مصر: مزيد من التضييق على الصحافة بعد اعتقال “شادي زلط” محرر موقع “مدى مصر”

أثار توقيف شادي زلط مزيداً من القلق في أوساط الكتاب والصحافيين والناشطين المصريين الذي تعرض كثر منهم خلال السنوات الماضية للاعتقال والسجن والإخفاء والتعذيب


فجر السبت الماضي اقتحم أربعة عناصر منزل الصحافي في موقع “مدى مصر” شادي زلط (37 عاماً)، حيث تم اعتقاله ومصادرة جهاز الكمبيوتر الخاص به وكمبيوتر زوجته وهاتفه، وتم اقتياده إلى مكان لم يعلن عنه. موقع “مدى مصر”، وصف اعتقال شادي بـ”الاختطاف” لأن الجهات الأمنية ترفض الافصاح عن مكان حجزه، ولم يتمكن محاميه من العثور عليه ومتابعة ما يجري معه. 

الاعتقال حصل بعد أيام من نشر “مدى مصر” لتحقيق أحدث ضجة كبيرة. التحقيق كان تحت عنوان “مهمة عمل طويلة: إبعاد محمود السيسي إلى روسيا”. يتناول التحقيق، الذي لم يذيل باسم الصحافي الذي كتبه لأسباب أمنية، معلومات وتصريحات على لسان مصادر داخل المخابرات الحربية تفيد بقيام الرئيس عبدالفتاح السيسي بسحب البساط من تحت ولده الأكبر محمود،  وإبعاده عن العمل في المخابرات الحربية، مع إلزامه بالقيام بمهمة عمل طويلة في بعثة مصر العاملة في روسيا كمبعوث حربي لمصر. وبحسب التحقيق فإن ابعاد نجل السيسي حصل بعد أن أثّر نفوذه المتصاعد سلباً على والده خصوصاً في ظل فشل السيسي الابن في إدارة عدد من الملفات التي تولاها وفي مقدمها الإعلام.

“الصحافة في مصر في وضع الحصار، وهناك رقيب خفى يلاحق كل الصحفيين المهنيين، وشادي زلط آخرهم”

شادي زلط يعمل في “مدى مصر” منذ 6 سنوات بصفته محرراً للمواد التي يعدها صحافيو وصحافيات الموقع، ويبدو أن القبض عليه هو محاولة للضغط للكشف عن اسم معد التحقيق وبالتالي الوصول الى المصادر الأمنية التي سربت المعلومات. فهذا التحقيق تناول أحد أكثر القضايا حساسية في مصر، أي دور الأجهزة الأمنية والانشقاقات داخلها.

وهذا ليس الاستهداف الأول الذي يتعرض له موقع “مدى مصر” والذي يعد من المواقع القليلة المستقلة في مصر والمنطقة العربية. سبق أن تعرضت المنصة للحجب داخل مصر عام 2017، كما جرى وقف برنامج رسام الكاريكاتير محمد أنديل “أخ كبير” والذي غادر مصر بعدها إلى فرنسا. سبق أيضاً أن تم احتجاز الصحفي والكاتب بمدى مصر حسام بهجت عام 2015 بتهمة نشر أخبار كاذبة بعد مقال له عن المحاكمة العسكرية لضباط في الجيش بتهمة التخطيط لانقلاب.

لينا عطاالله، رئيسة تحرير “مدى مصر” كانت ذكرت بأن الموقع تقدّم العام الماضي بطلب لتسوية وضع المنصة القانوني من خلال قانون الصحافة والإعلام الجديد؛ (القانون رقم 180 لسنة 2018). “فعلنا ذلك دون أية أوهام عن دور الصحافة، وكيف تنظر السلطات لها. مرّ عام كامل على تقديم الملف، ولم نتلق ردًا حتى اليوم”.

أثار توقيف شادي زلط مزيداً من القلق في أوساط الكتاب والصحافيين والناشطين المصريين الذي تعرض كثر منهم خلال السنوات الماضية للاعتقال والسجن والإخفاء والتعذيب والمنع من السفر، في سياق حملات ممنهجة لضبط الإعلام وخفض سقوف حرية التعبير والمعارضة وتطويع المنتقدين للأوضاع السياسية والأمنية في مصر.

الكاتب الصحفي محمد سعد عبد الحفيظ عضو مجلس نقابة الصحفيين والكاتب بموقع “مدى مصر” قال لـ”درج”: ” كل الشواهد على الأرض تؤكد أن الصحافة في مصر في وضع الحصار، وهناك رقيب خفى يلاحق كل الصحفيين المهنيين، وشادي زلط آخرهم. أعرف شادي على المستوى الشخصي والعملي… أنا متأكد أن شادي زلط لم يخالف القانون ولم يكدر السلم والأمن وما يتعرض له هو تعسف حقيقي بأن يتم القبض عليه في منتصف الليل بهذه الطريقة أمام زوجته وابنته”.

ويضيف عبدالحفيظ، “منصة مدى مصر ليست منصة معارضة لأنها لا تعبر عن تنظيم حزبي أو حركة تنافس على السلطة، هي منصة مهنية وربما تعد المنصة الأعلى سقفاً في مصر في هذه المرحلة فهي تعمل بلا حسابات ولا تنصاع لقيود”.

لينا عطالله

وكانت “مدى مصر”  قد أصدرت بياناً عقب اعتقال شادي زلط اعتبرت فيه إن اعتقال شادي زلط هو تهديد لوجود مشروع «مدى مصر» كله.

وعن هذا تقول رئيسة التحرير لينا عطالله «غالبًا ما كنّا نُسأل كيف نستطيع العمل في ظل سنوات من القمع والضغوط التي أجبرت وسائل الإعلام على الإغلاق أو التوافق مع مَن يعتلي السلطة. الصحفيون ليس لهم حماية سوى نزاهتهم، وقيمة العمل الذي ينتظره منهم الآخرون، نحن جميعًا في خطر. إن لم ندافع عن أنفسنا سنصبح جميعًا، كزملاء لشادي، سجناء لدى السلطات. خيارنا الوحيد هو مواصلة الكفاح لضمان أمان زميلنا الشخصي، وكذلك لضمان قدرتنا على أداء وظيفتنا».

وكانت صحيفة واشنطن بوست قد نشرت تقريراً عن اعتقال شادي زلط اعتبرت فيه اعتقاله أحدث علامة على حملة قمع موسعة على الحريات من قبل حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي ، وهو حليف أمريكي رئيسي يدير ما وصفه النقاد بأنه أكثر الأنظمة استبدادية في تاريخ مصر الحديث بحسب الصحيفة.

الرقابة تحت حكم السيسي

وتحت حكم عبدالفتاح السيسي نمت الرقابة بشكل كبير ، مع حظر أكثر من 500 موقع ، بما في ذلك موقع مدى مصر. و إغلاق وسائل إعلام ، بينما سيطرت الحكومة أو حلفاء الرئيس السيسي على باقي المنصات الإعلامية. وقد استحوذ جهاز المخابرات العامة على عدد من وسائل الإعلام، ليصبح الجهاز حاليًا مالكًا لشبكة «دي إم سي»، ومجموعة قنوات «أون»، وتلفزيون «الحياة»، وتلفزيون «النهار»، بالإضافة إلى حصة حاكمة في قنوات «سي بي سي»، فضلًا عن راديو «9090»، وعدد من المواقع الصحفية منها اليوم السابع. وبحسب التحقيق الذي نشرته “مدى مصر”، فإن الأزمة حدثت داخل المخابرات وداخل أسرة السيسي “بعدما فشل السيسي الابن في إدارة ملف الفنان والمقاول محمد علي، والذي تولى إدارته من اليوم الأول ولم يحقق فيه نجاحًا يذكر بل انتهى الأمر بنزول الآلاف إلى الشوارع في العشرين من سبتمبر الماضي استجابة لدعوة «علي»، وهي المظاهرات التي تحدث عنها عدد من المسؤولين في حينه وعن تفاجئهم من رفعها شعار «ارحل يا سيسي»، ضمن شعارات أخرى أكثر تنديدًا بشخص الرئيس وأفراد أسرته” .

المديرة التنفيذية لـ هيومن رايتس ووتش في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سارة ليا ويتسن استنكرت اعتقال محرر “محدى مصر”: “عتقال شادي من منزله يشير إلى أن الحكومة المصرية  تبدأ على ما يبدو الهجوم على آخر منصة إعلامية مستقلة في البلاد”.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
بدأ الانهيار يصلنا عبر قصص صغرى. انتحار شاب في شارع الحمراء في وسط النهار، والعثور على آخر شنق نفسه في منطقة وادي الزينة شمال صيدا.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني