى سوريا اعتماداً على الزمن الماضي الذي عاشه العراق في حصار قاس؟
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني