مصر: كرنفال دامٍ يستهدف الناشط الحقوقي جمال عيد

سكب الطلاء على وجه جمال عيد لا يعني سوى ضيق السلطات الأمنية من نفسه الطويل وإصراره على التمسك بمهماته كمحامٍ حقوقي.

ظهر الحقوقي المصري جمال عيد مدير “الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان” في صورة نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، ملطخاً بالأحمر، كما لو كان مذبوحاً، لولا اللون الأصفر الذي غطى جزءاً آخر من وجهه. أوضح عيد أن ما يلوث وجهه هو طلاء ملون سكبه مجهولون، ما يطرح أسئلة حائرة حول معاقبة محام حقوقي بسكب ألوان كرنفالية عليه قبيل احتفالات رأس السنة الجديدة!

جمال عيد

 لكن عيد جمال عيد هذا العام، لم يكن كرنفالاً مأساويا، وحسب بل رافقه ضرب وسحل وإهانات، وقال في تغريدة له: “حوالى 10 أو 12، طرحوني أرضاً، بعضهم كان يشل حركتي، بعضهم يضرب، بعضهم يغرقني بالبويه، بعضهم بيهدد الناس بالمسدسات عشان محدش يساعدني، بعضهم يصورني، وكلها تعليمات الباشا اللي معاهم!”.

لم يحَر عيد كثيراً في محاولة معرفة من يدفع هولاء الأشخاص لترويعه، إذ وجه أصابع الاتهام مباشرة إلى الأمن المصري، وقال: “هذه المرة كان بينهم ضابط أمن وطني أعرف شكله تماماً، هو من كان يأمرهم بإغراقي بالبويا، وأمرهم بتصويري قائلاً “عشان تتلم”. داخلية السيسي أصبحت عصابة، تسقط العصابة الأمنية تسقط الدولة البوليسية”.

اعتداءات متكررة

لم يكن هذا الاعتداء هو الأول الذي تعرض له عيد فقد واجه ثلاثة اعتداءات سابقاً، آخرها في تشرين الثاني/ نوفمبر الفائت حينما تعرض للضرب تحت منزله وتحطيم سيارة زميلته التي استعارها منه بعد سرقة سيارته. وفي 31 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، تعرض عيد لاعتداء وحشي وسرقة سيارته فجراً، وأصدرت “الشبكة العربية لحقوق الإنسان” وقتذاك بياناً قالت فيه: “سرق جهاز أمني السيارة التي يستخدمها مدير الشبكة العربية جمال عيد، قبل بضعة أسابيع، كرسالة تهديد، وحين استمر عمل الشبكة في فضح الانتهاكات الحادة التي ترتكبها الأجهزة الأمنية، قاموا بالاعتداء البدني عليه، ما تسبب في كسر ضلوعه وإصابة في يده اليمنى، وإصابة أخرى في القدم اليسرى، وكسْرَ نظارته الطبية”.

وفي 11 تشرين الأول، هاجم أحدهم الناشط الحقوقي وسرق هاتفه المحمول، ثم ادعى آخرون أنهم ضباط في قسم شرطة البساتين في القاهرة، وحاولوا استدراجه لركوب سيارة لتحرير محضر، ثم عرف لاحقاً، بعدما توجه إلى قسم الشرطة لتحرير محضر بواقعة الاعتداء عليه، أن هؤلاء لم يكونوا ضباطاً، وأن الهدف من السرقة لم يكن الهاتف، بل كان هناك إصرار على سرقة حقيبة أوراقه.

4 اعتداءات وحشية خلال شهرين تعرض لها عيد بسبب عمله في المجال الحقوقي ورصد الانتهاكات التي يتعرض لها المواطنون المختفون قسراً والسجناء السياسيون، والتنديد باعتقال المحامين الحقوقيين، وآخرهم المحامي الحقوقي محمد الباقر الذي اعتقل أثناء حضوره جلسة الدفاع عن الناشط علاء عبد الفتاح.

سكب الطلاء على وجه عيد لا يعني سوى ضيق السلطات الأمنية من نفسه الطويل وإصراره على التمسك بمهماته كمحامٍ حقوقي. فالطلاء الذي أُسقط على وجهه رمز لمحاولة طمس النضال في سبيل الحقوق والحريات، واللون الأحمر الذي سكب عليه هو لون الدماء ويعكس ما تضمره السلطات الأمنية من نية مبطنة قد تصل للقتل. هو مشهد يعيدنا إلى قضية الباحث الايطالي جوليو ريجيني الذي قتل تحت التعذيب بعد اختطافه، وتشير الوقائع إلى أن الجهات التي تسببت في مقتله هي جهات أمنية.

قناعات عيد تزعج النظام المصري الحالي، فهو يؤكد دائماً أنه يؤمن بسيادة القانون واستقلال المؤسسات والفصل بين السلطات.

وقائع محاصرة عيد تعود إلى عام 2011 على خلفية ارتباطه بالقضية 173 لعام 2011 والمعروفة بقضية “التمويل الأجنبي”، والتي منع على إثرها من السفر منذ عام 2016 حتى الآن، ومنع من التصرف هو وزوجته وأبناؤه بأموالهم، فلا يستطيع عيد منذ ثلاث سنوات مراوحة مكانه أو السفر خارج البلاد أو التصرف بأمواله وممتلكاته.

ويعتبر البعض أن القرار الاستباقي بمنع عيد من السفر ومصادرة أمواله من دون التحقيق معه يعود إلى ظهوره الجريء أكثر من مرة في محاضرات وندوات سياسية، يسرد فيها كشف حساب لنظام السيسي والانتهاكات التي تفاقمت في عهده، منها محاضرة ألقاها قبل أيام من منعه من السفر، في “حزب مصر القوية”.

وعلق عيد على مسألة منعه من السفر، مشيراً إلى أنه كما في الدول البوليسية تم منعه من السفر قبل التحقيق معه، ما يعد مخالفاً للقانون. 

ورافقت الاعتداء على عيد حملة تعليقات إعلامية محرّضة، وتناولت قنوات تابعة للإخوان المسلمين واقعة الاعتداء التي اعتبرها الإعلام الرسمي ذريعة لمحاربة جمال عيد والتشكيك في روايته واتهامه بمساعدة الإخوان لتشوية النظام السياسي الحالي.

في المقابل، رأت المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط في “هيومن رايتس ووتش” سارة ليا ويتسن، أن “الهجوم الأخير على جمال عيد يحمل بصمات قوات الأمن المصرية بشكل واضح. الهجمات المتكررة على أحد أبرز النشطاء الحقوقيين في مصر تُثير بواعث قلق خطيرة بشأن احتمال تورّط القيادة المصرية”.

آخر الشبكات الحقوقية

أسس عيد (55 سنة)، “الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان” (الشبكة) عام 2003 لتعزيز حرية التعبير وتقديم المساعدة القانونية للنشطاء والصحافيين. نالت الشبكة وعيد جوائز عدة لعملهما في مجال حرية التعبير وحرية الصحافة في مصر.

الشبكة العربية التي يديرها المحامي الحقوقي كانت أصدرت تقارير صادمة عن وضع الحريات وانتهاكات حقوق الإنسان خلال عام 2019 على موقعها الرسمي، أبرزها التصفية بالقتل خارج إطار القانون، والعداء المتبادل بين “فايسبوك” والحكومة المصرية بسبب الملاحقة والاعتقال بسبب “بوست”، وتقرير آخر عن المحتسبين الجدد والمحاكم الدينية والأخلاقية والوطنية في عهد حكم السيسي، والتجويع  بسبب رأي وحرمان المعارضين من العمل بسبب آرائهم، وتقرير عن التمييز ضد المصريين ومحاباة الأجانب.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

مايا العمّار- صحافية لبنانية
في استدعاء نضال أيوب ما يُنبئ بتكريس المزاجيّة القضائيّة نهجاً والتموضع مع النافذين وجهةً، على قاعدة هيا نستدعي الأعزل في وجه الشبكة، والأضعف في وجه الأقوى، والثورة في وجه السلطة.
“درج”
قررت السلطة أن تستدعي الأمين بتهمة شتمه مصرفياً قامر مع المصرف المركزي بمدخرات الناس، وجنى فوائد وأرباحاً صرف جزءاً منها في رحلات صيدٍ بري في أفريقيا، ولم يخجل من التقاط صور لنفسه مبتسماً أمام الحيوانات القتيلة.
زينة علوش – خبيرة في السياسات الرعائية
يوجد مؤشرات عالمية خطيرة تؤكد تعرض الأطفال في المؤسسات الرعائية إلى شتى أنواع الاستغلال. ناهيك بالعنف والتحرش، وصولاً إلى الاتجار لأغراض التبني.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
هناك “بروفايل” لغير ثائر، يرمي المصائب كلها على رأس انتفاضة اللبنانيين، من الوضع المالي والمعيشي مروراً بعدم تشكيل حكومة وصولاً إلى حروب المغول وصراغ الغساسنة والرومان مع الفرس الساسانيين.
مايا العمّار- صحافية لبنانية
بعد سلسلة من التقارير التي تناولت مراكز الاعتقال وفظاعة ما تخفيه خلف جدرانها وتحت أرضيّتها، يشعر الإنسان وكأنّه تعب من زيارة تلك المشاهد المضنية التي لا يحتمل العقل تصوّرها، وربّما يفضّل الانكفاء عن المتابعة. لكن وسط مساعي الانسحاب هذه، تأتي أصوات 400 معتقل سابق في سجون النظام السوري لتعيد إلى القضيّة زخمها…    
ترجمة – The Guardian
كان دونالد ترامب على وشك إنشاء مبنى إداري في نيويورك وطلب من سوروس أن يصبح أكبر المستأجرين له. كان سوروس في ذلك الوقت من أنجح المستثمرين، لكنه قال لترامب إنه ببساطة لا يستطيع تحمل تلك التكلفة. يقول سوروس مبتسماً، “قلت له ذلك لأنني لم أكن أحبه”.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني