fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - Foreign Policy

ترجمة - Foreign Policy

مقالات الكاتب

3 ملايين مسلم محتجز في الصين ودول عربية وإسلامية تتجاهل محنتهم

شوارع فارغة، معسكرات ممتدة في الصحراء القريبة، صمت لا يقطعه سوى صوت الهمسات. هكذا يبدو النظام الإرهابي الحديث.

يرجح أن أكثر من مليون شخص من مسلمي الأويغور في منطقة شينغيانغ في الصين، وطنهم الأم، محتجزون في معسكرات إعادة التأهيل التي أنشأتها السلطات الصينية. ربما قد يصل عدد المحتجزين إلى ثلاثة ملايين شخص من أصل 11 مليوناً. وهؤلاء يضاف إليهم عدد قليل من الكازاخستانيين والقرغيز والأوزبك. يعيش بقية الأويغور خارج أسوار معسكرات إعادة التأهيل، تحت سلطة أحد أكثر أنظمة المراقبة نفوذاً وأكثرها جوراً في العالم. وتعتبر معسكرات إعادة التأهيل هذه، مجرد شكل واحد من ضمن أشكال السيطرة والعقاب التي تنتهجها الصين. يعيش الأويغور في خوف دائم من الاعتقال التعسفي ويمكنهم توقع القصاص سريعاً، في حال أبدوا أي علامة من العلامات التي تدل على هويتهم التركية أو الإسلامية، وتصل عبثية الأمر لدرجة أن تسمية طفل من أطفالهم باسم إسلامي تقليدي يعتبر مخالفة للقانون.

وعلى رغم أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي نصب نفسه مدافعاً عن المسلمين في كل أرجاء العالم، زار الصين قبل مدة قصيرة، إلا أن وسائل الإعلام العالمية أفادت بأنه قال إن جميع الناس في شينغيانغ يعيشون في سعادة، بفضل المسار التصاعدي الذي يتبعه الاقتصاد الصيني. سلوك أردوغان هو مثال للمقاربة التي يتبعها أشهر قادة العالم الإسلامي تجاه الأويغور.

سلوك أردوغان الودود مع الرئيس الصيني تشي جينبينغ جاء مغايراً لبيان الخارجية التركية في شباط/ فبراير الماضي الذي ورد فيه، “لم يعد سراً أن أكثر من مليون من الأويغور الأتراك يقبعون تحت الاعتقال الجبري ويتعرضون للتعذيب وغسيل الدماغ في معسكرات اعتقال وسجون. وبقية الأويغور ممن ليسوا داخل هذه المعسكرات، يتعرضون لضغوط شديدة”. وأصرت وزارة الخارجية على أن تركيا طرحت المسألة في مباحثاتها مع الصين.

كان رد فعل بينجبينغ قوياً تجاه موقف أنقرة، ما دفعها إلى التراجع من دون تردد. يعطي أردوغان الأولوية لإحياء الروابط التاريخية و”تعزيز التعاون” بين الصين وتركيا، إذ تسعى تركيا إلى الحصول على دور محوري في مبادرة الحزام والطريق.

سيكون على أي طريق تجاري أو خط سكك حديدية يربط بين تركيا والصين أن يمر على إقليم شينغيانغ أقصى غرب الصين، لذا من وجهة نظر أنقرة، فإن مسائل العقيدة المشتركة والتاريخ الواحد وصلة القرابة مع الأويغور الأتراك، يجب ألا تقف عائقاً في طريق ترتيب الصين أوضاعها الداخلية وشؤون سكانها المحليين. عوام الأتراك مناصرون أشداء لحقوق الإويغور، لكن أردوغان يدير بلداً كاملاً ولن يدع مجالاً للعواطف لتتغلب عليه في هذه المسألة. التعاضد الإسلامي شعار جيد للحملة الانتخابية وفي إدارة العلاقات الدولية، لكن هذا كل ما في الأمر بالنسبة إلى تركيا وغيرها.

ليس بإمكان الأويغور أن ينتظروا تعاطفاً من جيرانهم الأتراك المسلمين الآخرين في قرغيزستان وكازاخستان أو أي دولة أخرى من جمهوريات وسط آسيا.

باكستان التي لا يفصلها عن شينغيانغ سوى خط حدودي، لم تقم كدولة مستقلة عام 1947 إلا باعتبارها ملاذاً للمسلمين. ومنذ ذلك الحين حمل قادة البلاد من العسكريين والسياسيين ورجال الدين، على عاتقهم مهمة الدفاع عن الإسلام والمسلمين في كل مكان. ففي النهاية، باكستان هي الدولة المسلمة الوحيدة التي تمتلك أسلحة نووية، لذا من الناحية العسكرية، تعد هي صاحبة أقوى جيش في العالم الإسلامي وهي الأكثر قدرة على التدخل لحماية المسلمين المضطهدين في أي مكان.

إلا إذا كان هؤلاء المسلمون يعيشون في الصين. يصل الأمر بالبعض إلى وصف باكستان بالدولة التابعة للصين. بغض النظر عن الأمر، فبالنسبة إلى دولة ومجتمع متداع، هناك أمر واحد يدركه كل من يعمل في المخابرات الحربية وكل داعية متطرف وكل سياسي في هذا البلاد، وهو أن الاستثمارات الصينية حيوية لتطور البلاد، بل وحتى لمجرد تنشيط الاقتصاد بما يكفي لإقامة الدولة وتمويل جيشها الهائل. لهذا عم الصمت إسلام آباد تجاه قضية الأويغور، ولهذا تظاهر رئيس الوزراء عمران خان بأنه لا يعرف شيئاً عن المسألة حين سئل عنها.

يرى الرجال الباكستانيون الذين تزوجوا من نساء الأويغور نساءهم يختفين داخل معسكرات الاعتقال، من دون تلقي أي مساعدة من الحكومة. كما قادت الصين حملة إعلامية شرسة تزعمتها سفارتها- وتجسست على الأويغور في باكستان نفسها.

وليس بإمكان الأويغور أن ينتظروا تعاطفاً من جيرانهم الأتراك المسلمين الآخرين في قرغيزستان وكازاخستان أو أي دولة أخرى من جمهوريات وسط آسيا. فهم وإن شاركوهم العقيدة والأصول الثقافية والعرقية والتاريخية، تبذل حكوماتهم جهدها لتملق بكين لتكون جزءاً من مبادرة الحزام والطريق التي تبنيها الصين.

فمن جهة، هناك واقع جيوسياسي مرير متمثل في اعتماد بلد غير ساحلي على جيرانها الأقوياء في التجارة. ومن جهة أخرى، هناك ميل لدى الحكومة المحلية إلى حبس مواطنيها. هذه البلدان لا تتمتع بمستوى أخلاقي رفيع ليدفعها لاستنكار ما تفعله الصين، حتى وإن كان في مقدورها إدَانتها. إذ كفلت ممارسة الضغوط السياسية في الكواليس، إلى جانب الاحتجاجات الشعبية، إطلاق سراح الأوزبك والكازاخستانيين وغيرهم من المعسكرات، لكن لم يشمل هذا التعاطف الأويغور أنفسهم.

ولكن ماذا عن أبرز المتحدثين في العالم الإسلامي؟ إذ تقع كل من إيران والسعودية ومصر بعيداً من الصين، ولا يعنيها إبداء حسن نياتها أو التودد إليها مثلما يفعل جيران البلد. ولأن قادة تلك الدول أعلنوا أنفسهم قادة العالم الإسلامي وحُماة الأمة الإسلامية جمعاء، فمن المنتظر أن يمدوا يد العون للمسلمين المضطهدين في جميع أرجاء العالم. فما أسرعهم في إشهار سيوفهم تهديداً بالحرب، وإصدار الفتاوى، وإعلان الجهاد في مواقف أخرى يُهان فيها المسلمون، أبرزها ما يحدث للفلسطينيين ومسلمي كشمير وميانمار.

لكنهم يغضون الطرف عما يحدث للأويغوريين، على رغم أن الولايات المتحدة تكفل أمن السعودية وتجارتها، وعلى رغم ادعائها زعامة العالم الإسلامي وتصديها للمشكلات المتعلقة بالمسلمين حول العالم، باعتبار صاحب السمو خادم الحرمين الشريفين، فإن موقفها يخلو تماماً من أي إشارة إلى ما يحدث هناك.

ترتدي إيران عباءة الخلفاء الراشدين وتدعي اتباع خطى الخلفاء الأربعة الذين تولوا شؤون المسلمين بعد وفاة النبي محمد، كما تسعى إلى حفر مكانتها -تماماً مثلما فعل أول الخلفاء الراشدين- كقوة إقليمية مهيمنة في الشرق الأوسط بين جيرانها. لكن إن حبست الصين الجموع الإسلامية في الأراضي التي تأثرت من قبل بشدة بالإمبراطورية الفارسية، فلن تنبس طهران ببنت شفة وستدير ظهرها كأن شيئاً لم يكن.

وقد تمادت مصر التي تُعد الموطن الثقافي للإسلام في العالم العربي، للحد الذي دعاها إلى احتجاز الأويغور وترحيلهم إلى الصين مرة أخرى بإيعاز من بكين.

تزعم تلك الدول أن مناصرة الإسلام، والدفاع عن وحدة المسلمين وتكافلهم، هي الركيزة الأخلاقية الأساسية التي تستند إليها، وتتغنى بالماضي، حين كانت قبلة المسلمين، فيما اليوم تستجدي الصين وتتودد إليها حتى وإن كانت في غنى عن ذلك.

وما زاد الطين بلة هو صم منظمة التعاون الإسلامي (التي لم يكن لها نصيب من اسمها) أذنيها عما يحدث للأويغوريين. إذ تعتبر جميع هذه البلدان وقادتها التعاون فكرة رائعة، بيد أن هذا التعاون الذي تسعى إليه هذه الدول تعتبر فيه الصين أكثر قيمة من أي تعاون آخر مبني على أسس دينية.

في الشرق الأوسط، حتى البلدان التي يُمكنها الاعتماد على الولايات المتحدة من أجل الحماية والتجارة، تتطلع إلى الصين آملة بأن تُشركها في مشاريع “مبادرة الحزام والطريق”. تكمن الحقيقة المُرّة في أن جميع الطرق البرية لمبادرة الحزام والطريق تمر عبر شينغيانغ. وتخشى الدول غضب بكين وعرقلة التجارة، لذا يسعى الجميع إلى تهدئة الاضطرابات وتعزيز الاستقرار في المنطقة.

تتمتع البلدان الناشئة ذات الغالبية المسلمة الواقعة خارج نطاق الشرق الأوسط (أمثال ماليزيا، وهي بلد قائم على اقتصاد بمسار تصاعدي، وكذلك إندونيسيا التي تضم أكبر عدد من السكان المسلمين في العالم، والبلدان حليفان للولايات المتحدة في ما يبذلانه من جهود مشتركة لاحتواء الصين في جنوب شرق آسيا) بقدر وافر من الحرية، ما يعينهما على إعلاء كلمة الحق من أجل نصرة الأويغور. وعلى رغم أن كلما قلت حركة التجارة في شينغيانغ، زادت عند السواحل الخاضعة لسيطرتهما. إلا أنهما أذعنا لرغبات بكين. بينما ناصرت المعارضة، في كلا البلدين، الأويغور وتحدثت نيابة عنهم في المحافل الدولية.

ما زاد الطين بلة هو صم منظمة التعاون الإسلامي (التي لم يكن لها نصيب من اسمها) أذنيها عما يحدث للأويغوريين.

قد يكون هذا موقفاً براغماتياً. لكنه مناقض تماماً لرد فعل العالم الإسلامي تجاه المظالم الحقيقية والمُبررة المرتكبة ضد المسلمين من الدول الغربية أو إسرائيل.

ممارسات إسرائيل ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة مروعة وترقى الآن إلى مستوى التطهير العرقي. لكن الفلسطينيين ليسوا محتجزين في معسكرات إعادة تأهيل، وليسوا خاضعين للقدر ذاته الرقابة الصارمة ومحاولات المحو الثقافي، الذي يواجهه الأويغور، الذين يعانون في مقاطعة شينغيانغ من أوضاع أسوأ من الفلسطينيين. مع ذلك لم يدع أي من الأئمة أو آيات الله إلى محو الصين من على وجه الأرض.

تثير الحرب الحمقاء التي تشنها الدول الغربية على الحجاب والنقاب مخاوف بشأن حرية ممارسة المسلمين شعائرهم. الأكثر إثارة للقلق هو انتشار الإسلاموفوبيا والتوترات العنيفة التي تحدث أحياناً بين الجالية المسلمة وغيرها من المجتمعات المحلية في الولايات المتحدة وأماكن أخرى في الغرب.

مع ذلك فإن هؤلاء الذين يُنعتون “بالكفار” و”الصليبيين” أكثر صراحة ووضوحاً في مخاوفهم تجاه سلامة الأويغور وأمنهم، ممن يسمون أنفسهم “المدافعين عن الدين”، على رغم أن لديهم ما يخشون عليه من المكاسب التجارية والعلاقات الجيدة مع الصين. وحتى وهم مدركون ضآلة قدرتهم على التأثير في سياسة الحكومة الصينية في إقليم شينغيانغ، ويعرفون أن اتخاذهم مواقف قائمة على المبادئ سيكون بلا جدوى عملياً، أعرب كثير من القادة الغربيون عن إدانتهم، ولم يتخلف منهم سوى قلة مخزية من بينهم نيوزيلندا. وهم لا يتخذون مواقفهم هذه على أساس عقدي بل إنساني محض.

تثير الحرب الحمقاء التي تشنها الدول الغربية على الحجاب والنقاب مخاوف بشأن حرية ممارسة المسلمين شعائرهم.

لو لم يكن لتركيا ومصر والسعودية مصالح تخشى عليها مع الصين، لشهدنا دعوات إلى الجهاد ضد بكين اليوم. فالدعوة إلى الجهاد ضد الكافرين هي أكثر الطرق نجاحاً على مر التاريخ التي يلجأ إليها القادة المسلمون لنيل الشعبية والتأييد.

لكن حين تكون الصين صديقتك، تصبح الأخوة الإسلامية مجرد دعوة إلى الفوضى. ومقابل كل الضجيج المثار في العالم الإسلامي حول فساد الحكومات الغربية الأخلاقي ونفاقها في ما يتعلق بحقوق الإنسان (ولا شك في أن الغرب ملام في مدى التزامه المزعوم بالقيم العالمية)، لم تتظاهر أي حكومة مسلمة بأن الأخوة الإسلامية تفرض عليها الوقوف مع مسلمي الأويغور. ولم يقدموا حتى الملاذ الآمن لمن يحتاجونه.

ولعل المفارقة الأكبر في القضية هي أن إدارة دونالد ترامب كانت الأكثر صلابة في إدانتها بكين على معاملتها الأويغور. لنتمعن في الأمر قليلاً. فالرجل الذي دعا إلى فرض حظر كامل على المسلمين من دخول الولايات المتحدة، أظهر اتساقاً أخلاقياً وأخوة إنسانية مع الأويغور في شينغيانغ أكثر من قادة الدول الإسلامية حول العالم.

ليس لدى الولايات المتحدة الكثير لتخسره بالتأكيد، وموقفها العام المعادي للصين قد يكون له أثر في الأمر. لكن حين تتحدث إدارة أميركية هي الأكثر معاداة للمسلمين، عن معاناة الأويغور من موقف إنساني، فإنها تفضح بذلك مدى وهن شعارات التعاضد المرفوعة في العالم الإسلامي.

هذا المقال مترجم عن foreignpolicy.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي

 

إقرأ أيضاً