“مدى مصر” يلقّننا درساً في الصحافة وفي الصمود

نوفمبر 24, 2019
"درج" إذ يعلن تضامنه مع الزملاء في "مدى مصر" يعتبر أنّ مسألة الحق في الوصول إلى المعلومات وفي نشرها هي حقّ بديهي يجب أن يكون في صلب هموم حركات التغيير وشعارات ساحات الانتفاضات المتنقّلة بين العواصم العربية، والقاهرة ليست بعيدةً عن هذه الساحات، لا بل هي في صلبها وفي طليعتها

يبدو أن الإعلام، والمستقل منه تحديداً، هو اليوم الهدف الأول للأنظمة السياسية والأمنية في المشرق، وما جرى مع الزملاء في موقع “مدى مصر” الذين اعتُقلوا نهاية هذا الأسبوع وأُفرج عنهم مساء يوم الأحد، يمثل عينة عن استهداف هذا النوع من الإعلام بعد نجاح الأنظمة في تطويع وسائل الإعلام التقليدية وتحويلها أبواقاً مهمّتها الصمت أولاً، ثم الترويج للانتهاكات بوصفها إنجازات.

“مدى مصر” الذي اقتحمت قوات الأمن مكاتبه صباح اليوم الأحد واقتادت مديرة تحريره الزميلة لينا عطالله مع زميلَين آخرين هما رنا ممدوح ومحمد حمامة، وكانت اعتقلت بالأمس محرّره الزميل شادي زلط، مثّل طوال السنوات الأخيرة مساحةً نادرة للقصة الصحافية المصرية غير الرسمية، وأثبت قدرةً وإصراراً على الاستمرار في ظل ضغوط هائلة تعرّض لها، تمثّلت بحجبه وبتضييق الخناق على الزملاء فيه. وهو مثّل للقارىء المصري وغير المصري فرصةً غير متوفّرة لرصد الحدث المصري من الداخل عبر تحقيقات وآراء كان من الصعب إنجازها لولا إصرار الزملاء ومواظبتهم على مهمّةٍ لطالما شكّلت تحدّياً كبيراً لأمنهم ولوجودهم في مصر في ظلّ نظامٍ يضيق بالحرّيات وبالعمل الصحافي، وله “مآثر” كبرى في مجالات القمع والتضييق.

ولعلّ واقعة اقتحام مكاتب الزملاء في “مدى”، وهو الاسم الذي يألفون إطلاقه على موقعهم، في لحظةٍ عربية تشتعل فيها انتفاضات شعبية مُطالبةً بالحرّية في بغداد وبيروت والجزائر والخرطوم، يحمل مؤشراً على مدى شعور هذه الأنظمة بالتهديد جرّاء افتقادها لأدنى شرعية شعبية أو دستورية، وهو حدث له أصداء في بيروت التي أقدمت سلطاتها يوم السبت 23 تشرين الثاني/نوفمبر على اعتقال أطفال في بلدة حمّانا بسبب تمزيقهم صور الرئيس ميشال عون، وأيضاً أصداء لما يجري في إيران من قمع عنيف ودموي للمتظاهرين، ناهيك عن المجزرة المتواصلة في بغداد، والتي يواجهها المتظاهرون العراقيون بمزيد من الإصرار على مواصلة الاحتجاج.

لم يكن “مدى مصر” بعيداً عن هذه الهموم العربية، فتعامل مع الحدث اللبناني بصفته صدى للكثير من الوقائع العربية، فتنقّل مراسلوه بين بيروت وطرابلس وكتبوا قصصاً عن الحدث اللبناني حجبها الإعلام المصري عن المصريين.

تحيّة لـ”مدى مصر” من بيروت ومن بغداد ومن طهران،
وللينا عطالله نقول: لقد تعلّمنا اليوم درساً في الصمود وفي الصحافة

والزميلة لينا عطالله إذ ساقها الأمن المصري إلى الاحتجاز يوم الأحد وأفرج عنها في اليوم نفسه، فقد توجّهت إليه على أقدامها. فهي كانت عندما اقتحمت قوات الأمن مكاتب الموقع الذي ترأس تحريره تشارك في عمان في مؤتمر “أريج”، وما أن علمت بتوقيف زميلها شادي زلط وباقتحام الأمن مكاتب الموقع، أصرّت على قطع مشاركتها في المؤتمر والتوجّه إلى القاهرة حيث كان الأمن بانتظارها.

قوات الأمن المصرية التي اعتقلت الزملاء بهدف الضغط عليهم لمعرفة اسم كاتب تحقيق صحافي نشره “مدى” وتناول إجراءات عقابية اتخذتها المخابرات العسكرية المصرية بحق محمود السيسي نجل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بسبب فشله وأثره السلبي على صورة والده، لم تنجح بانتزاع اعتراف شادي زلط على ما يبدو باسم كاتب التحقيق، إذ ظلّ متمسّكاً بحقه القانوني بعدم إفشاء اسم الكاتب. فأقدمت على سوق فريق التحرير في الموقع، وعلى رأسه لينا، بحسب ما غرّد زملاؤهم بعد أن أعاد الأمن هواتفهم وأخلى المكاتب.

و”درج” إذ يعلن تضامنه مع الزملاء في “مدى مصر” يعتبر أنّ مسألة الحق في الوصول إلى المعلومات وفي نشرها هي حقّ بديهي يجب أن يكون في صلب هموم حركات التغيير وفي صلب شعارات ساحات الانتفاضات المتنقّلة بين العواصم العربية، والقاهرة ليست بعيدةً عن هذه الساحات، لا بل هي في صلبها وفي طليعتها. كما أن الحصانة التي يجب أن تحصّن مواقع صحافية مثل “مدى مصر” هي تماماً ما يدفع النظام في مصر على الاستهداف المتواصل الذي يمارسه على الزملاء. وهم بدورهم أبدوا صموداً استثنائياً على هذا الصعيد، ذاك أن خيار مغادرة القاهرة لطالما كان متاحاً، وأقدم عليه كثيرون لم يكن من بينهم أهل “مدى”.

فتحيّة لهم من بيروت ومن بغداد ومن طهران. وللينا عطالله نقول: لقد تعلّمنا اليوم درساً في الصمود وفي الصحافة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
بدأ الانهيار يصلنا عبر قصص صغرى. انتحار شاب في شارع الحمراء في وسط النهار، والعثور على آخر شنق نفسه في منطقة وادي الزينة شمال صيدا.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني