في عمق مسارات تتبع تهريب الجِمال من الصحراء السورية إلى خارج الحدود

في سوريا، يعد نزيف الثروة الحيوانية عموماً، وخسارة قطيع الإبل وفرار المربين وهجرتهم إلى الخارج، وانتشار عمليات التهريب خارج الحدود منذ 9 سنوات، من أهم العوامل التي تهدد هذه الثروة.

ككل عام، وفي مثل هذه الأيام كان على الشاب التدمري صالح سويدان (32 سنة)، ذي البشرة الداكنة والذقن المشذبة، أن يعمل بشكل دؤوب على تدريب رؤوس الإبل التي يملكها (يحسّن مهاراتها ويروضّها)، استعداداً لمحفل كبير مخصص للقطيع، يُقام سنوياً في مسقط رأسه تدمر، وسط الصحراء السورية، ويجذب آلاف السياح العرب والأجانب، لكن الظروف الآن تبدّلت تماماً. الشاب هرب من مدينته التي نشأ وترعرع فيها، خوفاً من قصف قوات النظام السوري عام 2016، تاركاً خلفه، كما يقول المثل الشعبي “الجمل بما حمل“. وهو الآن يعمل في غسيل الأطباق في مطعم يوناني، في العاصمة اليونانية أثينا، والتي وصل إليها قبل سنتين هرباً من أتون الحرب السورية. يحاول صالح التأقلم مع عمله الجديد مذ وصل إلى البر الأوروبي عبر تركيا، التي لجأ إليها هو و21 فرداً من عائلته، بعدما فقدوا ثروتهم من قطيع الإبل كاملة.

كانوا يربون الجِمال في عمق البادية السورية، نحو 60 كيلومتراً شرق تدمر، “خلعنا ثوبنا البدوي ولبسنا بدلة الجلي”، يقول الشاب متحسراً على حاله. ويضيف بصوت حزين وهو يغلق صنبور المياه: “رحلنا من مناطقنا بسبب سرقة جمالنا وتهريبها إلى خارج البلاد”.

في المأساة، تتشابه قصة صالح مع ابن بلدته مشعل حمود، وتختلف في بعض التفاصيل، فالشاب حمود والذي كان يعمل في تربية الإبل، وكان يملك 38 رأساً في تدمر، وهو لاجئ في الدنمارك منذ نهاية 2015، لا يعرف عن ثروة الجمال شيئاً مذ تركها قبل خمس سنوات في 2013، عندما فرّ هو وعائلته من المدينة خوفاً من الاعتقال من قبل قوات النظام السوري على خلفية مشاركته في التظاهرات والاحتجاجات التي شبت في سوريا مطلع 2011.

ترك القطيع خلفه، وكان سعيد الحظ بأن سمع أخباراً عنه تواترت إليه، لكنها لم تكن في المنحى الذي يحب، إذ أُبلِغ “بأن الجيش السوري سيطر على الجمال، وباعها للتجار وهربّت إلى السعودية من طريق الأردن”، كما يروي حمود.

تصوير: دحام الأسعد

ضياع سبل الحياة 

في سوريا، يعد نزيف الثروة الحيوانية عموماً، وخسارة قطيع الإبل وفرار المربين وهجرتهم إلى الخارج، وانتشار عمليات التهريب خارج الحدود منذ 9 سنوات، من أهم العوامل التي تهدد هذه الثروة، وأبعد من ذلك تساهم في محو العادات والتقاليد العريقة المرتبطة بهذه المهنة، المتعلقة بالبدو في الصحراء. فتربية الإبل بالنسبة إلى هؤلاء بمثابة سبيل للحياة، وجزء لا يتجزأ من أدوات العيش للمربين، لكن هذا السبيل يبدو أنه في طريقه للانقطاع على ما يثبت هذا التحقيق على مدار ستة أشهر. 

في أيلول/ سبتمبر 2017، نقلت وسائل إعلام سوريّة عن أحمد قادش، معاون وزير الزراعة السوري، قوله إنه تم العثور على 450 رأساً من الإبل تائهة في صحراء منطقة حميمة شرق البلاد، وتم نقل 42 رأساً منها إلى دير الحجر في ريف دمشق، وما زالت 405 رؤوس في مركز تابع للبحوث العلمية الزراعية في منطقة حميمة. 

نقلت وسائل إعلام سوريّة عن أحمد قادش، معاون وزير الزراعة السوري، قوله إنه تم العثور على 450 رأساً من الإبل تائهة في صحراء منطقة حميمة شرق البلاد. 

كان الفرار إلى اليونان، الخيار الوحيد المتبقي لصالح وأفراد أسرته، بعدما خسروا القطيع الذي كان مصدر رزقهم الوحيد، والذي ورثوه عن جدهم.

“رأيت البحر للمرة الأولى عندما صعدت إلى القارب المطاطي للعبور إلى اليونان”، قال صالح لمعد التحقيق، فاتحاً عينيه العسليتين، ثم رفع صوته وأضاف: “نحن ترعرعنا في الصحراء لا نعرف السباحة، كانت رهبة لم نتخيلها”، في إشارة منه إلى الطريقة التي قطع فيها بحر إيجه الواصل بين تركيا واليونان، بالقارب المطاطي (البالم). 

من النادر أن تعثر على دراسة حديثة ودقيقة متعلقة بقطيع الإبل والثروة الحيوانية في سوريا بعد 2011، لذلك كان علينا أن نبدأ هذه القصة من الصفر لجمع المعلومات من مصادرها ومقارنتها بفترة ما قبل الحرب.

تصوير: دحام الأسعد

وللوصول إلى أطراف القصة ومعرفة التفاصيل، تتبع فريق التحقيق مسارات إخراج الإبل من سوريا تهريباً عبر الحدود في حلقات تضم مهربين وسماسرة ومربين أيضاً اضطروا للتخلي عن قطعانهم. وهم ينشطون في مناطق تشكل 80 في المئة من مساحة سوريا في شرق البلاد ووسطها وجنوبها، ومن ضمنها البادية السورية بمساحة تقدر بنحو 60 ألف كيلومتر مربع من عموم مساحة البلاد. 

حتى عام 2010 كانت سوريا تملك 50202 رأس إبل بمعدل نمو سنوي قدره 12.7 في المئة، إذ كان العدد عام 2009 نحو 32494 رأساً، وعام 2008 كان العدد 27.536 رأساً. وكانت محافظة دير الزور تستحوذ على المرتبة الأولى على عدد القطيع بنسبة 40 في المئة من إجمالي الإبل في سوريا، تليها دمشق وريفها 16.7 في المئة، ثم الرقة 13 في المئة فالسويداء 4.7 في المئة، وفق دراسة اقتصادية واجتماعية عن مربي الإبل في سوريا، حصل عليها فريق التحقيق، وهي صادرة عن المركز العربي لدراسة المناطق الجافة (أكساد)، بالتعاون مع وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي العام 2013. 

في خيمة حمد 

عند الغسق، كانت الشمس تودّع الصحراء، بألوانها البرتقالية الداكنة، وعلى الحدود السورية – الأردنية في منطقة رويشد داخل الأردن، فجأة يهدر صوت محرك سيارة في الأفق متجهة نحونا، ما لبثت أن ظهرت… إنها سيارة شحن مطلية بالطين للتمويه.

“اجروا خلفنا”، قال السائق، ويده على حافة شباك السيارة بصوت خشن، وبلهجة بدوية واضحة… وتابع “حمد ينتظركم في الخيمة” (اسم مستعار).

حمد (37 سنة)، يرتدي جلابية (لباس عربي تقليدي) رمادية وبيضاء اللون، ويعتمر شماغاً أحمر وأبيض، يعمل في بيع الإبل السورية المهرّبة في مدن قريبة من الحدود ومشهورة بتربية الإبل، كمدينة المفرق، والتي تبعد نحو الساعتين من دمشق. ولتسهيل مهمته يقيم في خيمة على شكل بيت متنقل، فيأخذها معه حيث يحل. وهو حالياً في مكان يبعد من الحدود بضعة كيلومترات عبر الطريق الصحراوي، حيث لا تمكن رؤية أي شيء سوى الغبار والحجر والرمال، وإن كنت محظوظاً ستجد بعض الإبل والخيم على الطريق. 

تصوير: دحام الأسعد

كان الجو خلال النهار حاراً، وتمكن رؤية السراب من بعيد ولا توجد أي مظاهر حياة هنا.

تعد الحدود الأردنية مع سوريا، بمثابة بوابة لدخول الإبل المهربة من بادية الشام بطريقة غير شرعية، إذ تنامت هذه التجارة خلال سنوات الحرب، لكنها تهدأ وتنشط بشكل متقطع ومرتبط بوتيرة الأحداث والمعارك داخل سوريا.

تصوير: دحام الأسعد

أشار بيده من على باب خيمته المتنقلة إلى المكان الذي تدخل منه الإبل عبر الحدود، وهو بعيد نوعاً ما من مكاننا، وهو عبارة عن تلال صحراوية، وقال “من هناك تدخل الجِمال السورية… هذه هي مصادر رزقنا”.

كان ينتظر عدداً من الإبل التي سوف تدخل من سوريا، كان اشتراها أحدهم من سوق مخصص للإبل في مخيم الركبان العشوائي للاجئين السوريين الذي يقع في المناطق المحرمة بين سوريا والأردن، ويريد إدخالها.

كان الخوف والقلق ظاهرين في عينيه، وإذا بهاتفه يرن! يقول المتصل: “لن تدخل الإبل اليوم، الضابط المناوب، الذي نعرفه ليس هنا”. تابع المهرب من سوريا: “علينا الانتظار حتى الأسبوع المقبل”.

“نحن ترعرعنا في الصحراء لا نعرف السباحة، كانت رهبة لم نتخيلها”، في إشارة منه إلى الطريقة التي قطع فيها بحر إيجه الواصل بين تركيا واليونان، بالقارب المطاطي (البالم). 

يؤكد حمد، أنّ ندرة الأعلاف بسبب ظروف الصراع وعدم وصولها إلى عمق الصحراء، وشدة المعارك في سوريا، لم تترك خياراً للمربين إلا بهجر القطعان أو بيعها للمهربين والتجار، فضلاً عن تعرض مناطق التربية إلى القصف المتبادل بين قوات النظام السوري وتنظيم “داعش”، فهرب المربون وأغلبهم من البدو من مناطقهم في الصحراء، وأصبحت حماية الإبل عبئاً كبيراً لا يمكن تحمله.

وفق دراسة “أكساد” لعام 2013، تعد عوامل الجفاف، وزيادة أسعار الأعلاف، والأمراض، وغيرها، عوامل مشتركة ومسببات رئيسية لانخفاض عدد القطيع في المحافظات حيث تربية الإبل، أي دير الزور وريف دمشق وحمص على التوالي. 

تصوير: دحام الأسعد

ومن أهم الأسباب التي تجعل المربين يتخلون عن إبلهم إلى جانب فرارهم من أتون المعارك وتعرض مناطقهم للقصف اليومي، هو الجفاف أيضاً، إذ يشرب الجمل على دفعات، وفي كل دفعة يحتاج إلى نحو 135 ليتراً من الماء.

يوضح سويدان أن “إخراج الإبل من سوريا ساهم في رفع أسعارها، فقد كان سعر الرأس في سوريا 5 آلاف دولار، والآن يتراوح بين 2000 و10 آلاف دينار أردني (3000 إلى 14 ألف دولار)، بحسب مواصفات الجمل”.

متاهة البحث عن جمل سوري 

قد تجد إبل سورية تحط في الأردن طريقها إلى دول الخليج العربية، وفق ما ذكره تجار ومربون سابقون التقاهم معد التحقيق، وعليه قررنا الاتجاه جنوباً في رحلة بحث أوصلتنا إلى الحدود الأردنية – السعودية. 

خلف (45 سنة)، ذو بشرة داكنة وأصلع، يرتدي ثوباً بدوياً طويلاً أبيض وعليه بقع طين، سألناه عن أصل الإبل التي يملكها، هل هي سوريّة؟ ارتبك، ونظر إلى قطعانه التي كانت تبعد أمتاراً، وقال: “لا أعلم”. صمت قليلاً ثم أضاف: “كانت الإبل منذ سنين تدخل من سوريا، ولكن ليس الآن”.

كان خلف يدرّب بعض الإبل للمشاركة في سباق في مهرجان الديسة الذي يقام سنوياً في الأردن.

رحلة البحث عن الإبل السورية في متاهات الصحراء والبوادي جنوب سوريا وعبر الحدود ليست مهمة سهلة، وكان من الصعب انتزاع اعتراف من مربٍ أو تاجر في الأردن، بأن هذه الإبل سوريّة، لكننا نجحنا في إقناع عبد العزيز (اسم مستعار) من مدينة المفرق، بأن يرينا الإبل السورية الأصل في مزرعته، وهي لا تختلف كثيراً عن نظيرتها الأردنية، إلا لناحية السعر. 

تصوير: دحام الأسعد

وأشار إلى أنه من المستحيل التفرقة بين الإبل الأردنية والسورية، بسبب التشابه بينهما، وبسبب طبيعة القرب الجغرافي بين البلدين.

وكان مدير مديرية الصناعة والتجارة في مدينة المفرق، فتحي البشابشة، أكد أن تربية الإبل في المحافظة ازدهرت، والدليل هو ازدياد كميات استهلاك الأعلاف المخصصة لها، ووصل عدد الرؤوس إلى 2150 رأساً، كما نقلت عنه صحيفة “الرأي” الأردنية عام 2016.

تصوير: دحام الأسعد

تواصل فريق التحقيق عبر البريد الإلكتروني مع إدارة الجمارك الأردنية للحصول على توضيحات حول ما ورد في التحقيق، وتم توجيه أسئلة إلى المدير العام بتاريخ 12 كانون الأول/ ديسمبر، لكن لم يصل أي رد على الاستفسارات حتى نشر التحقيق. 

تهريب إلى العراق 

وفق شهادات تجار وسماسرة ومربين سابقين فإن الإبل السورية، كانت تباع للمهربين في مخيم الركبان للنازحين السوريين، وفي أرياف محافظة الرقة في مدينة المنصورة وفي مدينة الميادين ومدينة البوكمال بدير الزور، ومن هناك تأخذ طريقاً جديداً للتهريب إلى البلدان المجاورة كالعراق وتركيا. 

عندما أعلن تنظيم “داعش” فتح الحدود السورية – العراقية عام 2014، إبان سيطرته على المنطقة، نشطت هذه التجارة كثيراً وفق شهادات مربين ومهربين.

محمد (45 سنة) يرتدي بنطال جينز مع قميص رمادي، ولديه عينان خضراوان وبشرة داكنة، وعمل في تهريب الإبل من سوريا إلى العراق وتركيا.

قابله معد التحقيق في تركيا عام 2019، ليس بعيداً من الحدود التركية – السورية في مدينة شانلي أورفا، تبعد 80 كلم من مدينة الرقة، وأشار إلى أن الإبل السورية هرّبت إلى العراق بطريقة منهجية عبر “داعش”، وأكد أن قطعان الإبل كانت تعبر الحدود يومياً. 

تصوير: دحام الأسعد

وقال: “الأمراء (القادة العسكريون) في “داعش”، أغلبهم كانوا ينحدرون من العراق، وهذا كان بأمر بعض أمراء التنظيم”.

أوضح محمد أن الإبل السورية المهربة إلى العراق هي الآن في مناطق محافظة الأنبار والرمادي المحايدة للشريط الحدودي مع سوريا، والتي تملك الطابع الجغرافي لتربية الإبل. 

وفقاً لصالح، والذي كان يملك أكثر من 300 رأس من الإبل الأصيلة في المنطقة، فإن الإبل قد تم تهريب معظمها بعد بيعها لتجار وسماسرة إلى خارج الحدود، وقبض ثمنها التنظيم، وتأكد من ذلك بنفسه كما يقول قبل هروبه وعائلته من سوريا.

تعد الحدود الأردنية مع سوريا، بمثابة بوابة لدخول الإبل المهربة من بادية الشام بطريقة غير شرعية.

أما في تركيا وبحسب محمد، فالإبل موجودة في ضواحي مدينة شانلي اورفا، مدينة حران وأكشة قلعة، المحايدة للحدود السورية.

كلام محمد، ينطبق مع ما أكده لمعد التحقيق مقاتل سابق في التنظيم، كان شاهداً على خروج دفعات من الإبل السورية إلى العراق، وأشار إلى أن تنظيم “داعش” كان يأخذ الإبل من الناس كزكاة، ويرسلها إلى العراق. 

وقال “وجدنا الكثير من الإبل في الصحراء، حيث تركها أصحابها وهربوا خوفاً منا أو من طيران النظام السوري”.

وكنتيجة لحجم الخسائر المترتبة في قطاع الثروة الحيوانية في سوريا والإبل من ضمنها، تشير أرقام منظمة الأغذية والزراعة العالمية “الفاو” لغاية 2018، إلى بلوغ قيمة الأضرار والخسائر التي تعرّض لها قطاع الثروة الحيوانية ومن بينها قطاع الإبل عتبة الـ5.5 مليار دولار.

لحوم لإطعام المقاتلين 

بعد غارات طيران النظام السوري على تدمر والمناطق الشرقية من سوريا، حيث تتركز تربية الإبل، ومن ثم سيطرة تنظيم “داعش” على المنطقة منذ 2014 حتى مطلع 2019، هاجر المدنيون والمربون بأعداد كبيرة من المنطقة ونزحوا إلى داخل البلاد أو فروا إلى الخارج، وتركوا مدناً وأريافاً في دير الزور وتدمر والرقة وفي البادية السورية التي تمتد من حمص وريفها شرقاً إلى الحدود السورية – الأردنية – العراقية على شكل مثلث.

المربون والبدو الرحّل خسروا كل شيء، والآن يعيش بعضهم في مدن أوروبية أو في دول الجوار السوري، ويحاول الانخراط في بيئات مختلفة كلياً عن بيئته التي ترعرع فيها.

حزن واكتئاب في عيني صالح، وبصوت حزين يتهم صالح تنظيم “داعش” بأنه السبب وراء خسارته قطيعه، حيث جاؤوا إليه في وضح النهار، بينما كان في وسط الصحراء، أخذوا قطيعه بالقوة بعدما أشهروا السلاح في وجهه، بذريعة “أنهم يريدونها لإطعام الجهاديين والعساكر“.

يؤكد حمد، أنّ ندرة الأعلاف بسبب ظروف الصراع وعدم وصولها إلى عمق الصحراء، وشدة المعارك في سوريا، لم تترك خياراً للمربين إلا بهجر القطعان أو بيعها للمهربين والتجار.

كانت عائلة صالح تستخدم الإبل في السباقات الرياضية المخصصة للجمال والتي كانت تقام قبل 2010 في مدينة تدمر الأثرية، ويقدر ثمنها بنحو نصف مليون دولار، بحسب وصفه.

ومن المعروف أن سباقات الجمال في تدمر تعد من الأنشطة الرياضية والسياحية المعروفة، بعدما تم بناء مضمار للسباقات في الصحراء طوله 30 كلم. وعززت هذه المبادرة السباقات وانتعشت المنطقة، وارتفعت أسعار الإبل هناك.

“كانت الإبل بالنسبة لنا كل شيء، رحلنا من المنطقة وأتينا إلى أوروبا”، يقول صالح وهو يحدق في صور الإبل التي يعلقها فوق سريره. صور تظهره بعمر صغير راكباً جملاً ويقول: “هي مجرد حلم وذكرى الآن، فنحن الآن كسمك خارج المياه ميتون”.

تصوير: دحام الأسعد

حجم الخسائر

وفق أرقام المكتب المركزي للإحصاء، وهو مؤسسة إحصاء حكومية تتبع لمجلس الوزراء، بلغ عدد الإبل في سورية عام 2016 نحو 46 ألف رأس، بعدما كانت عام 2012 نحو 55 ألفاً بانخفاض 9 آلاف فقط، لكن من غير المعروف ما هي الآلية التي تم من خلالها الحصول على هذا الرقم، فمناطق تربية الإبل في سوريا في معظمها هذا العام لم تكن تحت سيطرة قوات النظام السوري.

يوضح الخبير الزراعي سامر كعكرلي، والذي يملك خبرة في مجال الثروة الحيوانية في سوريا، آلية العمل هذه، عبر اعتماد اللجان الإحصائية لنسب النمو هبوطاً وصعوداً خلال فترة زمنية معينة، ويتم أخذ متوسط معدل النمو، ثم يعمم بحيث لا يمكن تحديد إحصاء دقيق فيه، فمن الصعب أن تعمل اللجان في مثل الظروف السورية. 

وأمام هذا الواقع يصبح من الصعب إحصاء الأضرار والخسائر حتى اليوم بسبب صعوبة الوصول إلى المتضررين، لكن التقديرات تشير إلى أن سوريا خسرت أكثر من 20 ألفاً من رؤوس الإبل بسبب التهريب وضياع القطيع من أصل 50 ألفاً، وهو رقم حصلنا عليه من تقديرات من قابلناهم من المهربين وتجار الإبل في سوريا ومربين ودراسات متعلقة.

قاطعنا هذا الرقم مع معلومات وإحصاءات يملكها عمر سعيد، وهو شاب سوري يقيم في بريطانيا، وعمل سابقاً على إحصاء أعداد الإبل في الصحراء السورية قبل 2011، فأكد صحة الأرقام بالمقارنة مع تلك التي حصلنا عليها.

ويؤكد كعكرلي، تعرض الثروة الحيوانية في سوريا وبخاصة الأغنام والأبقار إلى أضرار كبيرة، بسبب التهريب، والتصدير، والذبح العشوائي، مشيراً إلى أن الأرقام التقديرية من القطيع (الإبل) هي في الواقع أقل من الإحصاء بكثير.

الخيار الوحيد للبقاء 

يربط خبراء وعاملون سابقون في قطاع الثروة الحيوانية في سوريا بين تحقيق الاستقرار على الأرض وفي أوساط مجتمعات المزارعين والمربين، وبين إعادة إطلاق عمليات شاملة للنهوض بالثروة الحيوانية في البلاد ومن ضمنها قطاع الإبل، ويؤكد المهندس جمال كلش، وهو وزير زراعة سابق في الحكومة السورية الموقتة التابعة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، أنه من السهل النهوض بواقع الثروة الحيوانية مع وجود دعم يغطي خطط النهوض بهذا القطاع، وذلك بسبب توفر الخبرات المحلية، لكن ما ينقص هو الاستقرار أولاً، ومن ثم الدعم المادي.

لكن بالنسبة إلى صالح الذي كان يملك قطيعاً كبيراً من الإبل، فإن هذا أصبح من الماضي، ومجرد ذكريات لا أكثر.

هو يعمل الآن في مطعم ويسكن مع ابن عمه محمد في غرفة مشتركة، تضم سريرين وأريكة قديمة، ويخططان لبدء حياة جديدة.

وضع صالح فوق سريره صوراً فوتوغرافية قديمة له ولابن عمه، عندما كانا صغيرين، وهما يركبان على الجِمال، وفي الخلفية آثار مدينة تدمر العريقة.

يخلع صالح بنطاله وكنزته الصيفية، ويرتدي ثوباً بدوياً أبيض اللون، ينضم إلى ابن عمه الذي يجلس على الأريكة لشرب الشاي كما لو كانا في الصحراء التدمرية.

وصالح وابن عمه من عائلة تضم 21 فرداً تفرقوا بين اليونان وألمانيا ودروب اللجوء الوعرة.

أخرج صالح هاتفه من جيبه واستعرض صورة إبل تشارك في سباق خاص، كان نُظّم سابقاً في تدمر، التفت إلى ابن عمه بجواره وسأله “أين تعتقد جمالنا الآن؟”، أجاب محمد بصوت حزين “ربما في العراق أو الأردن أو في فناء أحد أمراء الخليج”.

هذا التحقيق تمّ بدعم من “Money Trial Project”، وشارك في تحريره محمد بسيكي.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
مناهل السهوي وميزر كمال
حين فكرنا بمادة تجمع العراق وسوريا معاً بدا أن الجوع هو البوابة، العراقُ من الماضي وسوريا الآن، كيف يبدو شكل المجاعةِ الآتية إلى سوريا اعتماداً على الزمن الماضي الذي عاشه العراق في حصار قاس؟
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني