لبنان يتسع لكارلوس غصن ويضيق بربيع الأمين

ديسمبر 31, 2019
لبنان الفاسد والمذهبي والمرتهن والمقاوم والمتنوع، يتسع لكارلوس غصن، فيما لا تتسع فرنسا له نظراً لضيق صدر عدالتها بالرجال "الناجحين" من أمثاله.

هبط كارلوس غصن على لبنان! الرجل المتهم بواحدة من أكبر عمليات الفساد في العالم، والبلد الذي شهد أوضح عملية سطو على مدخرات مواطنيه. لا نعرف تفاصيل أخرى عن صفقة وصول غصن إلى بلد أجداده. نعرف أنه اختار لبنان ملجأ، وتجنب فرنسا التي نشأ فيها ويحمل جنسيتها وكان مديراً لواحدة من أكبر شركاتها. لبنان الفاسد والمذهبي والمرتهن والمقاوم والمتنوع، يتسع لكارلوس غصن، فيما لا تتسع فرنسا له نظراً لضيق صدر عدالتها بالرجال “الناجحين” من أمثاله. الرجل اختار لبنان! ما أكرمنا نحن اللبنانيين، الذي غفل عنا الرجل طوال حياته وعلى مدى سنوات صعوده، وها هو تيقّن أن لا أحد له سوى بلده.

ربيع الأمين بعد التحقيق معه

ولبنان الذي اتسع بالأمس لكارلوس غصن كان أيضاً بالأمس ساهراً بأمنه وقضائه متعقباً ربيع الأمين، الناشط الذي خدش حياء مصرفي. لا مكان لقلة الحياء في جمهورية كارلوس غصن. على ربيع أن يحضر من مدينة صور في منتصف الليل وإلا اهتز قوس العدالة. الأرجح أن انتظار الضابطة العدلية بالأمس كان انتظارين، سيارة ربيع الآتية من صور، وطائرة كارلوس غصن من طوكيو. لم يُبدد رجال العدالة في لبنان وقتهم ليلة أمس. هارب من العدالة هو ربيع الأمين، ولاجئ إلى ربوع بلده هرباً من اختلال العدالة في العالم هو كارلوس غصن. 

المصرفيون الذين أساءوا الأمانة وسطوا على مدخرات اللبنانيين ربما كانوا في استقبال غصن على المطار، فيما صودف أن حاكم مصرف لبنان السيد رياض سلامة كان مغادراً إلى باريس لقضاء عيد رأس السنة هناك، وانتشرت إشاعة تقول إن الرجلين تصافحا في صالون الشرف لكنهما لم يتبادلا الابتسامات، فيما كان مصرفي شاب يتابع عبر الهاتف مع أحد القضاة ما إذا كان ربيع غادر صور ليسلم نفسه إلى العدالة، فطمأنته الضابطة العدلية بأنها تتابع سيارة ربيع عبر “غوغل ماب”!

نعرف أنه اختار لبنان ملجأ، وتجنب فرنسا التي نشأ فيها ويحمل جنسيتها وكان مديراً لواحدة من أكبر شركاتها. لبنان الفاسد والمذهبي والمرتهن والمقاوم والمتنوع، يتسع لكارلوس غصن، فيما لا تتسع فرنسا له نظراً لضيق صدر عدالتها بالرجال “الناجحين” من أمثاله.

لبنان هذا معجزة حقاً. لقد استقبلنا بالأمس أحد آمري سجن الخيام الذي أنشأه الاحتلال الإسرائيلي. وصل أيضاً عبر مطار بيروت! “لبنان سلاح المقاومة” فعل ذلك، ذاك أن ثمة من شعر بأنه قدم لهذه المقاومة بلداً بأكمله، ومن المفترض أن لا تضيق عينها بآمر سجن! هنا تماماً تكمن “المعجزة” اللبنانية، وجوهرتها هذه الأيام الوزير المعجزة والعهد المعجزة والمقاومة المعجزة. فوصول كارلوس غصن إلى ربوعنا قد يعني أيضاً خطوة في سياق المواجهة مع هذا العالم الشرير الذي يستهدف بلدنا ويطمع بعقولنا وثرواتنا. ويمكن في هذا السياق ضم هذا الرجل إلى منظومة أيقوناتنا التي سنتحدى فيها هذا الغرب الامبريالي. فهو أشار بعد وصوله إلى أنه مستهدف سياسياً، وهذا مدخل لضمه إلى ظلامتنا الممتدة من فلسطين إلى مؤامرة ولادة “داعش”.

اللحظة مناسبة جداً لاستقبال كارلوس غصن. لدينا في لبنان حوالى 65 نسخة عن الرجل هم أصحاب المصارف الذين نقلوا ودائع اللبنانيين إلى مصرف لبنان مقابل فوائد باهظة، وتولى “المركزي” بذلك تمويل فساد الدولة، فسقط الجميع بإفلاس نجا منه أصحاب المصارف وسياسيون نقلوا في الأيام الأولى للسقوط ودائعهم إلى مصارف في الخارج، بعدما أقدم أصحاب المصارف على إقفال أبواب بنوكهم لمدة أسبوعين شهدا عمليات التحويل الكبرى. وبعد هذا السقوط الكبير سقط علينا كارلوس غصن، الرجل الذي قرر العودة إلى بلده الأصل. وفي هذا الوقت كانت العدالة اللبنانية تتعقب ربيع الأمين، الناشط الذي شتم صاحب المصرف على “فايسبوك”.

لبنان يتسع لكارلوس غصن ويضيق بربيع الأمين. لبنان القوي، لبنان المقاومة، لبنان المصارف التي أساءت الأمانة… يحيا لبنان كارلوس غصن وليسقط ربيع الأمين، ولتتحقق العدالة!

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

ميزر كمال- صحافي عراقي
تضغط إيران بشكل كبير لاستبعاد رئيس وزراء العراق المكلف عدنان الزرفي، وهي لهذه الغاية أرسلت رجلها الجديد اسماعيل قآني إلى بغداد…
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
هناك حاجة للشعب الإيراني إلى نظام إنساني، أكثر من حاجته إلى المساعدات الإنسانية، فمن سينجو من كورونا اليوم، سيقتله النظام غداً.
أحمد حاج حمدو – صحافي سوري
بعيدًا عن عدسات وسائل الإعلام، و”نظرة الوداع” من ذويهم، يُدفن الأموات ضحايا فيروس “كورونا” وهم يرتدون “ملابس المستشفيات” دون أي مراسم أو جنائز، لا تسمح السلطات بهذه المراسم، وكذلك الحال لا يُسمح لذوي المتوفين بوداعهم ولو بنظرة من بعيد.
كريم شفيق – صحفي مصري
كان الخطاب الديني الذي لعب على أعناقه عدد من رجال الدين بمثابة خط الدفاع الأول، الذي بدأ ينشط لمواجهة الفايروس المستجد…
فيكين شيتريان – صحافي وكاتب أرمني
مما لا شك فيه أن نظاماً عالمياً قائماً على الحسابات المالية ليس السبيل إلى إنقاذ أرواحنا. لكن هذا النظام الرأسمالي يبدو اليوم هشاً للغاية وعاجزاً.
خالد سليمان – صحافي وكاتب كردي عراقي
الأمراض الناشئة هي نتيجة طبيعية للتغيرات البيئية الناتجة عن النشاط البشري، وما فايروس “كورونا” سوى وجه من وجوه هذه التغيرات التي لا تتوقف ما لم يتوقف البشر عن إجهاد الأرض.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني