fbpx

الإسلام التركي بين التحديث والإصلاح والسياسة

حدث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لمناسبة يوم المرأة العالمي، عن وجوب "تحديث" الإسلام، وتخليصه من فوضى الفتاوى التي انتشرت، أخيراً، في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. لم يمض يوم واحد حتى اضطر إلى الكلام في الموضوع ذاته، فصحح سوء الفهم الذي تعرض له تصريحه الأول، وبخاصة كلمة تحديث (update) التي استخدمها، فقال إنه لم يقصد بذلك إصلاح الإسلام، فهذا "مما لا نملك أن نتجرأ عليه"، بل عدم الانسياق وراء فتاوى لا تأخذ بالاعتبار الشروط التاريخية المتغيرة لمجتمع المسلمين.

تحدث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لمناسبة يوم المرأة العالمي، عن وجوب “تحديث” الإسلام، وتخليصه من فوضى الفتاوى التي انتشرت، أخيراً، في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
لم يمض يوم واحد حتى اضطر إلى الكلام في الموضوع ذاته، فصحح سوء الفهم الذي تعرض له تصريحه الأول، وبخاصة كلمة تحديث (update) التي استخدمها، فقال إنه لم يقصد بذلك إصلاح الإسلام، فهذا “مما لا نملك أن نتجرأ عليه”، بل عدم الانسياق وراء فتاوى لا تأخذ بالاعتبار الشروط التاريخية المتغيرة لمجتمع المسلمين. وقد فُسِّرَ هذا التراجع بأصداء غير مستحسنة لتصريحه الأول في البيئة المحافظة التي يعوّل الرئيس على أصواتها في الانتخابات.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل اضطر المستشار الرئاسي إبراهيم كالن إلى أن يدلي بدلوه أيضاً لإزالة ما حدث من التباس وبلبلة، فقال إن ثوابت دين الإسلام المتمثلة في النص القرآني والحديث النبوي، لا تحتاج إلى إصلاح، ولا يجوز التفكير بذلك. بل المقصود بالتحديث هو الاجتهاد الفقهي الذي يجب أن يراعي الشروط التاريخية، فلا يضرب صفحاً عن كل التطورات التي تعرضت لها مجتمعات المسلمين.
ينبغي التمييز، في هذا الصدد، بين عبارة التحديث التي استخدمها أردوغان في التصريح المذكور أعلاه، وبين مفهوم أتاتوركي للتحديث (modernisation) تجلى في إجراءات شكلية كتلاوة الآذان باللغة التركية، والدعوة إلى وضع مقاعد في الجوامع، ودخول هذه الأخيرة بالأحذية، على نموذج الكنائس المسيحية. وقد تم التخلي عن الإجراء الأول بعد صعود الحزب الديموقراطي إلى السلطة في الخمسينات، في حين لم يطبق الإجراءان الثاني والثالث أبداً.
هل يتعلق الأمر، إذاً، بزوبعة في فنجان، أم أن له أبعاداً سياسية واجتماعية جعلت من فتاوى تافهة يطلقها رجال دين، بصورة متواترة، على وسائل التواصل الاجتماعي، تشغل الرأي العام بجدية لا تستحقها بذاتها؟
فقد أطلق أحد هؤلاء المفتين فتوى يعتبر، بموجبها، وجود رجل وامرأة في مصعد معاً “خلوة” محرّمة. وطالب آخر بالفصل بين الجنسين في أقسام العناية المشددة في المستشفيات. في حين اعتبر شيخ ثالث طيات اللحاف أو البطانية ونعومتهما من عوامل التهييج الجنسي، فدعا الشباب إلى عدم البقاء في السرير في حال اليقظة، فيما نصحهم رابع باجتناب تناول مواد مهيجة كالقهوة والكاتش آب واللحوم. وقال أستاذ في كلية الشريعة إن من شأن ملامسة الصبي ذراع أمه أو أخته العارية أن تسبب له إثارة وجب تجنبها.
قد يعتبر البعض أن “فتاوى” بهذه التفاهة لا تستحق التوقف عندها. لكن ما حدث أنها لاقت صدى واسعاً في الرأي العام، وقوبلت باستهجان كبير، بخاصة أن بعض أصحاب الفتاوى المذكورين أساتذة في الجامعات التركية مختصون في تعليم الإسلام. طوال أيام وكتّاب الزوايا في الصحف اليومية، وضيوف برامج التوك شو على قنوات التلفزيون، يتحدثون عن تلك الترهات، وعن المغزى الاجتماعي والسياسي لانتشارها.
وهكذا رأى رئيس الجمهورية أنه مطالب بالتدخل لوضع حد لهذه المهزلة التي قد تنذر بتوترات اجتماعية غير مرغوبة، وذلك من موقعه كرئيس لحزب العدالة والتنمية المتحدر من تيار الإسلام السياسي.
وفي أعقاب تصريحات أردوغان المذكورة، أصدر رئيس “الشؤون الدينية” علي أرباش بياناً وافياً حول الموضوع، أعلن فيه تفعيل خط الإفتاء في هذه الهيئة لتقديم الخدمة للمواطنين والرد على استفساراتهم في شؤون دينهم. كما أعلن أن العمل جار لتعيين مساعدة مفتي في كل محافظة، للاهتمام بجمهور النساء وشؤونهن الدينية.
يذكر أن “رئاسة الشؤون الدينية” هذه هي الجهة المخولة في الدولة لتحديد معايير “الإسلام الصحيح”، أنشئت في عهد أتاتورك، ويعتبر رئيسها بمثابة وزير في الحكومة، وتتمتع بموازنة كبيرة تنفق بما يتفق مع رؤية السلطة لشؤون الدين. وقد ازدادت أهمية هذا المنصب في عهد حزب العدالة والتنمية المديد.
في رأي الكاتب الصحفي آيدن أنغين أن ما يدفع أولئك الأشخاص إلى إصدار فتاوى عجيبة تركز اهتمامها، للمصادفة (!)، على ما بين ساقي المرأة، ليس أنهم وجدوا الساحة خالية لهم كما يفسرها البعض، بل العكس تماماً: لأنهم قد وجدوا الساحة محتلة من قبل سلطة تُرَبِّتُ على ظهورهم استحساناً بدلاً من ردعهم.
أما الكاتب الخبير بالجماعات الإسلامية في تركيا روشن تشكر فقد أعاد الأمر إلى انحطاط الإسلام السياسي في تركيا بعد صعوده إلى السلطة. لقد تبين أن الإسلام السياسي التركي المتمثل في تيار “الرؤية القومية”، يقول تشكر، يتمتع بالقوة والفاعلية كتيار معارض، ويبتعد من مثالياته الأيديولوجية ويأخذ في الانحدار إذا صعد إلى السلطة. وقد ضرب مثالاً على هذا الانحدار بحال الأستاذ خير الدين كارامان الذي كان رجل دين محترم يتمتع برأي وازن ونفوذ اجتماعي كبير. ثم حدث أنه أفتى بوجوب تأييد الانتقال إلى النظام الرئاسي، فاختفى عن الأنظار وفقد أهميته ومكانته في قلوب الناس.
والحال أن ما حصل في العقد ونصف العقد الأخيرين في تركيا هو انقلاب اجتماعي كبير، حلت فيه طبقة محافظة متدينة لطالما همشتها علمانية أتاتورك المتشددة، محل الطبقة العلمانية المدللة في النظام القديم. ومن يمتلك السلطة، في الطورين، يمتلك الدولة ويحوِّلها بمقتضى رؤيته الأيديولوجية. وهو ما عملت السلطة عليه بدأب، طوال السنوات السابقة، وحققت نجاحات كبيرة فيه، فباتت الدولة دولتها.
وكان لهذه التحولات انعكاساتها في المجتمع. فبموازاة الفتاوى المذكورة، كثرت حالات استخدام العنف ضد نساء في الأماكن العامة ووسائل النقل، بسبب ملبسهن، في السنوات الأخيرة، وانتشرت ظاهرة السلفية في جماعات ازدادت باضطراد، جرأةً في الظهور. بل إن السلفية الجهادية ذاتها وجدت أرضاً اجتماعية خصبة لتجنيد “مجاهدين” شاركوا في الصراعات الدامية في سوريا والعراق.
أما على المستوى السياسي، فيلاحظ أن الصراع أو التنافس على السلطة انحصر في التيار الإسلامي العريض بتفرعاته. فإذا دار الحديث عن ضرورة التغيير السياسي، كانت البدائل المطروحة إسلامية جميعاً: من جماعة فتح الله غولن التي خسرت معركتها مع السلطة، إلى الرئيس السابق عبد الله غل أو رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو، وصولاً إلى رئيس حزب السعادة تمل قرامولا أوغلو الذي أصبح، في الآونة الأخيرة، يتصدر، بتصريحاته ومواقفه، الموقع المعارض، على رغم هامشية الحزب الذي يقوده. في حين أصبح التيار العلماني الممثل، بصورة رئيسية، في حزب الشعب الجمهوري، تياراً هامشياً صغيراً ذا قاعدة اجتماعية ثابتة، ولا يملك رؤية للتغيير يمكن التعويل عليها.
وهكذا يرتسم المشهد السياسي في تركيا بين تيار إسلامي مسيطر في طور الانحدار، لكنه محروم من البدائل، وتيار علماني هامشي منكفئ على نفسه، ومعارضة كردية ليس في أفقها، بحكم فئويتها، استلام السلطة في دولة مغالية في قوميتها التركية، فضلاً عن ارتباطها بحركة مسلحة فشلت في التكيف مع عصر ما بعد الحرب الباردة.
أما التيار القومي (التركي) المتشدد، فقد خرج من هامشيته من خلال التحالف مع “حزب العدالة والتنمية”، بعدما تبنى هذا الأخير برنامج الأول إلى درجة أن الرئيس أردوغان رفع يده، في أحدث ظهور عام له، بإشارة “الذئب الرمادي” للمرة الأولى، بدلاً من إشارة “رابعة” التي دأب على رفع يده بها منذ مجزرة ميدان رابعة العدوية في القاهرة.
لا بد من التنويه، أخيراً، إلى رأي الكاتب الإسلامي فهمي كورو الذي عبر عن حسرته من إغلاق الرئيس أردوغان، من خلال تصريحه الثاني، باب نقاش مهم يحتاج إليه الإسلام المعاصر بشدة، حول موضوع الإصلاح في الإسلام. [video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الأمر الوحيد الذي بقي أمام من يسعى إلى تخيل “ما بعد لبنان” هو أن يغادر اللبنانيون كلهم هذه المساحة بقوارب صغيرة وكبيرة، وأن ينجو بعضهم ويموت بعضهم الآخر، وهذا ما يحصل عملياً، وفي هذا الوقت سيكون سهلاً على الثنائي الشيعي أن يفوز بوزارة المالية…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني