fbpx

العراق: من قتل الفتى هيثم؟

أحدثت وحشية المشهد صدمة هائلة في العراق وامتدت خارجه مخلفة الكثير من الاسئلة وعلامات الاستفهام حول من قتل هذا الفتى وماهي حكايته.

كان المشهد الذي سجلته الهواتف والكاميرات في ساحة الوثبة في بغداد مروعاً.

حشود من المتجمهرين تنهال بالضرب على جسد فتى صغير أعزل بدا واضحاً أنه لم يتجاوز ال16 من عمره. استمرت مشهدية القتل بسحل الفتى وتعليق جثته على عامود وهو عار وسط هتافات المحتشدين في الساحة.

أحدثت وحشية المشهد صدمة هائلة في العراق وامتدت خارجه مخلفة الكثير من الاسئلة وعلامات الاستفهام حول من قتل هذا الفتى وماهي حكايته وكيف قتل بهذه الطريقة العنيفة.

المعلومات حول الفتى وكيفية قتله متضاربة لكن ما تم تداوله هو أن اسم الضحية هيثم علي إسماعيل ويبلغ من العمر 16 عاماً، ويسكن قريباً من مكان تجمعات المتظاهرين.

حشود تلتقط صورا لجثمان الفتى المعلق

الليل أول الحكاية 

الليل سابق النهار، ومنه بدأت الحكاية، يقول عمار علي وهو متظاهر وشاهد على ما حدث في ساحة الوثبة: “الشاب الذي قُتل اسمه هيثم علي، قتل الكثير من المتظاهرين عندما أطلق عليهم الرصاص من سطح منزله القريب من ساحة الوثبة، في البداية سقط 5 شهداء من المتظاهرين وأُصيب أكثر من هذا العدد، ورغم أن القوات الأمنية كانت قريبة من موقع الحادث إلا أنَّها لم تتدخل، وعندما طلع النهار كان محاصراً من قبل المتظاهرين وقام بإطلاق الرصاص عليهم مرة أخرى وقتل واحداً منهم، بعدها داهمت قوة أمنية منزل هيثم وقتلته، ثم غادرت المكان تاركةً جثته لحشود من الناس الغاضبين من فعلته، حيث قاموا بسحله وهم يهتفون: للتحرير.. للتحرير.. وهذا يعني أنهم كانوا يريدون أخذ جثته إلى ساحة التحرير، لكنَّ بعض الأشخاص علقوه على عمود إشارة المرور في ساحة الوثبة”.

في الليلة ذاتها، وفي ساحة الوثبة أيضاً، دخلت مركبات تحمل مسلحين وتمركزت بالقرب من الساحة، وهذا آثار غضب المتظاهرين الموجودين هناك، وتعالت الدعوات من أجل الذهاب إليهم وطردهم، لكنَّ مجموعة أخرى من المتظاهرين منعتهم وشكلت درعاً بشرياً للحيلولة دون اقتراب المدنيين من تلك العناصر المسلحة وتفادياً لوقوع مجزرة أخرى، لكن ذلك لم يمنع من حدوث جريمة في الصباح التالي.

“ما رأيتُه كان بشعاً للغاية، حتى وإن كان متهماً فلا يجب التعامل معه بهذه الوحشية، المتظاهرون يرفضون ما حدث في ساحة الوثبة، لكن التقصير من القوات الأمنية لأنها لم تتدخل لمنع هذه الجريمة”.

جريمة بشعة

يقول عمار علي إنَّ ما حدث للشاب هيثم جريمة بشعة، ويضيف لـدرج:” نحن لم نخرج من أجل القتل، ولو أننا نريد الدم لما سكتنا على أكثر من 511 شهيداً قتلتهم الحكومة والمليشيات، وأيضاً أكثر من 20 ألف جريح، هذه الأرقام وحدها كافية لتشعل حرباً، لكننا نريد حقوقنا دون دم، وهذا ما نصر عليه، وما حدث اليوم في ساحة الوثبة لا يمثل المتظاهرين ولا مطالبهم أو نواياهم، وأنا أشك أن الحادث مفتعل من أجل تشويه صورة التظاهرات، وإيجاد الحجج لقمعها وحرفها عن سلميتها، فالمليشيات والأحزاب ستفعل كل ما تستطيع فعله من أجل البقاء في السلطة”.

مرتضى حسين متظاهر من مدينة الناصرية، جاء للمشاركة في احتجاجات العاصمة بغداد، وكان حاضراً أيضاً على ما حدث في ساحة الوثبة: “نحن ضد القتل من أي جهة كانت، أنا قبل أيام فقدت ابن عمي، سقط شهيداً في الناصرية، ولو أنني أمسكت بالقاتل لما قتلته، لأنني لم أخرج من أجل العنف، كان الأولى بالقوات الأمنية بعد قتلها للشخص الذي أطلق النار على المتظاهرين في الوثبة أن تأخذ جثته، ولا تتركها لكي يفعلوا بها كل هذا التمثيل والسحل والتعليق، ما رأيته كان بشعاً للغاية، حتى وإن كان متهماً فلا يجب التعامل معه بهذه الوحشية، المتظاهرون يرفضون ما حدث في ساحة الوثبة، لكن التقصير من القوات الأمنية لأنها لم تتدخل لمنع هذه الجريمة”.

المتظاهرون في ساحة التحرير، ومن أعلى بناية المطعم التركي (جبل أحد) ألقوا بياناً استنكروا فيه جريمة ساحة الوثبة، وشددوا على سلمية التظاهرات، وأنهم خرجوا من أجل الحياة، معتبرين ما حدث في ساحة الوثبة جريمة يدينها المتظاهرون وتدينها الانسانية والأديان ويعاقب عليها القانون،”لقد خرجنا سلميين من اجل الإصلاح وحقن الدماء ووضع المجرمين بيد القضاء، خرجنا من اجل اعادة هيبة القانون وسيادة الدولة، خرجنا من اجل أن نعيش بسلم وسلام، خرجنا ونحن رافعين شعار السلمية، وراهنا على سلميتنا وما زلنا، وستبقى شعارنا الدائم”. وطالب

المتظاهرون المؤسستين العسكرية والقضائية بمحاسبة “السراق والمجرمين” وكشف الجناة الحقيقيين المتورطين بحادثة ساحة الوثبة، ومن يقف خلفهم، وتبرأوا مما حدث ومن “أي سلوك خارج نطاق السلمية”.

رواية الحكومة العراقية

رواية الحكومة العراقية جاءت مختلفةً عن روايات شهود العيان حول ما حدث في ساحة الوثبة، ففي تصريح خاص لوكالة المربد العراقية، قال الناطق العسكري باسم القائد العام للقوات المسلحة في العارق اللواء عبد الكريم خلف “إنَّ المتظاهرين هم من قتل الشاب هيثم علي إسماعيل (16 عاماً) بعد حدوث مشادات كلامية بينه وبينهم”.

خلف ذكر أنَّ القصة بدأت عندما “قام مجموعة من المتظاهرين عددهم 250 شخصاً بالمكوث عند باب بيت الضحية لمدة خمسة أيام، حيث يأكلون ويشربون ويرمون الأوساخ، وعندما طلب منهم الشاب هيثم مغادرة المكان رفضوا ذلك، ثم بدأوا ينشرون الضوضاء ويفتحون الأغاني، وتطور الأمر إلى مشادة كلامية، ثم أخرج هيثم مسدسه وأطلق رصاصات في الهواء، ثم قام المتظاهرون على الفور بحرق المنزل بقنابل المولوتوف، وبدأت الحشود تتجمع بأعداد أكبر حول المنزل ثم اقتحموا بيته وقتلوه بداخله، وبعدها سحلوه وعلقوه على عمود”.

الحادثة تسببت بردود فعل على المستويين الاجتماعي والسياسي في العراق، فمثلاً عزت الشابندر السياسي العراقي الذي يتداول اسمه على أنه أحد المرشحين لرئاسة الوزراء قال في تغريدة على حسابه في تويتر: ” لماذا يكتفي السيد عمار الحكيم والحاج نوري المالكي والحاج هادي العامري والشيخ قيس الخزعلي والشيخ محمد اليعقوبي بإدانة الجريمة دون المجرم؟ هل تنتظرون حتى تصل الحرائق بيوتكم وتضيق الحبال حول أعناقكم؟” وعزت هو ذاته الذي وصف المتظاهرين بـ”القرود” لأنهم رفضوا ترشحه لرئاسة الوزراء، وفي تسجيل صوتي مسرب اتهم المتظاهرين في المطعم التركي بأنهم “قطاع طرق وسفلة”.

أما أحمد الأسدي الناطق الرسمي باسم مليشيات الحشد الشعبي سابقاً، رئيس تجمع السند الوطني في البرلمان العراقي حالياً فكتب: “إن الجريمة البشعة التي ارتكبت في ساحة الوثبة تعكس خطورة الوضع في ساحات التظاهر.. وأن المخربين يريدون اختطاف التظاهرات السلمية لصالح مشروعهم التخريبي. على الدولة القيام بواجبها بحماية أرواح وممتلكات المواطنين وانهاء حالة الفوضى وتحديد أماكن خاصة للتظاهر وتوفير الحماية لها”.

قيس الخزعلي

لكن أكثر رد فعل مثير للاهتمام هو الذي جاء من قبل زعيم مليشيا عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، الذي كتب تغريدة أيضاً قال فيها: “إلى متى تستمر الفوضى وغياب القانون وضعف الأجهزة الأمنية وانفلات السلاح وانتشار المليشيات القذرة؟!” وأرفق ذلك بصورة للشاب هيثم وهو معلق على عمود إشارة المرور، لكن تويتر قام بعد تلك التغريدة بإغلاق حساب قيس الخزعلي الذي أدرج مؤخراً على لوائح العقوبات الأمريكية بسبب اتهامه بقيادة مليشيا ترتكب أعمالاً إرهابية وممولة من إيران.
مجلس القضاء الأعلى العراقي أعلن أنَّ “قاضي التحقيق المختص بقضايا الأمن الوطني باشر بإجراء التحقيق بخصوص جريمة قتل الشاب في ساحة الوثبة” وذكر المجلس أنَّ “أحكاماً بالقبض ستصدر بحق كل من شارك في ارتكاب الجريمة”.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هالة الدوسري – باحثة وناشطة حقوقية سعودية
أثارت وفاة كاتب الرأي الشهير صالح الشيحي بسبب إصابته بفايروس “كوفيد-19” قلقاً واسع النطاق على مصير آلاف المعتقلين في سجون المباحث السعودية.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني