fbpx

الانتفاضة اللبنانية : عن وطن لم يعترف بعكار يوماً

عندما طرحت المذيعة سؤالاً على أحد العكاريين عن سبب وجوده في بيروت للتظاهر، عادت إلى ذاكرتي عشرات الاسئلة التي كانت تطرح عليّ كعكاري في الجامعة اللبنانية: "وين بتصير عكّار؟"


عندما طرحت المذيعة سؤالاً على أحد العكاريين عن سبب وجوده في بيروت للتظاهر، عادت إلى ذاكرتي عشرات الاسئلة التي كانت تطرح عليّ كعكاري في الجامعة اللبنانية: “وين بتصير عكّار؟”، “ليش ما فتت عالجيش؟”، “عكاري وشعرو طويل؟”. عكار التي انضمت قانونياً ودستورياً إلى لبنان الكبير لم ترق كثيراً للبنانيين الأقحاح، وبقينا نُعتَبر مواطنين درجة ثانية. لا تزال كلمة “عكاري” تستعمل للدلالة على الشخص البسيط أو ابن الضيعة الذي فاته التطور الذي عرفته بيروت وجبل لبنان. نعم لقد نزلنا إلى بيروت، بسطاء مع الكثير من العادات التي لم أستطع تغييرها. فمثلاً كنت حين أمر في الشوارع القريبة من الجامعة بصحبة الأصدقاء، أبادر بالسلام على الجميع. مرة سألني أحد الأصدقاء، “أتعرف سكان المنطقة جميعاً؟ أنت من سكان هذه المنطقة؟”. ضحكوا كثيراً عندما عرفوا أنني لا أعرف أحداً، ولكنني كعكاري أبادر بإلقاء التحية على الجميع “لأني هيك تعلمت بعكار إنو سلّم على كل الناس”.

عكار – لبنان

كنا مهمشين، كانت طفولتنا تشبه طفولة جيراننا السوريين أكثر مما تشبه طفولة اللبنانيين. في سنتي الجامعية الأولى، كان الطلاب بغالبيتهم يتكلمون عنlbc junior club ، وأنا العكاري أحدثهم عن “ما يطلبه الجمهور” و”أم عامر” و”آفاق علمية”. كانوا يتحدثون عن مسلسلات أجنبية وأفلام النينجا وأنا أحدثهم عن أبناء الجولان وطلائع البعث. أتذكر أن عام 1996 حين وصل إلينا بث تلفزيون لبنان أحسسنا أننا جزء من هذا الوطن. بدأنا نتعرف إلى أسماء ممثلين وفنانين لبنانيين، فقبل ذلك كنا نعرف أسماء فنانين سوريين مثل سعدون جابر وربى الجمال وخالد تاجا وأيمن زيدان ومنى واصف فقط.

لا يا أعزائي، عكار ليست بعيدة، ساعتين ونصف الساعة بالسيارة. لكن دولتنا جعلت المسافة إليها تقاس بالسنين وليس بالكيلومترات.

في الجامعة كان رفاقي يتكلمون عن منتجات غريبة لا أعرفها، أنواع أجنبية من الشوكولا والبسكويت لم أسمع عنها يوماً. كبرت ولم أعرف عن بيضة في داخلها لعبة. أسماء المنتجات كانت مختلفة. كان معظم ما نجده في الدكاكين منتجات سورية. الرفاق اللبنانيون كانوا يستذكرون هواياتهم في جمع الألعاب الصغيرة التي يحصلون عليها من أكياس البطاطا (تشيبس) اللبنانية، فيما كنا نفرح بعروض علكة “منطاد” السورية. في أول موعد غرامي مع إحداهن، قالت لي إنها تركت صاحبها لأنه “لا يعرف الـpalmito”. جاريتها وكلي اعتقاد أن palmito  اسم فرقة أجنبية أو ممثل هوليودي. بعد سنتين اكتشفت أن palmito هو قلب النخيل أي أنه شيء يؤكل. للبيارتة الشوكوماكس ولنا الدبس والملبن، للبيارتة الـ cornichon ولنا الكبيس والمكدوس. للبيارتة الجبن الفرنسي المعتق ولنا الشنكليش.

نحن كنا الجيل العكاري الأخير الذي عانى من هذا التهميش. الأجيال اللاحقة وبفعل التقدم التكنولوجي أحست بتهميش أقل، ولكن النظرة إلى العكاري بقيت نفسها، على رغم انعدام الفوارق بين البيروتي والعكاري. اندماج العكاري في بيروت أصبح أسهل. ولكن البيروتي لم يغيّر نظرته إلى العكاري. ما زلت إلى اليوم أسمع الصافرة الطويلة نفسها، عندما أقول إنني من عكار وأعيش في قريتي. “كتير بعيدة عكار”. “بدنا عشر ساعات لنوصل لفوق”. لا يا أعزائي، عكار ليست بعيدة، ساعتين ونصف الساعة بالسيارة. لكن دولتنا جعلت المسافة إليها تقاس بالسنين وليس بالكيلومترات. نعيش معكم، في دولتكم، نعاني مثلكم وأكثر منكم. نصرخ وننادي بحقوقنا مثلكم، ولكن ساحاتنا بعيدة ولن يسمعها أحد، ننزل إلى الساحات معكم لنكون أقرب إلى المركزية لعلّنا نستطيع إيصال صوتنا.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني