“كلنا قتلنا أبناءنا”: بروباغاندا التضحية بالأبناء في الحروب

تفتتح مسرحية "الماعز" بمشهد الجنازة، إذ يشيِّع أهالي البلدة أبناءهم القتلى من جراء الحرب الدائرة في البلاد.

مفاهيم حساسة وإشكالية تتناولها مسرحية “الماعز” للكاتبة السورية لواء يازجي التي عرضت على مسرح “رويال كورت البريطاني”، وصدرت مطبوعة باللغة الإنكليزية. مفاهيم مثل: الشهادة، التضحية بالأبناء في الحروب، العلاقة بين العائلة وبين الابن القتيل في الحرب، وكيفية بناء السلطات الحاكمة خطاباً يدفع العائلات للتضحية بأبنائها في سعير العنف والصراع على البقاء. يقول النص إن أحداث المسرحية تدور في قرية سورية، من دون أن يحددها، ويحدد الزمن وهو أحداث العنف في السنوات الأخيرة التي شهدتها البلاد.

الإنسان ملك الوطن وليس عائلته

تفتتح المسرحية بمشهد الجنازة، إذ يشيِّع أهالي البلدة أبناءهم القتلى من جراء الحرب الدائرة في البلاد. تكتب المخرجة في الملاحظات الأولية للعرض: “يمكن الفصل الأول أن يبدأ بالتوازي مع دخول الجمهور، وكأن الجمهور جزء من التأبين”. ومن بين الشخصيات في طقس التشييع يبرز قائد الفرقة الحزبية في البلدة أبو الطيب، هو الذي يقود عملية الدفن، وكذلك تحضر مراسلة لتنقل الحدث إلى التلفزيون الحكومي. تصف المؤلفة ترتيبات الدفن الحزبية السورية بعناية: “موسيقى تشييعية. توابيت تدخل ببطء يحملها الرجال والمراهقون، يتجمعون ويضعونها على الأرض، بالكاد سيتسع المكان لكل التوابيت القادمة. الأعلام التي تغطي التوابيت يبهت لونها بالتدريج مع كل تابوت قادم”. ويركز النص أيضاً على الخطب الإنشائية التي يلقيها عضو الفرقة الحزبية أبو الطيب، شعارات تُلقى في مثل هذه المناسبات تؤجج المشاعر الوطنية على حساب المشاعر الشخصية: “كل روح تزهق هي حجر آخر في الجدار الذي يحمي البلد، يحيطه من كل جانب، وكلما زادت الأحجار، كان البلد منيعاً على الغزاة”.

كل شيء يسير كما هو مخطط له رسمياً وحكومياً وحزبياً، إلى أن يعترض معلم المدرسة أبو فراس، ويطلب رؤية جثمان ابنه قبل دفنه، ويحاول أن يستميل معه القرويين: “هدول مو ولادكن، التوابيت كلها فاضية، أو ما بعرف شو جواتها، ولا مين جواتها”، إلا أن المسؤول الحزبي (أبو الطيب) يمنعه من ذلك، ويستمر بإلقاء الخطابات الإنشائية عن أبناء الوطن الذين يحاربون الإرهاب، ويعلن عن تخفيض سن المتطوعين للحرب من أبناء القرية من 18 إلى 16 سنة. تنتهي المشادة بانتصار البروباغندا على الفرد الوحيد المتمرد (أبو فراس)، وتقرأ المذيعة، تلك القصيدة التي تشجع الأمهات على إرسال أبنائهن للموت والشهادة، قصيدة حسن عبد الله التي غناها (مارسيل خليفة)، بعنوان “أجمل الأمهات”: “أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها. وعاد مستشهداً. فبكتْ دمعتين ووردة. ولم تنزوِ في ثياب الحداد”.

تفتتح المسرحية بمشهد الجنازة، إذ يشيِّع أهالي البلدة أبناءهم القتلى من جراء الحرب الدائرة في البلاد.

المتمرد (أبو فراس) يبدأ برحلة البحث عن الأسباب الحقيقة التي تودي بأبناء البلدة إلى الموت، ويحاول إقناع أهالي البلدة ليبحثوا عن المصير الحقيقي لموت أبنائهم، وعن الأسباب الحقيقة التي تؤدي إلى فقدانهم. في مقالة بعنوان “أباء بلا أبناء، الثورة في سيكولوجيا الفقد”، يعالج الكاتب جمال صبح هذه الموضوعة. تدمج لواء يازجي أجزاء من هذه المقالة في نصها المسرحي: “إن تفحُّصاً بسيطاً لقوائم الشهداء سوف يُظهر أن معظم الذين لاقوا حتفهم كانوا من فئة الشباب. عدد كبير من الآباء اضطروا لتسلّم جثث أبنائهم وعليها علامات التعذيب الشديد، آخرون أجبروا على تسلّم بطاقات الأبناء الشخصية بلا جثث ولا جثامين”.

من عرض مسرحية “الماعز”- تصوير: جون بيرسون

هذا الخطاب التوعوي لأهالي البلدة، لن يرضي الفرقة الحزبية فيها، يخشى أعضاء الفرقة الحزبية في البلدة من تأثيره في عائلات الشهداء، فيتفق الحزبيون على اعتبار المعلم المتمرد (أبو فراس) خائناً تجب محاكمته، ويقررون فصله من التدريس وعزله عن طلابه. في هذا المشهد، تضيء الكاتبة على تعامل الحزب مع شيخ البلدة، تلك العلاقة بين الحزب والدين، يقول الحزبي (أبو الطيب) لشيخ البلدة: “الله يرضى عليك البلد بتحتاج منك رؤية أكثر عمقاً بفتواك نحو الشهادة والدفن. “الشهيد للوطن” شو معنى هذه الجملة شيخنا؟ الجندي اللي عم يستشهد هو مدفوع بحب الوطن مو كرمال أبوه وأمه وحماية صالون البيت”.

الحقيقة المسلوبة في الحرب

يقرر الحزب فصل معلم المدرسة (أبو فراس)، وحين يحتج بأنه لم يطلب إلا معرفة الحقيقة، أي حقيقة ما يحصل مع القتلى من أبناء البلدة، يسخر أبو الطيب من فكرة البحث عن الحقيقة: “ونحن من إيمت منقول الحقيقة؟ في شي مرة حدا قال الحقيقة؟ حدا طالب فيها؟ حدا بدو ياها؟ حدا لازمته أصلاً؟”. الحقيقة لا تعود مطلباً في فترات الحروب، كما يرى أبو الطيب، الحقيقة في فترات الحروب ليست إلا أكاذيب صغيرة سهلة وسريعة: “شو هي الحقيقة بوقت الحرب؟ ما هي إلا كزبات بيضا صغيرة جنب بعضها، روايات، حلول آنية جاهزة ليس إلا”، فالشعب أثناء الحروب يرتاح للأكاذيب التي يعرفها، ويصدقها من دون أن يتعب نفسه في التفكير. هكذا تكون موضوعة الحقيقة في فترة الحروب وميل الشعب إلى إخفاء الحقيقة درءاً لمخاطرها، واحدة من الموضوعات الأساسية التي تعالجها المسرحية.

عن الشعور بالذنب تجاه الابن القتيل، تجسد المخرجة كابوساً عند المعلم أبو فراس على المسرح، إن الأب ما يزال يشعر بالذنب تجاه تخاذله عن معرفة الحقيقة حول مقتل ولده، تتحول خشبة المسرح إلى غرفة نوم، بسرير عند منتصفها، ومع إضاءة كابوسية تدخل الماعز إلى المسرح. تقف قرب السرير، تضع نظارة سوداء على عينيها، وتتكلم بصوت مركب هو صوت زوجته (أم فراس)، تؤنبه فيها على عدم اهتمامه بمصير ابنهما (فراس) بالقدر اللازم. كابوس مسرحي نفسي يرمز إلى شعور الذنب الذي يرافق أبو فراس، إذ يسمع صوت زوجته تطالبه بالبحث عن حقيقة مصير ابنه.

ماعز لكل عائلة فقدت ابنها

يصدر قرار حزبي بإعطاء كل عائلة ماعزاً بدلاً عن كل ابن يفقدونه في الحرب، يوزع منشور القرار على الجميع في الدوائر الحكومية والمدارس ويذاع بنشرة الصباح، ويعلن المراسل الإخباري على التلفزيون الرسمي: “لكل عائلة معطاءة معزاية بتذكرهن بإنو البلد مو نسيانتهن، بتذكرهن بابنهن اللي راح، بزوجهن أو أبوهن؟”.

“كل روح تزهق هي حجر آخر في الجدار الذي يحمي البلد، يحيطه من كل جانب، وكلما زادت الأحجار، كان البلد منيعاً على الغزاة”.

تتعامل الكاتبة والمخرجة مع فكرة توزيع الماعز على أهالي الشهداء، بمزيج من الرصانة والكوميديا، فالماعز تظهر في مشاهد كثيرة من المسرحية، وتتعلق فيها الكثير من الحكايات. تتحول الماعز إلى رمز للمفقودين، يُجلس أهالي القرية الماعز على الكنبات في المنازل، يتعاملون معها باحترام، يقدمون لها الطعام ويتركونها تسرح بحرية في أرجاء البلدة، أي على خشبة المسرح. مثلاً تفكر زهرة بغسل الماعز، وفي أحد المشاهد تتحدث إليها مباشرةً ناشدة التواصل معها، ولكن في المقابل، فإن المراهقين المسلحين في القرية، والذين يعانون من عالم محض ذكوري- حربي، يحاولون مضاجعة الماعز، في إشارة إلى غياب العالم الأنثوي عن حياتهم وشهواتهم.

كيف تبنى سردية التضحية بالأبناء في الحرب؟

تحاول الكاتبة تعرية الخطاب السردي الذي ينتشر في فترات الحرب تبريراً لموت الأبناء وفقدان الشهداء، إنه خطاب مبني على إعلاء قيمة الوطن أكثر من قيمة الإنسان، وبجعل الأبناء ينتمون إلى القضايا أكثر مما ينتمون إلى أهلهم وعائلاتهم. على العائلات تقديم الأبناء للحرب لأن الخطر أي العدو، قريب، يقول أبو الطيب: “وقت بيكون في دمّ، لا شيء يعلو على صوت المعركة. الحرب بتدعس راسنا كلنا بصرمايتها، بتحصد كل راس بيحاول يرتفع بوجهها. الشي الوحيد اللي فينا نعمله هو نشوف مين فينا رح يضل عايش”.

وتبنى سردية التضحية بالأبناء في الحرب على جعل الضحايا شهداء مقدسين، فكما رأينا في أحداث المسرحية، يُمنع المعلم أبو فراس من رؤية جثمان ابنه قبل دفنه، وذلك بحجة إبقاء صورة الشهداء مقدسة ومشعة في عيون أهلهم، فيمنع العائلات من رؤية جثامين الأبناء مشوهة بالحديد والرصاص والتعذيب. ففي الحرب لا يطرح سؤال عن طريقة الموت، بل يتم التسليم بواقعة الموت من دون مساءلة، ولا يمكن دفع الناس للشك بقيمة الشهادة، كما يقول أبو الطيب في أحد حوارات المسرحية.

من عرض مسرحية “الماعز”- تصوير: جون بيرسون

وتُبنى سردية التضحية بالأبناء من خلال القصائد والأغاني، فبعد أن تستشهد الكاتبة بقصيدة “أجمل الأمهات”، تعيد التذكير بدور الأغاني في دفع العائلات إلى قبول فكرة التضحية بالأبناء، مثل أغنية سمير يزبك الشهيرة والتي تقول: “يا بلادي خدي شادي، بكر أولادي، ودادي دادي يا بلادي، خدي شادي”، أيضاً تدمجها الكاتبة في نصها.

الشاب (عدنان) العائد من جبهة القتال، يقول إنه لا يدرك لمصلحة مَن يقاتل، ويشرح عن دائرة القتل التي يدخل فيها الشباب أثناء المعارك، فالضياع والخوف يولدان لديهم ضرورة القتل، والاستمرار في دائرة القتل: “ليش لازم نموت مشان غيرنا يعيش؟ بس أنا لما بحتار بخاف، وبس خاف بيصير بدي إضرب. وبس إضرب بندم، ومشان ما إندم بيصير بدي إضرب أكتر”، هي دائرة بين الخوف والهجوم والندم وإعادة القتل مجدداً.

أمام مخاوف الحرب يصمت العقل، هكذا تقول المرأة السبعينية أم غسان. 

دور الإعلام في صناعة البروباغندا

الإعلام هو أيضاً وسيلة من وسائل بروباغندا التضحية بالأبناء في الحروب، وهذا ما تركز عليه يازج، فتجعل على خشبة المسرح شخصية مراسلة وكاميرا تصور الأحداث الجماعية التي تحصل في البلدة، لتبثها على شاشة منصوبة على المسرح، يتابعها جمهور العرض كأنهم أمام شاشة التلفزيون الرسمي الحزبي، بين خشبة المسرح وما يعرض على الشاشة أمام أعين المشاهدين، تعالج المخرجة كيفية صناعة الخبر والتدخل به. هي تقنية ذكية لمعالجة دور الإعلام في صناعة الفبركات المطلوبة من الأحزاب الحاكمة. في أحداث المسرحية يسمح أبو الطيب، لمعلم المدرسة أبو فراس برؤية جثة ابنه، في حال تعاون مع التلفزيون وظهر على القنوات الإعلامية متحدّثاً بالسردية التي يريدها المسؤول الحزبي من خطاب بروباغندا إعلامية.

النسخة الانكليزية من مسرحية “الماعز”

في الخاتمة، ينتحر أبو فراس في الصف، يكتب على السبورة بيان انتحاره: “كلنا قتلنا أبناءنا بجهلنا وخوفنا، والآن كل مقاتل يموت هو ابني. نحن نأكل من أجساد بعضنا بعضاً. الفقراء فقط همّ من يموتون، وهؤلاء الذين يديرون هذه الحرب لا يقفون في وجه هذه الآلة ولا يوقفونها، إنهم يستفيدون منها، لا تذهبوا للحرب، إنها بالتأكيد ليست لبناء وطن أفضل. الشك… السؤال… الشجاعة، هذا هو درسي الأخير”.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
أتى متن رواية “زيارة أخيرة لأم كلثوم” مختلفاً عن العنوان المراوغ الذي يحيل القارئ إلى كوكب الشرق. واختار علي عطا لبطله (حسين عبدالمجيد)، مريضاً؛ يعاني من اكتئاب مزمن، سبق له أن دخل المصّحة النفسيّة ثلاث مرّات.
عبدالله حسن – صحافي سوري
ما فعلهُ بيرنيز حين أقنع نساء الولايات المتحدة بالتدخين بدعوى أنه “يجعلهنّ مستقلّات” سَحَر الشركات الأمريكية التي ازدادت ثروتها وقوّتها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى.
علاء رشيدي – كاتب سوري
بعد استقرارها في مونتريال تقرر ياسمينا العودة إلى دمشق، تقرر أن تتصالح مع رعب المدينة وآلامها وعذاباتها، وحين تعود إلى منزل العائلة الذي يضم مقبرة أجدادها، يظهر لها الموتى ويلاحقونها …
ريد مطر – صحافية مصرية
بسبب الوشايات بدأت الدولة المصرية فتح” ملفي السياسي الذي أفتخر به- فأنا مشاركة في ثورة يناير وعضوة في حركة “كفاية” ونشيطة مثلي مثل المصريين، لأنني أعتبر مصر بلدي وبلد أجدادي ولست فلسطينية وحسب”.
ندى أحمد – باحثة
السلطوية في خوف لأنها تعي في قرارة نفسها أن الظلم لا يولد نتائج إيجابية وأن القمع تظل فعاليته محدودة، وخصوصاً على المدى الطويل.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
بمجرّد النظر إلى دمار سوريا والصور الأرشيفية التي تحكي دمار اليابان، يظهر الشبه الكبير ويُحلُّ لغز هذا التشبيه.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني