fbpx

السيسي والشريرة أبلة فاهيتا

الضيق بالسخرية في المجال العام بات واضحاً وعلنياً وإن تذرعت السلطات بأن لا يد لها فيما يحصل، والأكيد هو أن البرامج الساخرة خاضت خلال السنوات السبع الماضية جولات مواجهة اجتماعية وسياسية عديدة، بدءاً من تجربة باسم يوسف وصولاًَ الى ابلة فاهيتا. فمن يخشى النكتة في مصر؟

ليس واضحاً بعد ما هو مصير برنامج “الدوبلكس” وشخصيته الشهيرة أبلة فاهيتا، ولا برنامج SNL بالعربي أو برنامج “البلاتوه”، فاللغط بشأن الأسباب الحقيقية خلف وقف تلك البرامج لم يعلن بشكل واضح بعد، لكن المرجعيات الاعلامية الرسمية تقول إنه لا منع ولا حجب لكن مجرد دعوات لوقف الجرأة الظاهرة بذريعة أنها “تخدش الحياء”.
الجليّ هو أن الضيق بالسخرية في المجال العام بات واضحاً وعلنياً وإن تذرعت السلطات بأن لا يد لها فيما يحصل. لكن الأكيد هو أن البرامج الساخرة خاضت خلال السنوات السبع الماضية جولات مواجهة اجتماعية وسياسية عديدة، بدءاً من تجربة باسم يوسف وصولاًَ الى ابلة فاهيتا. فمن يخشى النكتة في مصر؟
الإخوان المسلمون وعقدة باسم يوسف
يحمل مناصرو جماعة الإخوان المسلمين الكثير من الضغينة ضد الإعلامي الساخر باسم يوسف، فهم يميلون الى تحميله مسؤولية تفشي ظاهرة الاستهزاء بالرئيس محمد مرسي حين تولى منصب الرئاسة المصرية.
وبصرف النظر عن المقاربة “المؤامراتية” في تفسير جماعة الإخوان للسخرية، التي ميّزت برنامج “البرنامج”، خصوصا من شخصيات الجماعة، إلا أن النكتة اللاذعة التي برع فيها الإعلامي المصري، ساهمت في هزّ صورة رئاسة مرسي الهشة، والتي انهارت سريعاً بفعل الانقلاب العسكري الذي نفذه المشير عبد الفتاح السياسي، والذي بات رئيس مصر ويستعد اليوم لولاية جديدة.
وُصف عهد الإخوان المسلمين في مصر بالعهد الذهبي للنكتة وبرامج السخرية السياسية، والتي تربع على عرشها باسم يوسف، لكن الأمر أخذ منحىً دراماتيكاً بعد وصول السيسي الى الحكم، والذي بدا جلياً أن حساسيته تجاه النقد عالية جداً، فبدأ سقف الحريات بالانخفاض.
افتُتح عهد السيسي بمهزلة الكفتة التي تعالج مرض الايدز والذي اعتُبر من “الانجازات” الأولى للرئيس الجديد. سخر باسم يوسف من العلاج المزعوم الذي نُسبَ فضله الى الجيش المصري، المؤسسة التي تدرج السيسي في صفوفها. وما أن بدأ باسم يوسف يصعّد من وتيرة نكاته ضدّ السيسي، حتى اتُخذَ القرارُ بالقضاء على برنامجه وبدأت حملة تخوينه، وسريعاً ما أوقف برنامج يوسف الذي أجبر على مغادرة مصر من دون عودة.
بعد طيّ صفحة البرنامج الأنجح عربياً، ظهر أن ساحة الفن الساخر قد ضاقت. حاول كثيرون في مصر والدول العربية استنساخ نموذج باسم يوسف من ضمن السقوف المتاحة، لكنها تجارب اثمرت في معظمها فشلاً ذريعاً، خصوصا مع انحدار متصدري تلك البرامج نحو النكات المبتذلة والعنصرية أو نحو الاستتباع السياسي الصريح والفجّ.
لقد برع باسم يوسف في اللعب على المفارقات، وإظهار التناقضات على نحو ذكي وغير مبتذل، وهذه كفاءة لم تتوفر لغيره من محاولي استنساخ تجربته، لكن الأمر لا يقتصر على توفر الكفاءة إنما على مهنية التزمها يوسف الى أن ضاق صدر السلطة بما يقدّمه..
ساد فراغ مدوي ساحة برامج النقد السياسي الذي لم يكن متاحاً أصلاً قبل ربيع العام ٢٠١١. وفي موازاة هذا الفراغ، استُهدفَ الرئيس السيسي بسخرية لم ينلها أحد قبله، ولكنها سخرية بدت ساحتها الوحيدة المجالس الخاصة والصالونات، وطبعاً صفحات السوشيال ميديا، لكن ليس عبر برامج التلفزيون كما كان الحال في عهد مرسي. انحسرت السخرية من الرئيس الجديد في وسائل الإعلام التي تمولها قطر، لكنها بدت سخرية ذات أجندة انتقامية لصالح الإخوان وليس لتقديم مبدأ النقد والمسائلة.
عهد السيسي والنكتة
بدا عهد السيسي بالنسبة لمحبي الدعابة بمثابة هدية ثمينة، فكلما تفوه الرئيس بتصريح أو بخطاب يثير الابتسام والغمز الساخر حيال الآراء العبثية التي يطلقها. فهو غالباً ما يبدأ فكرة لكنه سريعاً ما ينتقل الى غيرها دون أن يفهم المتابعون ماذا يريد القول. امتلأت صفحات يوتيوب بفيديوهات تهزأ من تعليقات وتصريحات السيسي لكن فقط عبر السوشيال ميديا وليس عبر الإعلام التقليدي المصري.
كان جلياً ومنذ البداية أن مفهوم السيسي عن الحكم هو السلطة المطلقة، والتحكم بكل شيئ بدءاً من الاعلام وحتى التعيينات وصولا للأمن والقضاء. وهو قالها صراحة، ” ربنا خلقني طبيب أوصف الحالة وعارف الحقيقة”، فالرئيس يقرر نيابةً عن الشعب، فهو يعرف مصلحتهم أكثر منهم.
أصيب المشهد السياسي بخواء، وجسّد السيسي رمز الثورة المضادة لثورة ٢٥ يناير، رافعاً شعار مكافحة الإرهاب، وفي سبيل هذه المهمة لن يوقفه عن هدفه لا حرّيات ولا حقوق ليس أوانها الآن وحتماً لن يتساهل مع الدعابة. وعندما طلب من شعبه ألا يشكو وأن يحمدالله أن “مصر ليست مثل العراق وسوريا” بما فعلته فيهما الحرب، تحوّلت ملاحظته إلى شعار يحكم كل شيئ في مصر، التي باتت على صورة رئيسها، فهو في كل مكان ولقطته الشهيرة التي يظهر فيها يحدق بعيداً من خلف نظارة سوداء انتشرت في المكاتب والمتاجر والبيوت وفي المصاعد.
شحّت النكات على شاشات الإعلام التقليدي إلا من معارضي السيسي ومن الإخوان المسلمين الذين باتوا الشيطان وأساس كل مشكلة أو عقدة. شددّ العهد قبضته على السلطة مضيقاَ الخناق على كل المنتقدين من إعلاميين وكتاب وناشطين ومعارضين وفنانين، وبات المعارضون صنفان لا ثالث لهما:”خونة” و “اخوان”.
وسط هذا الجو القاتم وبعد تعثر البرامج الساخرة بعد رحيل باسم يوسف عن مصر، وجد جيل جديد طريقه نحو الدعابة السياسية والاجتماعية الذكية. فمن “البلاتوه” للشاب البارع في الدعابة النقدية اجتماعيا ًاحمد امين، الى اسكتشات البرنامج المُعرّب “ساترداي نايت بالعربي” أو SNL، وصولا الى من باتت أبرز شخصيات السخرية في السنوات الأخيرة أبلة فاهيتا، عادت السخرية لتأخذ مساراً أكثر احترافاً وذكاءاً وجرأة وإن بشكل موارب.
في العام ٢٠١٦ برزت نجومية الدمية فاهيتا،الأرملة المذيعة الذكية والجميلة والجريئة التي لا تتردد عن إعطاء أي ملاحظة مهما كانت لاذعة أو متجاوزة للتقاليد، فبدت دمية إعلامية تجاوزت في حرفيتها وظرفها جيلاً كاملاًَ من الاعلاميين والاعلاميات في مصر. كانت الشخصية المحركة للدمية فاهيتا واحدة من أسرار نجاحها. حرص الشاب الذي كتب وحرّك فاهيتا على البقاء بعيدا ًعن الاعلام وكان هذا ايضا ً واحداً من اسباب نجاح الشخصية وربما من أسباب حماية مخترعها، مؤقتاً طبعاً.
ومنذ ظهور أبلة فاهيتا، احتار كارهو الدعابة في كيفية شنّ الحملات ضدها، فهي اتُهمت في أول ظهور لها في إعلان تلفزيوني بالوقوف خلف مخطط إرهابي. ثم ظهرت مرة وحيدة في برنامج باسم يوسف قبل حجبه، لتتبلور شهرتها اخيراً عبر برنامج “الدوبلكس” الذي كان يبث من نفس مكان برنامج “البرنامج”، وبمشاركة بعض فريق عمله، بحيث اعتبرت أبلة فاهيتا الوريث الشرعي للدعابة بعد باسم يوسف.
لم تتخصص شخصية أبلة فاهيتا بالسخرية السياسية كما كان باسم يوسف، لكنها أثارت الكثير من الاهتمام لتناولها مظاهر هي في صلب السياسة والشأن العام، كأن تعرض حال هرب التلامذة من صفوفهم المدرسية أو ركاكة خطابات النواب في طرح قضايا البلد او انتشار الفساد بين موظفي الدولة أو نفاق الاعلاميين والاعلاميات الموالين للسلطة.
ذاعت شهرة فاهيتا لتصبح شخصية يتلهف على متابعة حلقاتها الملايين على امتداد العالم العربي، وأثارت هذه الدمية بظرفها وذكاء عباراتها حساسيات متبلدي الذهن والعقل، فشُنّت حملات ضروس ضدها. ناقش البرلمان المصري امكان منعها وحمل عليها مقدمون مشهورون وفنانون وبدأ الضغط على القناة التي تعرض برنامج “الدوبلكس”.
السقف يهوي على رأس فاهيتا
في احدى الحلقات قالتها فاهيتا صراحة إن سقف الحريات تدنى، لنشاهد سقفاً من الجفصين ينزل فوق رأسها. لكن يبدو أن الابتعاد عن السياسة ليس كافياً من وجهة نظر السلطة الحالية في مصر. أنحت فاهيتا السياسة جانباً وإن تلميحاً، وركزت على الدعابة الجريئة والتعابير التي لم يألفها المقدمون التقليديون باتت سمتها. إنها المذيعة التي تحب الجمال ولا تخجل من ابداء اعجابها بالرجال ومن طرح قضايا حساسة كالجنس والعلاقات العاطفية في قالب ساخر بارع وبعيد عن السوقية..
في موازاة صعود البرامج الساخرة كابلة فاهيتا والبلاتوه وSNL كان الآلاف من معارضي السلطة يدخلون السجن، أو تقفل مواقعهم او يمنعون من السفر، كما جرى بحث قوانين تمنع الاحتجاجات واصبح النظام لا يرى شيئا مضحكاً في السخرية. وبات من يعادي الرئيس يعادي الوطن والنكتة ليست سوى خيانة.
هذه المرة ومن باب الأخلاق، شنّت السلطة هجومها المضاد على فاهيتا بذريعة “خدش الحياء العام”.
اوقف برنامج الابلة، بل وسحبت حلقات البرنامج من يوتيوب، فبدا أن هناك من يريد القضاء على ذكرها وليس فقط وقفها. كذلك تم وقف البرامج الساخرة الاخرى. لكن طبعا مذيعي ومذيعات السلطة بقوا هم وجوه الشاشات، ومنهم من لم يسلم حتى في ولائه، كحال المذيع المقرب من السلطة خيري رمضان الذي أوقف ليومين بتهمة استضافته سيدة في برنامجه شكت من ضعف معنويات زوجها الضابط في الجيش.
اليوم، تنكر السلطة أنها خلف وقف البرامج الساخرة لكن الجميع يشعر كم باتت الفكاهة مطاردة. والقلق من الدعابة ليس توجساً من الهزء بالسياسة الركيكة فحسب، بل هو توجّسٌْ من فكرة تحطيم صورة السلطة، أي سلطة، وليس السياسية المباشرة فقط.
حجب أبلة فاهيتا والهجوم عليها وعلى البرامج الساخرة ليس أمراً اعتباطياً. لقد دخلت الدعابة خلال السنوات السبع الأخيرة في سياق الاحتجاجات بصفتها تحدياً للقمع والحظر والرقابة، وهي بهذا تضع المستبدين في مأزق. صحيح أن السخرية السياسية لا يمكنها إحداث تغيير سياسي، لكنها في الوقت ذاته تمارس تأثيرا نفسيا بالغ الأهمية بحيث تحول الاستبداد الى مهزلة، ولهذا السبب يتم معاقبة الساخرين بصرامة.
الدعابة تكسر الخوف وتميط اللثام عن الهيبة المفتعلة وتقدم لنا الأشخاص منزوعة عنهم هالات التمجيد والتفخيم، بل نراهم على حقيقتهم، وهنا كم تبدو الشـخصيات الضئيلة مثيرة للشفقة حين تخاف من “دمية”.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
حزب الله سيواصل ادعاءه بأنه بريء من هذه السلطة، وهذا لن يفيد، ذاك أنه أقدم على نحو سافر ومن دون أي قناع على قتل المبادرة الفرنسية أمام أنظار كل اللبنانيين.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني