نضال أيوب: ثورة على المكتب

في استدعاء نضال أيوب ما يُنبئ بتكريس المزاجيّة القضائيّة نهجاً والتموضع مع النافذين وجهةً، على قاعدة هيا نستدعي الأعزل في وجه الشبكة، والأضعف في وجه الأقوى، والثورة في وجه السلطة.

لمكتب مكافحة جرائم المعلوماتيّة هوايات كثيرة، منها الاستجابة إلى طلبات أصحاب النفوذ، حتّى لو لم يمتلكوا مصرفاً، إذ لا تعنيه المظاهر الماديّة كثيراً. يكفي أن يمتلكوا صفة “إعلامي مع السلطة”، ليستجيب المكتب لشكاويهم، وإن كانوا هؤلاء هم من ابتلوا أوّلاً على المدّعى عليهم.

كان الإعلامي حسين مرتضى أفرد دقيقة وعشرين ثانية لسرد أكبر عدد ممكن من الأكاذيب في فيديو ركيك أقلّ ما يُقال فيه إنّه مفبرك، ودنيء، وتحريضي، كال فيه حسين الأكاذيب لعدد من الناشطين والمحتجّين، من بينهم الصحافيّة نضال أيوب التي ارتبط اسمها بالدفاع عن المُهمّشين والمقموعين واللّاجئين على اختلاف جنسيّاتهم. حسين هو بذاته عيّنة لآلاف الأشخاص الذين يصادفهم روّاد الإنترنت والمتظاهرون يوميّاً، من الذين يعتاشون على خلق البلبلة والتسبّب بأذيّة الآخرين، وانتشارهم ليس بالأمر المفاجئ أو الجديد.

لكن المفارقة هي أنّ القضاء، حتّى اليوم، لم يستدعِهم ولم يحقّق معهم ولم يضع لتصرّفاتهم المسيئة أيّ حدّ، لا بل كرّس وبوتيرة متسارعة استنسابيّةً ومزاجيّةً واضحتَين في تعامله مع القضايا المطروحة أمامه. وقصّة نضال نموذج صارخ لهذه الحقيقة، إذ تحرّك القضاء مستجيباً للمحرّض والمفبرِك، لا لحمايتها من أخبار ملفّقة وأذيّة محتملة.

ذات يوم، قرّر حسين أن يقرّر. فقرّر أنّ نضال عميلة، ووكيلة، ليس مجرّد وكيلة، إنّما وكيلة “رسميّة” لمعهد كانفاس الصربي التابع لوكالة الاستخبارات المركزيّة- CIA. ثمّ قرّر أنّها شكّت ببعض الرفاق في مجموعة “طلعت ريحتكم” التي قرّر أيضاً أنّها شاركت في تأسيسها عام 2015، فقرّر أنّها تقدّمت ببلاغ ضدّهم إلى أوليائها، ليقوم هؤلاء بطرد من أزعجوها. لم تنتهِ قرارات حسين هنا. فقرّر أن نضال جنّدت خلايا أمنيّة من زملاء لها في موقع “المدن” التي عملت فيه سابقاً، ومن “الشاذّين” مثلها من جمعيّة “حلم”، على أن تستلم، هي “الشاذّة”، أمن التظاهرات في بيروت مع غيرها من الرفاق، وتحتمي بتأشيرة أميركيّة قرّر حسين أنّ جهاز الاستخبارات وفّرها لها تحسّباً لأي مكروه قد يصيبها. فقرّر القضاء. أن يستدعي نضال.

نضال التي لجأت إلى القضاء لتضع حدّاً لهذه المهزلة التي تتكرّر يوميّاً بحقّ كثر وتطلب تعويضاً على الأذى الذي ألحقته بها، استدعاها القضاء، مُمثّلاً بالنائب العام الاستئنافي في بيروت القاضي زياد أبو حيدر، مُشيحاً بوجهه عن شكواها ضد ما ارتكبه حسين، ليصبّ كامل انتباهه على شكواه التي تبعتها. هذه الشكوى غير المفهومة  في مسألةٍ لا ناقة لحسين فيها ولا جمل، ذلك أنّ نضال لم تتعرّض له بشيء ولم تضعه في دائرة الخطر التي رماها فيها وهو يركّب صوراً من هنا وجملاً غير مفيدة من هناك.

ربّما أراد حسين إبعاد الأضواء عن فعلته الرديئة، فنبش في تاريخ نضال الحقيقي، لا المزيّف الذي اختلقه، فوقع على هتافات وتعابير لنضال لا ترتقي إلى مستوى تهذيبه، علماً أنّه حرّ في انتقادها أو رفضها، غير أنّه ليس حرّاً في الافتراء عليها والتحريض ضدها وتعريض سلامتها لأي شكل من أشكال الخطر. فهل يقبل القضاء أن يكون شريكاً معه في تكريس هذه المعادلة؟ وهل يُرسي اليوم الاستنسابيّة قاعدةً لتحرّكه؟

في استدعاء نضال أيوب بعد فداء عيتاني وربيع الأمين، وبالطبع عصام خليفة الذي تزداد قضيّته تعقيداً، ما يُنبئ بتكريس المزاجيّة القضائيّة في الاستدعاءات نهجاً والتموضع مع النافذين وجهةً، على قاعدة هيا نستدعي الأعزل في وجه الشبكة، والأضعف في وجه الأقوى، والثورة في وجه السلطة، في وقت كان الأجدر بالقضاء أن يغتنم الفرصة ليستعيد ثقة الناس به ويعكس العبارة، فيستدعي الشبكة المشؤومة لا الفرد الأعزل، والذكر المُستقوي لا الفرد المستضعف، والسلطة المشتومة لا الفرد الشاتم.

قد لا تكون تهم التعرّض للرئيس والذات الإلهيّة الموجّهة إلى نضال تهماً سهلة، لكنّ رحلة دحضها التي تنطلق مع التحقيق معها صباح الثلاثاء 7 كانون الثاني/يناير في ثكنة جوزيف ضاهر، يجب أن تبقى سهلةً، بالخفّة والصمت والحنكة التي تتّسم بها هتافات الثورة؛ وربّما بالحجّة والمنطق ومبدأ عدم قانونيّة الاستدعاء لاتّسامه بالانحياز وإشكاليّة اختصاص المكتب المُستدعي. وإن قرّروا الإشاحة بنظرهم عن المنطق، كما أشاحوا بنظرهم عن شكوى نضال الأولى، فليعلموا أنّهم بذلك إنّما يُحقّرون العقل، أي الذات الإلهيّة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
OCCRP – مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود وشركاؤه
يتربع رجل الأعمال العراقي نزار حنا نصري على عرش إمبراطورية تشمل الأدوية وواردات الخمور وبعض المنشآت العقارية الأكثر إثارة في أربيل. لكن نجاحه كان مبنيًا على أساس مبهم وأقل وضوح: تجارة عالمية في سجائر السوق السوداء.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني