الانتفاضة اللبنانية : لماذا هي ثورة النساء أيضاً؟

انطلاقا من المآسي التي كنا شاهدات عليها، والمآسي التي لم نسمع بها، والمآسي التي تتحضر لكل واحدة منا، أدعو من منبر "درج"، كل امرأة لبنانية إلى التلاقي في ساحة من ساحات الثورة، كي نعرض مآسينا ونتناقش ونتحاور...

منذ اليوم الأول لثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر اللبنانية، نسمع عبارات متل: “الثورة أنثى” و “أجمل ما في ثورتنا نساؤها”، وبمراجعة بسيطة لمشهد الثورة، نجد أن هذه التوصيفات لم تأت من فراغ، كما أنها ليست ترفاً، أو مجاملة، أو محاولة لتلميع صورة المرأة اللبنانية وإعطائها صفات ثورية مجانية، إنما أتت من الحضور الواسع والهائل والصوت الهادر والجريء للمرأة اللبنانية في كل الساحات.

الثورة اللبنانية، بشهادة الجميع، قدمت نموذجاً راقياً في التمسك بالسلمية والمدنية، وأثبتت فرادة بإصرارها على عدم الانجرار إلى فخ الصدام والعنف، وقبل ذلك كله، تمكنت من كسر الصورة النمطية عن نساء لبنان في عيون الخارج العربي والغربي، ومن تحطيم حواجز الذكورية والمفاهيم الاجتماعية الموروثة في المجتمع اللبناني.

أدعو من منبر “درج”، كل أم أو امرأة لبنانية عموماً، وكل أم أو امرأة شيعية مسلوبة حقوقها، مهددة في أمومتها، إلى التلاقي في ساحة من ساحات الثورة، كي نعرض مآسينا ونتناقش ونتحاور، من أجل تشكيل جبهة مصغرة قابلة للتوسع..

في ساحات الثورة اللبنانية، رأينا نساء يتصدين بأجسادهن الضعيفة، التي كانت قبل الثورة، سبب اضطهادهن، لهجمات “الشبيحة” من أحزاب السلطة، الذين اعتدوا على المتظاهرين، ورأيناهن كيف وقفن حاجزاً بشرياً أمام العسكر ليحموا رجال الثورة، على عكس المفهوم النمطي الاجتماعي، وفي السلسلة البشرية التي انعقدت من شمال لبنان إلى جنوبه، كان الحضور النسائي طاغياً. وعلى المنصات وفي الخيم المنصوبة بالساحات وفي الإعلام وفي الهتافات وفي قيادة المظاهرات، تصدرت النساء المشهد، حتى أنهن خطفنه، واستطعن أن يخففن من خشونته واحتمالات تحوله إلى عنف، وفي مسيرة “شموع نساء لبنان”، شهدنا كيف تندفع المرأة اللبنانية إلى الشارع بتلقائية وعفوية، ومن دون انتظار إشارة الانطلاق من أحد أو من جهة، وهي تحمل شمعة بيد وباليد الأخرى “طنجرة”، لتعلمنا أن هذا الكائن الذي خرج المطبخ، يملك القدرة على إنارة ظلام العالم كله.

المرأة اللبنانية في الثورة، ثارت مع الرجل، وثارت في الوقت نفسه على ذكوريته، فقد شهدت الساحات ومازالت، مسيرات لأمهات طالبن بحقهن في منح جنسيتهن لأبنائهن وبناتهن، ونساء تحدثن عن التمييز الجندري في الوظيفة والسياسة والاقتصاد، ونساء حكين عن عذاباتهن الشخصية، بسبب قوانين الأحوال الشخصية الجائرة، في قضايا الزواج والطلاق والعنف الأسري والحضانة.

الثورة اللبنانية، شكلت فرصة أيضاً، لعدد كبير من الأمهات في الطائفة الشيعية، لإيصال أصواتهن إلى العالم، بعدما خنقتها قوانين المحكمة الجعفرية والمجتمع الشيعي الذي يقدس الذكورية، كونه كرس في ذهن الناس صورة الرجل البطل والمرأة التابعة، التي عليها أن ترضى بفتات الحقوق، لأن الحق الوحيد الذي يجب أن يُسمع هو لصدى معارك الرجل الاستراتيجية وانتصاراته فيها، ومناوراته وتحالفاته للحفاظ على وحدة الطائفة.

الثورة اللبنانية، يمكن أن نسميها أيضا، ثورة الأم الشيعية المحرومة من حضانة أطفالها، ومن رؤيتهم في كثير من الحالات، هي ثورة الأم المناضلة نادين جوني التي ماتت قبل أن تسترجع حقها بأمومة كاملة لابنها، هي ثورة أروى وديانا ولينا وثورتي أنا أيضاً، نحن اللواتي كسرت قلوبنا وقصفت أعمارنا ذكورية مجتمعنا وشرعنا وقوانين محكمتنا الجعفرية.

وانطلاقا من المآسي التي كنا شاهدات عليها، والمآسي التي لم نسمع بها، والمآسي التي تتحضر لكل واحدة منا، أدعو من منبر “درج”، كل أم أو امرأة لبنانية عموماً، وكل أم أو امرأة شيعية مسلوبة حقوقها، مهددة في أمومتها، إلى التلاقي في ساحة من ساحات الثورة، كي نعرض مآسينا ونتناقش ونتحاور، من أجل تشكيل جبهة مصغرة قابلة للتوسع، ونرفع كتاباً إلى منظمة الأمم المتحدة، وبالتحديد إلى منظمة حقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، نسرد فيه معاناتنا وأسبابها، ونطلب منها التدخل فورا لحلها.

وهنا، وتخفيفاً من الهلع الذي قد يصيب بعضنا، من احتمال اتهامنا في استدعاء جهات أجنبية للتدخل في شؤوننا، لا بد من الإشارة، إلى المبادرة التي اتخذتها النساء الإيرانيات، في شهر أيلول/سبتمبر الماضي، حيث انتهزن فرصة استضافة بلادهن مباريات تصفيات كأس آسيا الممهدة لكأس العالم، فرفعن شكوى إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا”، أعلمن فيه رئيسه جياني إنفانتينو، أن حكومة بلادهن تمنعهن من الدخول إلى الملاعب الرياضية، لأسباب دينية، وقمن على مدى أسبوع بإمطار بريد إنفانتينو الخاص ب 50 ألف إيميل، شرحن فيه معاناتهن مع القوانين التمييزية التي تقيد حرياتهن الشخصية، وتدخل إنفانتينو على الفور، مشترطاً على الحكومة الإيرانية حلّ القضية، وتخصيص مدرج للنساء لمشاهدة المباريات، وإلا سيحرم إيران من استضافة التصفيات، وكانت النتيجة أن رضخت إيران للشرط، وتمكنت النساء الإيرانيات بعد أربعين سنة من الحرمان، من الدخول إلى ملعب “آزادي” في طهران ومشاهدة المباريات.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

أسيل العلائلي – ناشطة في الشؤون الجندرية
تتيح أزمة “كوفيد-19” الفرصة للدول العربية ليتحوّل العنف الأسري من شأن عائلي خاص، إلى قضية عامة.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
لقيت الطفلة حتفها بطريقة بشعة بعد أيام من عودتها إلى المنزل، إذ نحرها أبوها وهي نائمة، مستخدماً المنجل.
ريد مطر – صحافية مصرية
فيديو منة عبد العزيز صفع سذاجتنا وألصق أنوفنا في مشهد شديد العفونة، مشهد يقول للمرأة إن انسحبتِ من المجال العام سيتم جلبك من الفضاء الافتراضي ليُمارس عليك الانتهاك اليومي ذاته، وهذا الجسد الذي تتباهين بجماله ستحملينه مثل صخرة سيزيف على ظهرك.
مويتري موخوبادهياي – نسوية وباحثة اجتماعية هندية
ربما تأجلت الثورة بسبب الوباء، ولكنها لم تنته بعد، إذ إن الحنين إلى الحرية والديموقراطية سيعيد إثبات وجوده من جديد ولكن ذلك لن يحدث تلقائياً. وإذا لم يعد الحنين تأكيد مكانته، فإن مستقبلنا الديموقراطي معرض للخطر
فاطمة بدري – صحافية تونسية
“سيبقى لكنّ شرف الحرية لأنكنّ وقفتنّ بشجاعة في وجه النظام البائد وهتفتن بملء حناجركن ضد الظلم والاستبداد”
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
هالة ليست ضحية “كورونا”، بل ضحية تأخير العدالة، ما حرمها من رؤية ابنها أو حتى سماع صوته هاتفياً. وقصتها واحدة من قصص كثيرة، تحدث كل يوم بسبب عدم قدرة بعض القضاة على النظر في قضايا مستعجلة
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني