“لست وحدك”: عن ذوي الاحتياجات الخاصة والحرمان الممنهج

يوجد مؤشرات عالمية خطيرة تؤكد تعرض الأطفال في المؤسسات الرعائية إلى شتى أنواع الاستغلال. ناهيك بالعنف والتحرش، وصولاً إلى الاتجار لأغراض التبني.

ينظر الطفل إلى “المايكروفون” أمامه: 

“ليش إنت هون اليوم؟

-أنا مع… مع…”.

سيدة من خلفه تلقنه الجواب. ثم يضيق صبرها فوراً لتبادر بالجواب: “عم يقلك مع الثورة!”.

وتضحك ويضحك الطفل أيضاً. 

ثم يأتي السؤال الثاني: ماذا تريد أن تقول لسيدنا الراعي؟

يهم الطفل بالجواب: بدي… بدي… ضل مع…

المراسلة: شو؟

مجدداً، تتدخل السيدة لتقول: عم يقلك بدو يضل مع “المس” (المعلّمة)، يعني أنا!

تقهقه “المس”، وتضحك المراسلة، وتصغر ابتسامة الطفل الجميل الذي تجعله ملامح متلازمة “داون” يبدو أكثر رقة وحيرة. لماذا هذا الضحك كله؟

ربما في قرارة نفسه، كان لعن اللحظة التي أتت به إلى أدراج الصرح البطريركي ليستجدي مالاً لمؤسسة خاصة متعاقدة مع وزارة الشؤون الاجتماعية، تحت عنوان خصخصة قطاع الرعاية للأشخاص ذوي الإعاقات.

حصل ذلك في سياق الانتفاضة اللبنانية، يوم تظاهر كثر من ذوي الإعاقات في لبنان طالبين دفع المستحقات المستوجبة على وزارة الشؤون الاجتماعية. إلا أن وزير تصريف الأعمال في حينها، ريتشارد قيومجيان، اختار أن يظهر كساحر مع عصاه السحرية من على منبر الصرح. صرح حينها عن تفهمه آلام المؤسسات وأنه سوف يبذل جهداً عجائبياً لكي يعود كل طفل إلى مؤسسته.

وبالفعل، تم إطلاق سراح مخصصات المؤسسات الرعائية المستحقة بعد أيام وتزامن ذلك مع الأزمة القضائية المتعلقة بجمعية “رسالة حياة” والمتعلقة بتعرض أطفال ضمن رعايتها لسوء المعاملة واختفاء (تبديل) رضيعين. علم حينها أن أحدهما تم تبنيه عبر القضاء الكنسي. 

يحصل ذلك في وقت تطالبت الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 18 كانون الأول/ ديسمبر 2019، بإقفال المؤسسات الرعائية في العالم بعدما ثبت أنها تسبب ضرراً فادحاً على الأطفال، بخاصة أن أكثر من 80 في المئة من الأطفال المودعين في المؤسسات الرعائية المعنية (دور أيتام وإعاقة)، لا يجب أن يكونوا في رعاية داخلية، بل هم هناك بسبب الفقر وغياب السياسات الداعمة لبقاء الطفل في اسرته. وأكد الإعلان أن ملايين الأطفال المفصولين عن الرعاية الوالدية يتم إيداعهم في مؤسسات رعائية بسبب التمييز، والعنف المؤسساتي، وإهمال الدول في رسم استراتيجيات للوقاية من الفصل عبر دعم الأسر الأكثر فقراً، لا سيما التي تقودها أم منفردة.

أين نحن في لبنان من هذه المطالبات العالمية؟ ألم يحن الوقت للتعاطي بمسؤولية مع هذا العنف المؤسساتي الذي يتعرض له الأطفال الأكثر تهميشاً. 

وفي ظل المؤشرات العالمية الخطيرة التي تؤكد تعرض الأطفال في المؤسسات الرعائية (لا سيما من ذوي الإعاقات الذهنية) إلى شتى أنواع الاستغلال، ناهيك بالعنف والتحرش، وصولاً إلى الاتجار لأغراض التبني. وللأسف فإن عدداً كبيراً من تلك الانتهاكات لا يتم الكشف عنه إلا بعد سنين طويلة، وغالباً بعد الخروج من المؤسسة الرعائية، وهذا أمر يعقد المسارات القضائية. ففي كندا، خرج عدد كبير من نزلاء المؤسسات الرعائية من ذوي الإعاقة العقلية في مقاطعة أونتاريو، إلى العلن ليبوحوا بسر تعرضهم لسوء المعاملة والاعتداء الجنسي ضمن الرعاية بين عام 1960 و1996. وفي ظل برنامج لحماية الشهود وضمان تحقيق متخصص في التعامل مع ذوي الإعاقات العقلية، أقرت حكومة كندا عام 2016 تعويضات مالية لحوالى 7000 متضرر، وذلك على رغم من مرور الزمن وصعوبة التعبير عند أصحاب الدعوى. تزامن مع مسارات قضائية مماثلة لأشخاص تعرضوا لاعتداءات مشابهة في المؤسسات الرعائية الخاضعة لسلطة الكنيسة. هذا الوضع أدى إلى قرار حكومة كندا وقتذاك إقفال المؤسسات الرعائية وإصلاح الرعاية البديلة عبر دعم الطفل في أسرته. وعلى رغم هذا الإقرار بالخطأ والتعويضات المالية، إلا أن نظام الرعاية في كندا ما زال يواجه مشكلات كبيرة في التعامل مع أطفال خريجي دور الرعاية، لأنه تبين أن الأثر السلبي لتجربة الرعاية المؤسساتية يمتد إلى الأجيال اللاحقة.

وفي عودة إلى قرار الجمعية العمومية، والذي صادقت عليه أكثر من 196 دولة، فهو يشدد على مبادئ اتفاقية حقوق الطفل (CRC) واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRDP) بحق الطفل بالحياة الأسرية، وبمعرفة الوالدين، والرعاية من قبل والديه، أو عند الاقتضاء في كنف العائلة الممتدة، أو أي شكل من أشكال الرعاية البديلة الذي يضمن حقوق الطفل وكرامته، وحمايته، واندماجه الكلي في المجتمع.

فأين نحن في لبنان من هذه المطالبات العالمية؟ ألم يحن الوقت للتعاطي بمسؤولية مع هذا العنف المؤسساتي الذي يتعرض له الأطفال الأكثر تهميشاً. 

لماذا تنزلق السياسات الاجتماعية إلى نفق استسهال الفصل عن الوالدين عبر إيداع الأطفال في مؤسسات رعائية، عوضاً عن استثمار مليارات الدولارات المهدورة على المحاصصات الطائفية والسياسية في ضمان حق الطفل في البقاء في أسرته ضمن بيئة دامجة تحتضنه.

كم عدد الأطفال الفعلي الذين تعرضوا لانتهاكات في المؤسسات الرعائية؟

وهنا أيضاً لا بد من طرح سؤال مصيري لا بد من مواجهته. 

كم عدد الأطفال الفعلي الذين تعرضوا لانتهاكات في المؤسسات الرعائية؟

 لسنا أفضل حالاً من كندا مع فارق واحد أن قمعنا المؤسساتي أعنف، وحكمنا المسبق أكثر وحشية، وانتماءاتنا الطائفية تعمي قلوبنا عن وجع الأطفال. هي غشاوة نرتديها طوعاً باسم العمل الخيري، والتعاطف، والتسامح، فنغض النظر عن واقع مرير لا يقف عند حدود حالة منفردة كقضية “رسالة حياة”. فقبلها قصص كثيرة لم تلق الصدى المرجو. ويبقى أن إعلامنا مفتوح على انتهاكات أكبر باسم مناصرة الأطفال ضحايا الاعتداءات. وهنا للحديث تتمة!

ويبقى أن لبنان مطالب بالتزام إعلان الجمعية العمومية للأمم المتحدة، فهل نستجيب؟ 

مضى أيام على مشهدية ساحة بكركي، وما زالت ضحكة الطفل الحائرة تراودني. 

لست وحدك!

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علاء الطير – صحافي سوري
يكشف هذا التحقيق عن تواطؤ نظام الأسد مع الحكومة الروسية في تجنيد مئات المقاتلين السوريين للقتال في صفوف حفتر وتسهيل عبور مئات آخرين من المقاتلين المصريين عبر مطار دمشق بالتنسيق والتعاون مع الإمارات والقاهرة.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني