“إمارة العشائر” في الضفة الغربية تعلن شريعتها في وجه السلطة

دعت العشائر الفلسطينية إلى إغلاق جميع المؤسسات النسوية وما يدور في فلكها في فلسطين.

في فلسطين يستذكر الفلسطينيون الانتفاضة الأولى 1987، عندما قوضت الانتفاضة وقيادتها سلطة العشيرة، ووضعت مبادئ وقواعد للتعامل بين الناس وروح التضامن بينهم. حينها يستذكر الفلسطينيون كيف أن شخصاً ملثماً بجراب، كان يمنع أي اعتداء من العشائر على المواطنين والمواطنات، إلى أن تم تقويض الانتفاضة في سنواتها الأخيرة، وبرزت مجدداً حالات الاعتداء على النساء ومحاولة فرض الحجاب عليهن من قبل بعض المتشددين دينياً. برز أيضاً صعود لتحالف مصالح بعض القوى المتنفذة مع بعض رموز العشائر الذي انتموا لتلك القوى.

ومع قيام السلطة الفلسطينية، استعادت العشائر سلطتها وقوتها وعززت مكانتها في أجهزة السلطة من خلال المصالح المشتركة لرموز السلطة، وتسابقت الفصائل الوطنية والإسلامية على كسب ودّ العشائر وكأنهم يعودوا إلى هويتهم بالتسلح بالحمولة والعشيرة والقبيلة.

الزعيم ياسر عرفات كان أسس ما يسمى هيئة شؤون العشائر، ويتم تعيينها وحلّها كما حدث خلال شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، عندما صدر قرار رئاسي حلّ الهيئة في قطاع غزة من قبل الرئيس محمود عباس بسبب خلافات حول من يقودها.

“عمار يا غزة”! كان هذا تعليق أحد الأصدقاء على ما يجري من تمرد عشائر ووجهاء فلسطين الذين عقدوا اجتماعاً بدعوة من عائلة التميمي في ديوان العائلة بمدينة الخليل، لرفض تطبيق اتفاقية “سيداو” (بشأن حظر كافة أشكال التمييز ضد المرأة)، والتي وقعها الرئيس الفلسطيني محمود عباس عام 2014، وما نشر من معلومات مغلوطة حول الاتفاقية والمبادئ الواردة بها. 

غزة التي تقع تحت حكم حركة حماس، وتتهم بمحاولة فرض الشريعة الإسلامية وإعلان الإمارة الاسلامية، لم يصدر منها ولا من أي من عشائر غزة أي موقف تجاه الاتفاقية. هذا لا يعني أن حماس تحمل موقفاً ايجابياً، منها غير أنها فضلت الصمت ولم تبد أي رد فعل تجاه ما يجري في الضفة الغربية، خاصة منطقة الخليل، التي دعت جميع العشائر في فلسطين للاجتماع في ديوان التميمي في المدينة.

اتفاقية “سيداو” أكدت على الحقوق الأساسية للمرأة التي يجب أن يتمتع بها كل إنسان دون تمييز.

حيث عقدت العشائر اجتماعاً علنياً وبدعوات منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، في تحد واضح للسلطة الفلسطينية وحكومتها التي ظهرت بموقف العاجز ولم يصدر منها اي موقف.

مع أن الاتفاقية وتفسيرات لجنة “سيداو”، لا تتضمن نصوصاً تمنح المرأة الحق في الإجهاض على نحو مطلق وعشوائي بما يتعارض مع حق الطفل في الحياة، أو ما يشرّع الزنا بين الأزواج، بل على العكس، فقد أكدت على ضرورة تجريم البغاء والاتجار بالنساء، ومنح الزوج والزوجة الحقوق المتساوية في تقديم الشكوى مع ضرورة المساواة في العقوبة بين الرجل والمرأة.

ولم يرد موضوع المثلية الجنسية في الاتفاقية، وهو أصلاً ليس من صلاحيات واختصاصات اللجنة.

الإتفاقية أكدت على الحقوق الأساسية للمرأة التي يجب أن يتمتع بها كل إنسان دون تمييز وهو ما نصت عليه الاتفاقيات والمواثيق الدولية كافة، انطلاقاً من أن حقوق الإنسان متكاملة وغير قابلة للتجزئة. وفي ذات الوقت ما أكدت عليه وثيقة إعلان الاستقلال، والقانون الأساسي الفلسطيني.

تتضمن اتفاقية “سيداو” حق المساواة للمرأة في الحياة وفي العمل والتعليم والصحة والمشاركة السياسية وتقلد مواقع صنع القرار، والزواج والطلاق وإدارة الشؤون العائلية والاهتمام بالفئات المهمشة من النساء، والمساواة أمام القانون، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحد من العنف ضده. 

لكن هذا كله ورغم سهولة التأكد منه وجد تغافلاً بل وتضليلاً ومحاولات تأجيج في أوساط العشائر. فمنذ منتصف شهر كانون الأول/ ديسمبر، وبعد خمس سنوات على توقيع الرئيس عباس على الاتفاقية، برز وبشكل مفاجئ تحريض العشائر في فلسطين على الاتفاقية، وربما تزامن ذلك مع مصادقة الرئيس عباس على قرار بتحديد سن الزواج في فلسطين بـ18 عاماً، وردّ الفعل السلبي لحزب التحرير الذي ينشط في الضفة الغربية، خاصة في الخليل والقدس، ما أثار حالة الجدل المستمرة إلى اليوم.

العشائر ضد حقوق النساء

الخطير هنا هو هذه القوة والجرأة التي أظهرتها العشائر وما صدر من توصيات بعد اجتماعهم. حيث أوصى المجتمعون في بيان حمل ختم عشائر ووجهاء فلسطين، بالبراءة التامة من اتفاقية “سيداو” وكل ما يترتب عنها، وتحذير السلطة الفلسطينية ودعوتها الانسحاب منها وإلغاءها، والدعوة إلى إغلاق جميع المؤسسات النسوية وما يدور في فلكها في فلسطين، وهي بالمئات، والدعوة لإلغاء عقود إيجارها، وكل من يؤجرهم فهو شريك لهم في “الجريمة”.

الأخطر هو تحذير القضاة من الالتزام بقرار تحديد سن الزواج والقبول والعمل به، وتحذير وسائل الإعلام من السير في تغطية تلك النشاطات الخاصة بالجمعيات والمؤسسات “المشبوهة”، والمطالبة بالانحياز إلى أهل وعشائر فلسطين ومنع المؤسسات النسوية ومندوبيهم من الدخول إلى المدارس بكافة مستوياتها، وتحميل المسؤولية كاملة لمدراء المدارس حال مخالفة ذلك، والدعوة إلى تنظيم مسيرة ووقفات احتجاجية خلال الأيام المقبلة.

العشائر تتحدث باسم الدين والفضيلة في تحالف غريب مع بعض القوى الدينية، وهي من تتنكر لمنح النساء حقوقهن في الميراث، وتجبرهن على الزواج كرهاً، العشائر تخاف من النساء، لأنهن يطالبن بالحق في المساواة وعدم التمييز. العشائر لا تريد فقدان السلطة، ومبدأ الوصاية وحرمان النساء من المطالبة بحقوقهن والتمرد على القمع والعنف الممارس ضدهن.  

ظهرت العشائر على أنها دولة بكل معنى الكلمة، وتمتلك كل مكونات السلطة التي تحتكر العنف والقوة الإكراهية في حكمها، وتنازل الناس طوعاً عن بعض حريتها في مقابل حقوقهم وحرياتهم.

الأخطر هو تحذير القضاة من الالتزام بقرار تحديد سن الزواج والقبول والعمل به.

ما قامت به العشائر هو انقلاب واضح وخطير على مؤسسات السلطة والمجتمع، وجرأة العشائر يوضح مدى وهن السلطة لصالح تعاظم قدرة العشائر على تقويض مفهوم الدولة المدنية، التي تدعوا لها السلطة منذ سنوات، وتهديد السلم المجتمعي. لقد صعدت العشائر بشكل مقلق وحملت اجتماعاتها وبياناتها دعوات صريحة للعنف والقتل وبث خطاب الكراهية، وقمع حرية الرأي والتعبير، وتعدي على القيم والعلاقات الوطنية. 

ما عكسه بيان العشائر يؤسس لحالة فوضى وفلتان أمني، وهذا تماماً ما عانى منه الفلسطينيون كثيراً بداية الألفية الثانية، وهو ما قوض سلطة الدولة وقدرتها على بسط سيادة القانون على كافة الأراضي الفلسطينية.

حتى الآن، كل ما صدر عن السلطة الفلسطينية التي فقدت هيبتها هو بيانات خجولة، لم ترق إلى مستوى خطوة العشائر التي تحدّت وقوضت سلطة السلطة، ولم تتخذ أي خطوة لمحاسبة من تطاولوا على الدولة. عجزت السلطة الفلسطينية عن توفير الأمن والحماية للمواطنين في المناطق المهمشة والضعيفة بما يتصدى لتدخلات سلطة العشائر، حتى الأحزاب الوطنية لم تعبر عن موقف حقيقي رافض ضد تماديهم. 

الحقيقة هي أن السلطة الفلسطينية هي من ساهمت في تعزيز سلطة العشائر، وهي من سهلت اجتماعاتهم، ولم تتحرك الحكومة لمنع تدخل سلطة العشيرة في صناعة السياسات العامة التي يفترض أن تصدر عبر قنوات دستورية رسمية بذل الشعب الفلسطيني نضالات طويلة لبنائها، وتوفير الحماية والأمن للمجتمع والمدافعين عن حقوق الإنسان والنساء، وما صدر من مواقف رجعية تهدد القيم المجتمعية.

كيف فشلت السلطة في حماية النساء

خمس سنوات مرت على توقيع الرئيس عباس على الانضمام إلى اتفاقية “سيداو”، وهي كغيرها من الاتفاقيات المهمة التي انضمت لها فلسطين، ما اعتبر إنجازاً وطنياً يجب حمايته والبناء عليه، غير أن ما قامت به السلطة الفلسطينية، من الانضمام إلى مجمل الاتفاقيات، ظهر على أنه دعائي وسياسي أكثر منه ترسيخ سيادة القانون وبناء الدولة المدنية، والسؤال هل يستطيع الفلسطينيون بناء الدولة تحت الاحتلال؟ 

لم تتخذ الحكومة خطوات جدية وحقيقية باتجاه تمكين المرأة في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية باعتبار المرأة شريكاً في التنمية. ولم يتم اتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة والجدية للحد من جرائم العنف الممارس ضد المرأة.

كما لم تقم السلطة الفلسطينية والحكومة بنشر الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي انضمت إليها دولة فلسطين، خاصة اتفاقية “سيداو” في الوقائع الفلسطينية، ولم تقم باستكمال الإصلاح القانوني بمواءمة التشريعات السارية المفعول في الضفة وغزة مع مضمون الاتفاقية وباقي الاتفاقيات الأخرى.

ولم تتخذ أي خطوة بفتح حوار مجتمعي لجميع الأطراف ذات العلاقة من مؤسسات حقوق الإنسان وأطر نسوية ورجال وعلماء دين، لمناقشة أية قضايا تتعلق بموائمة التشريعات الوطنية الفلسطينية مع متطلبات الاتفاقية.

هذه النتيجة جعلت إمارة العشائر في الضفة الغربية تتحدى السلطة والقانون، وتعقد اجتماعاتها التي تدعو للقتل علانية متمردة على السلطة وسيادة القانون وتحرض على العنف والكراهية، وحرية الرأي والتعبير والحرية الشخصية. والسلطة الوطنية والحكومة لا تحرك ساكناً.

هل يستطيع الفلسطينيون بناء الدولة تحت الاحتلال؟ 

خطوة العشائر خطيرة جداً، وتدعو للفتنة وتهديد السلم الأهلي. هذا نتاج غياب السلطة والحوار في القضايا الوطنية واستسهال القوانين بقرارات رئاسية، دون النظر إلى المجتمع واحتياجاته، وعدم استشارة السلطة لمكونات المجتمع وفي مقدمته المجتمع المدني المستهدف من جميع الجهات.

حان الوقت لخروج السلطة والحكومة والفصائل من حالة الصمت والتواطؤ مع العشائر في مصادرة حقوق النساء والاعتداء على قيم المجتمع.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

عبير شبارو – خبيرة في الشؤون الجنسانية
بينما تمنحك كروموزومات XX جهازاً مناعياً أقوى وتوقعاً لعمرٍ أطول بحسب ما ذكرته إحصاءات، فإن كونك أنثى يعرضك للتمييز ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، ويؤدي إلى تهميشك وتهميش صحتك، وذلك في سياق استجابة دول عدة لوباء “كوفيد 19”.
خولة بو كريم – صحافية تونسية
ُمنذ إعلان الإصابة الأولى في تونس بدأت تطبيق الإجراءات الوقائية من الفايروس، على رأسها غسل اليدين، والامتناع عن التقبيل. وكنت أحسب أن الأمر هين، وأن دائرتي المجتمعية ستتفهم الأمر، لكن الحكاية لم تسِر على ما يرام
وردة بوضاهر – أخصائية نفسية لبنانية
في زمن الوباء، كيف تحاول مواقع جنسية مضاعفة أرباحها تحت ذريعة العمل الخيري؟
لينا أبو حبيب – باحثة وحقوقية نسوية لبنانية
هناك الكثير من المبررين للنظام الحاكم. لقد ضُللنا كثيراً ونُصحنا بأن نقبل القيمة الظاهرية لنيات السلطة، وأن نمنح السلطة فرصة أخرى لكن الواقع الفعلي لأحوال المرأة وتعرضها للظلم والإقصاء والتمييز لم يتغير، بل ازداد سوءاً.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
في حين تُمنع النساء في عدد من البلدان الإسلامية من الذهاب إلى المسجد، تعمد نساء مسلمات في دول غربية إلى نشر فكرة انخراط المرأة في الصفوف الدينية الأمامية، باعتباره ذلك جزءاً من حركة تحرر المرأة المسلمة للتعبير عن نفسها.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
أفكّر بأنّ التظاهرات النسائية التي تجوب العالم لتؤرق سبات النيام، لا تكفي. علينا في يوم المرأة العالمي أن نعتكف، أن نوقف زرّ التشغيل وأن نرفض فعل أي شيء.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني