fbpx

الأردن متخوف من وصول إيران إلى حدوده مع سوريا ومع اسرائيل

الرواية الأردنية التي بات الجميع يسمعها داخل الغرف المغلقة تضع إيران وحزب الله وليس إسرائيل في مقدمّة أعداء الأردن. والآمال شبه مستحيلة الآن في فرص التوصل لتسوية سياسية في سوريا، تستعيد معها الأخيرة الاستقرار والوحدة والسيادة الكاملة، في غياب تفاهمات بضغط روسي حول انتقال سياسي متفق عليه.

يتأهب الأردن الرسمي لمواجهة تحدي انهيار اتفاق خفض التوتر في جنوب سوريا – وقلبه محافظة درعا – بعد أن سيطرت قوات النظام على الجزء الأكبر من الغوطة الشرقية، على وقع تفاقم الأزمة السياسية بين واشنطن وموسكو؛ راعيتي بسط الهدوء في الشريط الحدودي المتاخم للمملكة.
فدحر المقاومة المسلّحة في الغوطة الشرقية سيشجع النظام السوري على التقدم جنوباً من أجل تطهير هذه المنطقة وبسط نفوذه، وربما إعادة فتح معبر نصيب الحدودي. هذا التحرك قد يهدّد الاتفاق الثلاثي لخفض التصعيد، والذي يعد نموذجا للتهدئة في سائر مناطق سوريا. وليس من المستبعد أن يعيد النظام السوري استخدام استراتيجية مشابهة لتقطيع الغوطة الشرقية، من خلال تقسيم درعا إلى جيوب منعزلة ومحاصرة أجزاء منها بهدف تحييد المقاومة المسلّحة تدريجيا.
هذا التحدّي الجديد يراكم وقع الضغوط المتنامية على عمان للانخراط في “صفقة القرن”، التي سيطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب قريباً لفرض تسوية سياسية بين العرب وإسرائيل بغطاء مصري وسعودي.
الفلسطينيون يرون في هذه الصفقة تصفية لقضيتهم بينما يرى فيها الأردن إجحافاً بحقّه وتهديداً وجودياً لأمنه واستقراره.
يقول مسؤول أردني كبير في مقابلة مع موقع “درج”، “همّنا الأول اليوم منع انهيار الاتفاق الذي أدّى لوقف النار وخفض التوتر على الجبهة الشمالية. بخلاف ذلك سنكون في وضع صعب ومقلق للغاية لأن الرايات السوداء التي عملنا على محاربتها منذ سنوات في العراق وسوريا والميليشيات المحلّية المدعومة من إيران قد تحطّ رحالها على حدودنا الشمالية”.
لذلك تعمل المملكة بشتّى الطرق الممكنة لاستمرار تحييد درعا وريفها وسط فقدان بوصلة الصراع. بخلاف ذلك، سيكون لانهيار الاتفاق تداعيات أمنية، استخباراتية وبشرية كارثية على الأردن بعد سبع سنوات على اندلاع الحرب الأهلية في سوريا. قبل تثبيت ذلك الاتفاق الريادي من خلال بوابة أستانا، نجحت عمّان في توظيف علاقاتها مع قوى معارضة وعشائر المنطقة لعقد تفاهمات حول تفعيل هدنة عسكرية حمت الأردن في السنوات الست الأول من الأزمة.
قبل أيام استضاف الأردن اجتماعات ما يعرف بـ “غرفة عمان للمراقبة” (الموك) بمشاركة أطراف محلية سورية بما فيها قيادات في الجيش السوري الحر المدعوم من واشنطن — ووفود إقليمية ودولية. عقد هذا اللقاء بناء على طلب الولايات المتحدة لمناقشة التحدّيات التي قد تنجم عن عملية النظام العسكرية على الغوطة الشرقية منذ اسابيع دون ان تلتفت دمشق لقرار مجلس الأمن الدولي بفرض هدنة.
وبحسب مصادر رسمية أردنية، تعمل عمّان على ترتيب اجتماع ثلاثي آخر على المستوى السياسي مع أميركا وروسيا للحفاظ على التواصل بين قطبي إدارة الصراع في سوريا، بالتنسيق مع المملكة التي ستكون أول المتأثرين من انهيار اتفاق خفض التوتر.
وقف العمل بالهدنة يحمل مخاطر عديدة، بما فيها موجة لجوء جديدة من درعا باتجاه المملكة، وانتقال المواجهات المسلّحة إلى جوار الأراضي الأردنية في حال حوصرت المعارضة السورية هناك، وصولا إلى تفكيك الجبهة الجنوبية والجيش السوري الحر. في غمرة هذه المآلات، ستفتح الأبواب أمام انتقال عناصر وربما تنظيمات إلى تأييد القاعدة أو خلايا داعشية، في غياب تدخلات إقليمية لإنقاذهم، بحسب الكاتب السياسي محمد أبو رمان، الذي قال لـ”درج” “في حال نجح النظام في استعادة درعا، فإن المليشيات المؤيدة لإيران ذات الطابع الطائفي ستنتشر على حدود الأردن الشمالية، وهي عمليا ممسكة بجزء من الحدود الشرقية للبلاد”، في إشارة إلى خضوع العراق لإملاءات إيران.
بعد زيارة الرئيس السوري بشار الأسد لجبهة الغوطة الشرقية يوم الإثنين ماذا سيمنع قواته وخلفها فيلق القدس وميليشيات حزب الله الموالية لطهران- من التقدم صوب الجنوب السوري الملاصق للأردن لاستعادة المنطقة من المعارضة السورية؟ استغلال التحول في ميزان القوى الحالي، قد يحيل الجنوب السوري لساحة صراع قادم بين واشنطن وإسرائيل من جهة وروسيا وربما إيران من جهة أخرى؟
بالتأكيد لا شيء سيمنع ذلك لأن حسابات روسيا وأميركا الصراعية اليوم باتت أكبر من حسابات الطرفين تجاه الأردن.
وصول النظام والميليشيات المناوئة إلى تخوم الأردن في درعا وريفها سيفتح كوّة رئيسة في جدار الترتيبات الأمنية، التي حمت البلاد، وبالتالي يشكّل ذلك أكبر تحد للأردن وإسرائيل منذ 2011.
اقتراب هذه الجبهة قد يستفز رئيس الوزراء الإسرائيلي المحاصر داخلياً. ولا يستبعد أن تشن غارات جديدة لضرب معسكرات سورية وايرانية، رغم إسقاط إحدى طائراتها الحربية في الهجوم الأخير على قواعد ومعسكرات سورية.
سمح الاتفاق الثلاثي حتى الآن بحماية الأردن من خطر داهم لمدة عام، مدعوماً بسوار حدودي الكتروني دفعت ثمنه واشنطن وتعزيزات عسكرية سمحت للأردن مسح المنطقة في محيط درعا وريفها بعمق 100 كيلومتر. ومن زاوية الركبان في أقصى الشمال الشرقي بالقرب من الحدود مع سوريا والعراق، تعمل المملكة على توسيع المنطقة العازلة بعمق 100 كيلومتر بدلاً من 65 كيلومتراً حالياً. المنطقة الصحراوية هذه تضم مخيم الركبان، حيث تنشط خلايا داعش. فمن داخله انطلقت أكثر من محاولة لشن هجمات إرهابية ضد الأردن خلال العامين الماضيين. ويعتمد الأردن على حلفائه الأميركيين في منطقة التنف العسكرية القريبة من المثلث الحدودي السوري-العراقي-الأردني، ما شكّل وسادة راحة ثالثة لحماية حدود المملكة الطويلة من خطر التنظيمات الإرهابية. أميركا عادت لتؤسس لوجود طويل الأمد في المناطق الشمالية الشرقية للبلاد. وخصّص البنتاغون أكثر من مليار دولار في موازنة العام المقبل لتسليح قوات من المعارضة السورية وتدريبها، وتأسيس ميليشيات حرس حدود مع العراق.
تركيا سترسم منطقة عازلة في العمق السوري، بعد أن اجتاحت عفرين.
تطورات الغوطة الأخيرة قد تشكّل ضربة لمملكة فقدت عمقها الاستراتيجي؛ في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين وفي سوريا منذ اندلاع الحرب الأهلية، ما سمح لإيران ببسط نفوذها في المنطقة على صهوة العراق وسوريا.
انهيار الاتفاق الثلاثي، سيفتح الطريق أمام تدفق سيل من التنظيمات الإرهابية المسلحة مثل جيش خالد بن الوليد – أحد مبايعي تنظيم داعش الإرهابي- المدجّج بأسلحة ثقيلة، وكذلك تنظيمات متطرّفة أخرى توالي جبهة النصرة. معطوفا على ذلك، ثمّة خطر من أن يعيد مسلحي داعش – الذين هزموا في العراق- ترتيب صفوفهم في بطن الصحراء على جانبي الأراضي السورية والعراقية.
الرواية الأردنية التي بات الجميع يسمعها داخل الغرف المغلقة تضع إيران وحزب الله وليس إسرائيل في مقدمّة أعداء الأردن. والآمال شبه مستحيلة الآن في فرص التوصل لتسوية سياسية في سوريا، تستعيد معها الأخيرة الاستقرار والوحدة والسيادة الكاملة، في غياب تفاهمات بضغط روسي حول انتقال سياسي متفق عليه.
الحسم العسكري أيضاً غير ممكن، بحسب التقديرات الاستراتيجية الأردنية. وستستمر مقاربة الأردن الرسمي قائمة على استمرار التهدئة في الجنوب السوري مع أمل ضئيل في انخراط عمان ضمن استراتيجية “الحياد الإيجابي” لمنفعة الشعب السوري منذ 2011.

[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني