fbpx

التضخم في مصر: ثلاث قصص قصيرة

مارس 16, 2018
تعيش نجاح مع أسرتها التي يتولى فيها الأب توفير المال اللازم لاحتياجات الأسرة، وبالتالي لا تعرف على سبيل الدقة التأثير المباشر لموجة التضخم العاتية على نفقات الأسرة، لكنها تعرف جيداً تأثيرها في هذا العبء الذي تحمله وحدها تقريباً: عبء الإنفاق على شقيقتها الصغرى التي تواصل دراستها في معهد التمريض في القاهرة.

القاهرة – بيسان كساب

“الكولة (الياقة) صغيرة ولا انا متهيألي (أتوهم)؟”، هكذا كانت تسأل نجاح بتعجل زميل لها- على ما يبدو- في مصنع صغير في الإسكندرية، وهو سؤال وجدت أنه لا يمكن تأجيله لحين إنهاء مكالمة امتدت نحو نصف ساعة، حدثتنا فيها عن عملها في هذا المصنع ضمن عدد من المصانع والمشاغل، مقابل أجر يومي متقطع يضاف إلى عملها الخاص كخياطة، بعدما أخذ ما تتقاضاه من عملها يتقلّص مع تراجع عدد زبائنها الذين انصرفوا عن شراء الملابس أو تفصيلها، مع ارتفاع معدلات التضخم.
ارتفعت معدلات التضخم في مصر على نحو مضطرد بدءاً من تشرين ثاني (نوفمبر) من عام 2016، مع اتخاذ البنك المركزي قراراً بتحرير سعر الصرف في البلد الذي يعاني أصلاً من خلل كبير في ميزانه التجاري، فزاد من مستواه المرتفع عند 13.56 في المئة في تشرين أول (أكتوبر) حتى وصل إلى ذروته في تموز (يوليو) من عام 2017 الذي بلغت فيه نسبة التضخم 34.2 في المئة، قبل أن تتناقص تدريجياً لتصل إلى 17 في المئة في كانون ثاني (يناير) هذا العام، لأسباب “حسابية” بحتة، تعود إلى ارتفاع معدل التضخم في الشهر المناظر من العام الماضي الذي تتم مقارنة التضخم على أساسه (كانون ثاني 2018 مقابل كانون ثاني 2017)، تبعاً لتحليل “شركة مباشر للخدمات المالية” التي توقعت عودة التضخم للارتفاع في النصف الثاني من العام مع تطبيق التخفيضات الجديدة في دعم الوقود والكهرباء في حزيران (يونيو). وساهم في ارتفاع معدل التضخم عدد من الإجراءات ذات الطابع التضخمي، والمرتبطة كلها باتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي- على قرض قيمته 12 مليار دولار- على رأسها رفع سعر الوقود وتطبيق ضريبة القيمة المضافة.

وتتحصل “نجاح”- التي فضلت عدم ذكر سنها أو اسمها بالكامل- على متوسط أجر يومي يبلغ 75 جنيه مقابل العمل من ست إلى سبع ساعات في مشاغل ومصانع بصورة متقطعة للغاية، فلا تحصل سوى على 300 جنيه شهرياً كحد اقصى، إضافة إلى نحو ألف جنيه شهرياً، تتحصل عليه من عملها الحر كخياطة.
وتعيش نجاح مع أسرتها التي يتولى فيها الأب توفير المال اللازم لاحتياجات الأسرة، وبالتالي لا تعرف على سبيل الدقة التأثير المباشر لموجة التضخم العاتية على نفقات الأسرة، لكنها تعرف جيداً تأثيرها في هذا العبء الذي تحمله وحدها تقريباً: عبء الإنفاق على شقيقتها الصغرى التي تواصل دراستها في معهد التمريض في القاهرة. وقد تضاعف هذا العبء من 200 إلى نحو 400 جنيه أسبوعياً، فضلاً عن تكلفة الدراسة التي تبلغ في المتوسط 3000 جنيه تسدد كل ثلاثة إلى أربعة أشهر. وهكذا صارت نجاح عاجزة عن تحمل هذا العبء بمفردها.
لم يكن الأمر بالصعوبة ذاتها على الدوام، فقبل أن تضطر سماح للعمل “في القطاع الخاص خارج المنشآت”، تبعاً لتصنيف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، كانت تعمل في وظيفة بسيطة في المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية مقابل 1500 جنيه، بعدما كانت قد فقدت وظيفتها التي عملت فيها لمدة تسع سنوات كعاملة نسيج في شركة النصر للملابس والمنسوجات في الاسكندرية (كابو)، وهي شركة خاصة فصلتها تعسفياً، بسبب دورها في إضراب يطالب بزيادة الأجور عام 2013. ليس المركز المصري في حال أفضل كثيراً، وإن اختلفت الأسباب حيث اضطر القائمون عليه إلى إنهاء معظم أنشطته أخيراً، بسبب نقص التمويل وتضييق الحكومة على العاملين في مجال حقوق الإنسان.
وتنتمي سماح للقطاع الأكبر من النساء العاملات في مصر وهو قطاع العاملات “في القطاع الخاص خارج المنشآت” اللاتي يمثلن أكثر من 37 في المئة من النساء العاملات في مصر. ولا يستفيد هذا القطاع من أي ارتفاع في الأجور مرتبط بالتضخم. ومثلها في ذلك “رضا”، وهي سيدة خمسينية تعمل جليسة لثلاثة أطفال- إضافة إلى مهمات منزلية أخرى مثل التنظيف والطبخ- لدى أسرة متوسطة في حي المقطم في القاهرة.
“رضا” راضية على كل حال عن ربة عملها، “مدام رنا”، التي رفعت راتبها مرات عدة من دون أن تطلب منها، خلال خمس سنوات ليرتفع ما كانت تتحصل عليه من 1500 جنيه إلى 2200 جنيه حالياً، بخاصة أنها تحصلت على زيادتين في أجرها خلال السنة الأخيرة– بواقع 400 جنيه. وشهدت السنة ذاتها ارتفاع إيجار منزلها– في “منشية ناصر” أحد أفقر أحياء القاهرة- بنسبة 33 في المئة دفعة واحدة، من 200 إلى 300 جنيه. وإضافة إلى راتبها، تتحصل رضا من زوجها على 1500 جنيه شهرياً، تمثل جزءاً لا تعرف نسبته من أجره الذي تجهل قيمته الإجمالية، على رغم أن عمر زواجهما لا يقل عن 39 سنة.
3700 جنيه إذاً تمثل إجمالي ما هو متاح للنفقات الضرورية لمعيشة رضا وزوجها، إلى جانب التزامات متعلقة بمساعدة اثنين من أبنائها الأربعة هما “هالة” و”علي”، وهي مساعدات لا تستطيع “رضا” تقدير متوسط شهري لقيمتها، كونها تتضمن مساعدات عينية لهالة في صورة مواد غذائية غالباً، ومساعدات مادية لعلي تختلف في قيمتها من شهر إلى آخر تبعاً لتغير التزاماته. وفضلاً عن ذلك، ثمة نفقات لا يمكن الفكاك منها وهي ٦٠٠ جنيه شهرياً لشراء نفقات علاج “رضا” من ثلاثة أمراض مزمنة هي القلب والسكري والضغط.
وهكذا فإن أي بنود إضافية في قائمة نفقات الأسرة، بخلاف الإيجار ومساعدة الأبناء والعلاج، أصبحت محل “تحايل” من “رضا” في سعيها الحثيث للتعايش، بدءاً من كل متطلباتها الشخصية وعلى رأسها “أي عباءة ولا شبشب (خف منزلي)” على حد تعبيرها، وصولاً إلى بعض أصناف الطعام وعلى رأسها اللحوم الحمراء التي خفضت “رضا” استهلاك الأسرة منها، إلى كيلوغرام واحد في الشهر واللحوم البيضاء التي تراجعت مشتريات الأسرة منه إلى دجاجة واحدة شهرياً.
و”عموماً، يعد التخلي عن الطعام الصحي أحد أكثر أنماط سلوك الفقراء انتشاراً من أجل التكيف مع أزمات التضخم الكبرى”، تبعاً لهبة الليثي أستاذة الإحصاء في جامعة القاهرة والمشرفة على “بحث الدخل والإنفاق” الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وتقول الليثي إنه “من المعتاد وفقاً لما يدلي به المستطلَعة أراؤهم (في بحث الدخل والإنفاق) في أوقات اشتداد أزمات التضخم، محاولة تعديل أصناف الطعام أو تقليل الكميات وصولاً إلى تخفيض عدد الوجبات”.
لكن أسوأ ما تتضمنه تلك الأنماط، من وجهة نظر الليثي، هي “تلك التي تمس الأطفال والتي انتهت عملياً إلى ما أظهرته نتائج آخر مسح سكاني صحي (عام 2015) من أن 21 في المئة من الأطفال المصريين تحت الخمس سنوات مصابون بالتقزم، نتيجة سوء التغذية” على حد قولها، مضيفة أنه “من ضمن الأمثلة الواضحة على تلك الأنماط هو محاولة القفز على موعد الوجبات، عبر تقديم الأغذية السريعة المحفوظة الرخيصة وغير الصحية للأطفال من قبيل رقائق البطاطس المقلية في موعد الوجبات في محاولة لتسكين الشعور بالجوع”.
وتشير هبة الليثي إلى نمط آخر شائع وخطير للتكيف في مواجهة التضخم والمرتبط كذلك بالأطفال، وهو حرمانهم من التعليم.
لكن “تامر متولي” وهو عامل في شركة مصر للغزل والنسيج- وهي شركة عامة في مدينة المحلة- يعتبر أن الأولوية التي لا يمكن التنازل عنها هي تعليم أبنائه الثلاثة، على رغم أن إجمالي راتبه من الشركة لا يتجاوز 1400 جنيه، بعدما انقضى العام الماضي من دون أن يحصل، هو وزملاؤه في الشركة، إلا على علاوة دورية نسبتها 7 في المئة من أجره الأساسي، وهي زيادة لا تتجاوز في الأغلب ثلث معدل التضخم في تلك الفترة.
هذا النمو الضعيف في أجر تامر وزملائه في المصنع، وهم ضمن أكثر من 826 ألفاً من العاملين في قطاع الأعمال العام والقطاع العام، ليس أمراً عشوائياً إذ إن خفض نسبة إنفاق الدولة على الأجور الحكومية هدف معلن لا مجال للحكومة للتملص منه، خصوصاً في ظل الاتفاق الموقع مع صندوق النقد الدولي. بل وشمل هذا التوجه بدوره بصورة عامة القطاع الخاص كذلك، لأسباب تتعلق بالعجز عن مواكبة الارتفاع في معدلات التضخم من ناحية وتراجع الضغوط من قبل العاملين بنسبة كبيرة في ظل تراجع قدرتهم على تنظيم الاحتجاجات والعمل النقابي المستقل.
ويوضح الشكل التالي- الذي يستند إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء- معدل نمو الأجور في قطاع الأعمال العام والقطاع العام والخاص خلال سنوات عدة مقابل معدل التضخم السنوي.

لا يتحدث “متولي كثيراً عما اضطر وزوجته وأبناؤه للتنازل عنه من نفقات مع الارتفاع الكبير في التضخم، ربما لأن الإنفاق هو شأن زوجته، وهي ربة منزل كانت تعمل قبل 15 سنة في الشركة ذاتها، لكنه يحدثنا في المقابل عن تحايله على الأزمة، عبر سعيه إلى ضمان دخل إضافي عبر العمل يومياً من الثالثة مساءً وحتى العاشرة مساءً في إصلاح ماكينات الخياطة، “وبكده بقيت بطلع من بيتي الساعة سبعة الصبح برجع 11 بالليل” على حد قوله، مقابل أجر يومي يتراوح بين 20 إلى 60 جنيهاً يومياً.
وفي المقابل، لم تكلل حتى الآن جهود تامر وزوجته في البحث لها عن مورد رزق، فالأسرة تنفق شهرياً 100 جنيه تمثل قسط ماكينة خياطة جديدة كان الهدف من شرائها أن تستأنف الزوجة عملها السابق في الشركة، من منزلها هذه المرة، في تنفيذ عملية ثني أطراف الأثواب الجاهزة لتصبح معدة للبيع، إذ كان متولي وزوجته يعوّلان على تلقي طلبات من الشركة ذاتها في حال وجود فائض من الإنتاج يزيد عن حجم العمالة وهو ما لم يحدث، كما أنه من المستبعد حتى الآن تلقي طلبات من القطاع الخاص، “عشان الحال واقف” على حد تعبير متولي في إِشارة لما اعتبره ركوداً بسبب التضخم.[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الأمر الوحيد الذي بقي أمام من يسعى إلى تخيل “ما بعد لبنان” هو أن يغادر اللبنانيون كلهم هذه المساحة بقوارب صغيرة وكبيرة، وأن ينجو بعضهم ويموت بعضهم الآخر، وهذا ما يحصل عملياً، وفي هذا الوقت سيكون سهلاً على الثنائي الشيعي أن يفوز بوزارة المالية…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني