رثاء “الحاج قاسم” في إعلام الممانعة … الجنرال يقتلُ عن حق

سيرة الجنرال كما تبنيها أجهزة الممانعة لا تحتمل ضحايا من أطفال ونساء، ولا مهجرين ومعذبين، هي، على العكس، تنبذ هؤلاء وتردهم إلى صفة "الإرهابيين".

لا يكرس إعلام الممانعة قاسم سليماني بوصفه “شهيداً” فحسب، بل هو” فارس نبيل” و”أب” و”متواضع” و”خلوق” وقريب من القلب”، و”روحاني”، لكن أيضاً، “سفاح ” و”مرعب” و”رجل مهام قذرة” حين يتعلق الأمر بأميركا وإسرائيل. 

وتوزيع الصفات تبعاً للوظيفة، يفترض أنسنة متناقضة، تحيل الرجل إلى الخير المطلق مع قومه، وإلى الشر المطلق مع عدوه. حيث أن الأنسنة محكومة بالوظيفة والدور داخل الحرس الثوري وليس في العلاقات وطبيعة المجتمع واكتشاف الذات ومراحل تطورها. وعليه، سيرة الحاج المقتول بصواريخ أميركية، جرى تحقيبها في صحيفة قريبة لـ”حزب الله” بتحولات ثورة الخميني، وما تلاها من حروب. ما يعني أن محاولات الأنسنة التي بذلت في أجهزة الممانعة الإعلامية كرست ضدية تحيل القتيل إلى وظيفة تتسرب منها بعض الصفات الإنسانية أحياناً. 

صورة وزعها مكتب المرشد خامنئي تجسد الإمام الحسين محتضناً سليماني

وما المبالغة في إسباغ مديح الشهادة على القتيل سوى تكريس الرجل – الدور، بوصفه ما فوق إنساني، يحظى بمزايا الأولياء والأنبياء، وكأن ضعف الإنساني يعوّض بالميتافيزيقي في استلهام لأدبيات دينية غالباً ما تستحضر لوصف “الشهداء” الذين ينكرون ذواتهم في حياتهم. ففي جولة في العراق، على ما تسرد صحيفة ممانعة، “كانت مجموعة من المقاتلين تأخذ استراحة محارب، بينهم شاب عشريني يرتدي كنزة خفيفة ويبدو عليه التأثر ببرودة الجو. ما إن اجتازت سيارة (سليماني) جوار المجموعة حتى طلب الحاج قاسم من المستشار الذي كان يقود السيارة التوقف فورا. وسط تفاجؤ الجميع، فتح باب السيارة ونزل سريعا متوجها نحو مجموعة المقاتلين. ارتبك مرافقو الحاج، وسارعوا إلى اللحاق به خشية عليه من العبوات. اقترب الجنرال مبتسماً من ذاك المقاتل، مدّ يده إلى جيب السترة التي كان يرتديها، أخرج منها بعض الأوراق، ثم خلعها ووضعها على كتفي المقاتل المذهول، تناول رأسه بيديه وطبع قبلة على جبينه ثم قفل عائدا إلى السيارة. فيما كان المرافقون يلملم بعضهم البعض الآخر، تقدم أحدهم نحو الشاب وسأله: هل تعرف من هو هذا الشخص؟ نفيٌ بريء عكسته سريعا ملامح الشاب، قبل أن يأتيه الجواب من السائل: هذا الحجي قاسم، هنيئا لك سترته”.

“الولي” إذا يقوده وحي ما نحو الجندي المسكين، ليمنحه عبر سترته الخلاص المباشر من البرد، واللامباشر من الأخطار، في استحضار للسرديات الدينية التي يتخفف فيها الإنساني لصالح الغيبي، ويصبح فيها موقف التعاطف البديهي إلى معجزة وأمثولة.

“الولي” الملهم تتأرجح صورته بين أدوار تستخدم الصفات الإنسانية لتجميله، و”استشهاد” يحيله إلى ضرورة معصومة، حتى حين يمارس القتل يمارسه عن حق، وهذا تحديداً ما هدف إليه إعلام الممانعة في تركيب صورة قاسم سليماني.

القناة الناطق باسم “المقاومة” في لبنان، تحاول في تقرير لها تجميع صورة الجنرال القتيل التي أصابها التبعثر بين الإنساني والوظائفي والميتافيزيقي، فتخلط بين مشاهد، طفل يعانق سليماني، وآخر يقدم له وردة، وبين مشاهد له على الجبهات وأخرى وهو يسجد ويصلي، في سعي مفتعل للإيحاء أن الرجل هو كل ذلك، في حين أن ما يبدو هو تناقض وتفسخ في شخصية الجنرال، وكأننا حيال ثلاثة رجال، يمدهم إعلام الممانعة بالصفات، لخداع مشاهديه بأنهم واحد.

والإعلام ذاته إذا يفتعل أنسنة القتيل الذي مارس هواية الإشراف على المجازر في سوريا والعراق، يحيل الأخيرة إلى وظائف استراتيجية نذر الجنرال حياته لتحقيقها. فطبقاً لجريدة الممانعة “في العام 2011، تنبّه الحاج مبكراً لما يخطط لسوريا. بعد فترة قصيرة من المراقبة، اتخذ قراراً بتعزيز دور المستشارين الإيرانيين هناك، بموجب الاتفاقات الموقعة مع بين طهران ودمشق، قبل أن يضع خطة عمل مبدئية تقوم على: أولاً، الحفاظ على الرئيس الأسد كشخص وموقع. ثانياً، الحفاظ على تماسك الجيش السوري”. الضحايا الذين سقطوا بسبب خطة سليماني يختفون خلف الوظيفة التي تكفل بها في الحفاظ على بشار وجيشه، ذاك أن سيرة الجنرال كما تبنيها أجهزة الممانعة لا تحتمل ضحايا من أطفال ونساء، ولا مهجرين ومعذبين، هي، على العكس، تنبذ هؤلاء وتردهم إلى صفة “الإرهابيين”.

“الولي” الملهم تتأرجح صورته بين أدوار تستخدم الصفات الإنسانية لتجميله، و”استشهاد” يحيله إلى ضرورة معصومة، حتى حين يمارس القتل يمارسه عن حق، وهذا تحديداً ما هدف إليه إعلام الممانعة في تركيب صورة قاسم سليماني.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
OCCRP – مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود وشركاؤه
يتربع رجل الأعمال العراقي نزار حنا نصري على عرش إمبراطورية تشمل الأدوية وواردات الخمور وبعض المنشآت العقارية الأكثر إثارة في أربيل. لكن نجاحه كان مبنيًا على أساس مبهم وأقل وضوح: تجارة عالمية في سجائر السوق السوداء.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني