fbpx

الانتفاضة اللبنانية : غزوة 14 ديسمبر

في البلاد التي تقودها السلطة المهذّبة، الشتائم مرفوضة والقتل مسموح إذاً، كما أنّ الحبّ ممنوع والحرب مسموحة.

بيروت في 14 كانون الأول/ ديسمبر 2019 ليست بيروت ذاتها التي كانت قبل هذا التاريخ. وإن كان الثوار يتحدّثون عن ثورة بدأت في 17 تشرين الأول/ أكتوبر، على من يحكم هذه البلاد أن يسجّل في ذاكرتيه القصيرة والطويلة أنه شارك صمتاً أو تخطيطاً أو شماتة في محاولة قتل الثورة عبر تعنيف أبطالها ومحاولة قتلهم أيضاً.

ما حدث هو محاولة قتل كاملة. العنصر القصدي حاضر، حيث لا مجال ليتحدث عاقل عن أي عفوية أو تلقائية أو مبادرات فردية. الأدلة كثيرة، والضحايا كثيرون أيضاً. ما ينقص حقاً هو عنصر المساءلة والمحاسبة بحق من خطط ونفّذ عمليات القمع الممنهجة والحقودة تجاه الشعب اللبناني الجائع. من يحمينا من عصي مناصري الأحزاب المستنفرين؟ ومن يحمينا من القوى الأمنية التي تمطر علينا بالرصاص المطاطي لتحمي حكومة فاسدة يتم التحضير لإطلاقها؟  

بيت “الكتائب” في منطقة الصيفي القريبة من ساحة الاعتصام، فُتح للجرحى المسلمين والشيوعيين والمسيحيين والدروز، وهو مشهد تحتاج السلطة إلى تحسس رقبتها بعده. هناك جبل من الخوف سقط وسط المجزرة المدوّية. أتخيّل أصدقائي الشيوعيين وهم يدخلون إلى بيت الكتائب الذي يعني اليمين المسيحي بكل تطرّفه، أتخيّلهم وهو يتصارعون مع الحرب القديمة ويدفنونها من جديد، فيما يطلبون المساعدة من شركائهم في مقاومة الفساد والقمع والظلامية. كتب محمد على “فايسبوك”: “لم أكن أتخيّل أن أدخل إلى بيت الكتائب جريحاً لأتلقى المساعدة”.

في الأثناء، قال رفيق لي وهو إعلامي مناصر لـ”حزب الله”: “وصلت باصات المتظاهرين من طرابلس وولعت الساحة”. ترجمة ذلك أنّ السنة الإرهابيين أتوا من قندهار إلى بيروت لقتل الناس والانتقام من الشيعة. وهكذا فيما يحاول اللبنانيون أن يلتقوا ويتساعدوا، يبث أولاد الأحزاب الفقراء مثلنا أخبار الطائفية، وكأن أحدهم يبحث عن سبت أسود جديد أو عن معركة يشنّها جائع على آخر أو بوسطة يقودها عاطل من العمل ليدهس عاطلاً من العمل آخر.

ظل المتظاهرون يقاومون ويناضلون حتى ساعات الفجر، وظلت القوى الأمنية تلاحقهم بقنابل الغاز مسيلة الدموع وبخراطيم المياه، وتحوّلت بيروت إلى غيمة سوداء كبيرة. هذا فيما لم تفعل تلك القوى الأمنية سوى أن ربّتت على كتف الشبان الذي أتوا من الخندق الغميق، بعد الظهر أي قبيل المجزرة بساعات، وكانوا يهدفون إلى تحطيم الخيم في ساحة الاعتصام في بيروت والاعتداء على المتظاهرين. 

في الصباح أشرق علينا النائب هادي حبيش ليحدّثنا عن الأخلاق والتهذيب ويشرح لنا معنى كلمة “كرخانة”، التي وجهها إلى القاضية غادة عون، في حرب الأعدقاء بين “تيار المستقبل” و”التيار الوطني الحر”، على خلفية توقيف مدير عام النافعة.

كان حرياً بسعادته أن يطلعنا على رأيه بكمية الأخلاق والتهذيب التي جوبه بها المتظاهرون العزل، وأداء وزارة الداخلية التابعة لتياره، وهي تنفّذ انتقاماً رسمياً من الناس.

السلطة المهذبة والتي تكره الشتائم تفضّل قتل الناس وتشويه بيروت بكل ما أوتيت من وحشية، مدعومة بترسانة من المواطنين الذين يعيشون على فضلاتها، ويُطعمون أطفالهم مما تتكرّم به عليهم، وهؤلاء تستخدمهم أحزابهم من حين إلى آخر لتنفيذ مشاهد متقطعة من حرب تُقدَّم لنا على دفعات، لعلّنا نعلنها وينتهي الأمر.

في البلاد التي تقودها السلطة المهذّبة، الشتائم مرفوضة والقتل مسموح إذاً، كما أنّ الحبّ ممنوع والحرب مسموحة. أما نحن “الفلتانين” وفق صديقي المناصر لـ”التيار الوطني الحر”، فلو كنا نملك سلاحاً لما عرفنا كيف نستخدمه ربما، لكننا شتّامون وبلا تربية وبلا أصل… الحمد لله.

غزوة 14 ديسمبر، ربما ستتبعها غزوات كثيرة، تُضاف إلى الغزوة الاقتصادية والمالية المستمرة على ودائع اللبنانيين ورواتبهم وحيواتهم ومستقبل أولادهم. والكرخانة التي يشرح لنا السيد المحترم هادي حبيش معناها، ربما تجوز على وصف دولة ما، نزل ناسها ليطالبوا بحقهم، فتعرّضوا لمحاولة قتل كاملة… سينجون منها، وتلك الكرخانة ستُقفل على من فيها، بلا رجعة، وربما ستأخذ معها النائب الشاب الوسيم المهذّب.


لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خالد سليمان ومروة صعب
الخوف هو من المواد التي تناثرت في المياه من جانب وطبيعة تلك المواد التي كانت موجودة في المرفأ …
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني