fbpx

عن ثورة زارتنا في بيروت قبل سبع سنوات

شعارات السلمية والحرية واللاطائفية سرعان ما رُدَّ عليها بشعار "الأسد أو نحرق البلد"، وهكذا كان. علم العالم بما يحدث ولم يأبه. استدرج النظام معارضيه السلميين إلى حمل السلاح، ثم سهل تجيير ثورتهم إلى عدو يشبهه. انتهت الثورة وبدأت الحرب الأهلية. كل سنة في مثل هذا التاريخ، نستعيد ما حصل. أبحث عن صوت نبراس، أجده في رأسي.

لا يزال صوت نبراس في أذني: “يلعن روحك يا حافظ… يلعن روحك يا أنيسة… يلعن روحك يا بشار”.
لا تزال النغمات والوجوه والأصوات والأماكن والحكايات حاضرةً في رأسي.
كم ألهمنا في ذلك الربيع وصول السوريين إلى مدينتنا، نحن اللبنانيين الغارقين في هموم بلدنا العادية، على رغم الثورات العربية العاصفة من حولنا.
أغلب الذين وصلوا كانوا خارجين من معتقل أو هاربين من مذكرات توقيف بتهمة المشاركة في المظاهرات السلمية.
عرفوا سريعاً أن عليهم تجنب شارع الحمرا، فالشارع للحزب القومي… اختاروا السيوفي والجعيتاوي ولاحقاً مار مخايل… صارت هناك أماكننا أيضاً. في البداية كانت لقاءاتنا بهم سرية، فبيروت الهادئة نسبياً منهكة وهي الأخرى لم تكن حرة… سياسة النأي بالنفس المعلنة من قبل الحكومة، لم تكن تعني عدم مواظبة أجهزة الأمن اللبنانية على مساعدة النظام السوري بتوقيف المعارضين وإخفائهم هنا بما تيسر أو إعادتهم إلى مصير حتمي في سوريا. كانت الخطة بسيطة وهدفها واضح: دور من وصلوا إلى بيروت، دعم الداخل معنوياً وإخراج صوتهم إلى العالم. فالأنظمة تتساقط والعالم الخارجي لن يسمح بقتل السوريين السلميين المطالبين بالحرية… ليس في ضوء ما يحصل في تونس ومصر…
شعارات السلمية والحرية واللاطائفية سرعان ما رُدَّ عليها بشعار “الأسد أو نحرق البلد”، وهكذا كان. علم العالم بما يحدث ولم يأبه. استدرج النظام معارضيه السلميين إلى حمل السلاح، ثم سهل تجيير ثورتهم إلى عدو يشبهه.
انتهت الثورة وبدأت الحرب الأهلية.
كل سنة في مثل هذا التاريخ، نستعيد ما حصل. أبحث عن صوت نبراس، أجده في رأسي.
أجدني أضحك مرددة أن شرب العرق والتعرف إلى السوريين من أهم فضائل الثورة السورية. أجد في تلك الكلمات التافهة رداً على من كانوا في صفنا وصاروا مع تبدل موازين القوة يقولون إن الثورة بدأها السُّنة في سوريا.
نسوا أو يتناسون.
الحرب المستمرة لها أبطالها ومجرموها من السُّنة… الثورة السلمية كانت عابرة للطوائف وبيروت شاهدة على ذلك… الثورة كانت نبراس، الذي لطالما خبّأ معارضين من كل الطوائف في غرفة كنيسته الجيزوتية في الأشرفية. قد يقول قائل إن من وصلوا بيروت أغلبهم ينتمون إلى البورجوازية السورية… بيروت أيضاً شاهدة على غير ذلك. من ريف دمشق، كانت هبة تأتيني كل أربعاء، تدخل إلى مكتب العربية في بيروت مستعجلة، على جدول أعمالها زيارات مماثلة إلى مكاتب “السي أن أن” و”رويترز” ووسائل إعلامية أخرى… “هربت الثورة بكلسوني” تقول لي الجميلة وهي تسلمني فيديوات لمظاهرات سلمية تم تجميعها من الداخل السوري، مظاهرات ملونة شارك فيها كل السوريين، في معظم المحافظات، يوم كان الرقص والغناء والشعارات السلمية هي الأسلحة الوحيدة المتاحة… عيناها تبرقان حماسة وإيماناً بأهمية ما تقوم به. ذراعا هبة بيضاوان بلون لم أره في حياتي. تنتبه إلى نظرتي وتخبرني أنها المرة الأولى التي يرى جلدها الشمس منذ أن بلغت التاسعة وفرض عليها لبس الحجاب.
سبعة أشهر ثورة، وها نحن نغلق سبع سنوات حرب. أتمسك بصوت نبراس، وأحلام من تجمعوا من حوله يغنون معه… أهرب من صوت أمي الممانعة.
“دم السوريين وخرابهم، في رقبتكم أنتم”، قالت لي يوماً. سألتها كيف هذا؟ “لأنكم دفعتم بالأبرياء إلى مواجهة سيقتلون فيها فيما أنتم قابعون في مقاهيكم تنظرون من بعيد”…
تهمتنا كلمة إذاً، أباحت للقاتل مقتلته.
أتمسك بصوت نبراس وأبحث عما بقي من ثورة السذج التي آمنّا بها واقترفنا جريمة دعمها.
بيروت التي ضيقت على غالبية المعارضين السوريين السلميين وفرضت عليهم المغادرة طوعاً أو كراهية، شاهدة غصباً عن إرادة سلطتها على ذاكرة من قامت بنفيهم.
“يبدو أن علينا أن نستيقظ،” يقول لي علاء الذي كان عليه أن يودع أغلب من وصل معهم إلى بيروت خلال السنوات الماضية… “يبدو انه لم يبقَ لنا إلا الفن” يضيف. أعزي علاء ونفسي قائلة إن الفن ليس تفصيلاً.
ها هي هبة تعرض فيلمها في مهرجان دولي. أعرف جيداً أنها لن تعود يوماً إلى دمشق، لكنني أعرف أيضاً أن قصة ثورتها لن تموت. هؤلاء الحالمون السذج ها هم منتشرون حول العالم يخلقون ويبدعون والأهم من أي شيء آخر، يوثقون، جريمة نظامهم وجريمة العالم الساكت سنة بعد سنة على استمرار الجريمة.
التاريخ يكتبه الغالبون. سيكون على الكتبة إحراق الكثير من المكتبات الافتراضية والملصقات على جدران مدن العالم الصامت. منشورات فارس خاشوق لم تعد حكراً على القلة التي ترتاد معارض باريس الفنية التي احتضنته منذ عامين. وصل إلى كتاب التاريخ الفرنسي في المرحلة الابتدائية وها هي آلاف النسخ منه منتشرة على حيطان المدن الفرنسية.
يبدو أنه علينا أن نتجاوز إحباطنا… فما معنى نجاح فيلم أو انتشار ملصق في وجه أنين طفل جائع أو ممزق في الغوطة؟
ما معنى تفاصيل حياتنا ومشكلاتنا الخاصة في وجه ما أوصلتنا إليه أحلامنا؟
ما معنى أن نستمر في المحاولة مع معرفتنا أن كل ما نقوم به تافه وعاجز أمام المجزرة المستمرة.
“سيخرج العيتاني من السجن، ليجد أن الشبارو مات”، قال لي خالد صبيح بعد سماعي أغنية “من أجل هذا ولهذا” التي أعدها فريق الراحل الكبير عن قضية زياد عيتاني، وانتهوا من تسجيلها قبل ساعات من مقتل عماد حشيشو في حادث سير.
حتى أنت يا الله!
منذ وقت ليس ببعيد أحضرت سخرية فرقة “الراحل الكبير” من بشار الأسد ومن أبو بكر البغدادي، الثورة إلى شارع الحمراء، وأبقتها حية في مترو المدينة بعد سنوات على انتهائها… لكن بشار الأسد وأبو بكر البغدادي اليوم منتصران، والراحل الكبير مسحوق تحت وطأة الظلم الممنهج والموت العبثي.
أبحث عن نبراس. أجده وأجدنا، نحن الباقون من الحالمين السذج. كم التزم مسارنا ومصيرنا… كم نشبه كلنا زياد عيتاني…
حَلمنا. سخرنا من حكامنا وسلطتهم. تجرأنا على رفض قهرهم. لُفقت لنا تهمة التآمر. أُدخلنا إلى سجن الحرب. عُذِّبنا. اعترفنا. كدنا نصدق أننا فعلاً مذنبون. خذلنا بعضنا. خرجنا مقهورين. وجدنا طوائفنا وسياسيينا إلى جانب أمهاتنا المغلوب على أمرهن… بقينا جزءاً من المشهد، وبقيت لنا ابتسامة مرهقة، فرحة ببعض حرية مصادرة ومقيدة.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني