fbpx

لهذه الأسباب قررت أن أقترع

كنتُ لا أزال على قراري بمقاطعة الانتخابات، لأنني لا أريد أن أساهم بإعادة انتخاب من خذلوني. ثمّ تحدث جبران باسيل. عندها تغيّر كل شيء.

كنتُ قررت أن لا أقترع.
كان قراراً بديهياً أكثر منه مبدئياً، توصلت إليه قبل أن أكلف نفسي عناء محاولة فهم تعقيدات القانون الجديد للانتخابات النيابية اللبنانية المزمع إجراؤها في السادس من أيار (مايو) المقبل. اكتفيت بما قاله الخبراء عن أن القانون سيعيد إنتاج الطبقة السياسية ذاتها، التي توافقت عليه بعد تعطيل الحياة السياسة وتأجيل عملية الاقتراع أكثر من خمس سنوات، لخدمة مصالح أقل من ضيقة: صفقة مصارف من هنا، وملف نفط من هناك… ونحن غارقون في قذارتنا، حرفياً.
حوادث عدة متفرقة كلها غير ذات أهمية صادفتني خلال الأيام الماضية أعادت موضوع الانتخابات إلى دائرة اهتماماتي…
بداية حصلت بعض الترشيحات التي رأيتُ فيها ما قد يعول عليه. وجدتُ مثلاً في حركة رنا شميطلي في الشارع، على عفويتها، ما هو عملي وملهم. كما وجدت في مشروع “لائحة كلنا بيروت”، لا سيما في ما يتعلق بموضوع سلاح “حزب الله”، واقعية ووضوحاً لم نعتد عليهما، فضلاً عن مناصفة في الترشيحات بين النساء والرجال…
حصل أيضاً حديث عابر مع صديقتنا ميّا الزائرة من باريس. أخبرتنا ميّا أنها سجلت اسمها في السفارة على رغم قرارها بعدم الاقتراع، لأنها لا تريد ألا تكون لديها حرية التصويت في حال حصول “معجزة ما، في اللحظة الأخيرة”.
أما نحن، فأخبرناها كمّاً من النكات المتعلقة بالانتخابات، تبدأ بشعارات “لبنان القوي” وخرزته الزرقاء، ولا تنتهي مع حملة وزارة الداخلية الإعلانية الساعية إلى تبسيط القانون الانتخابي، الذي يبدو أن أحد مقوماته الأساسية أن يبقى ملغوماً، وأن تبقى تفاصيله غير مفهومة لنسبة كبيرة من اللبنانيين، بمن فيهم عدد لا يستهان به من المرشحين.
كنتُ لا أزال على قراري بمقاطعة الانتخابات، لأنني لا أريد أن أساهم بإعادة انتخاب من خذلوني.
ثمّ تحدث جبران باسيل. عندها تغيّر كل شيء.
من خلال سعيه إلى اصطياد كل أنواع العصافير عبر تصريحات يرى في تصنيفها عنصرية، من قبل من لا يملكون أي وزن انتخابي أو حتى معنوي بنظره، ثمناً بخساً، مقابل ما تجنيه من تدعيم لصورته “كمنقذ” قوي لحقوق المسيحيين على مستوى قاعدته الانتخابية- التي أسقطته في الانتخابات السابقة- لفت باسيل نظري ليس فقط إلى أهمية الصوت النسائي، ولكن أيضاً إلى إمكان تفوقه.
كل ما أراده باسيل من خلال حديثه عن قانون الجنسية للمرأة، هو أن يدغدغ مشاعر “الخائفين” من تزايد أعداد المسلمين من جهة، ومن جهة أخرى تميز النساء المتزوجات من أجانب “لا ينتمون إلى دول الجوار”، أي بمعنى آخر المسيحيات، وربما بعض المسلمات “الكلاس”.
باسيل يعرف جيداً أنه حتى في لبنان، بلد العجائب السياسية، هناك استحالة أن يمر مثل هكذا قانون.
هو يعرف ذلك، لأن جيلبرت زوين، النائب في كتلته حالياً والمنافسة لها في الانتخابات المقبلة، سبقته عملياً إلى طرح مشروع قانون ،كثر فجاجة، يسمي ويستثني المتزوجات من سوريين وفلسطينيين “مرحلياً” (التصريح موجود على صفحة زوين الخاصة على فايسبوك).
كلام باسيل ذكرني بمقابلة كنت قد شاهدتها أخيراً مع زوين، تحدثت فيه عن أسفها لتخلي التيار عنها في الانتخابات المقبلة.
للأمانة كانت هذه المرة الأولى التي أسمع فيها صوتها.
بالنسبة إلي وجودها داخل المجلس النيابي منذ عام ٢٠٠٥ مرتبط بالتوريث بشقيه السياسي والمالي، فهي ابنة بيت سياسي وصاحبة ثروة، جعلتها مرشحة ممتازة لمنصب “تكملة العدد” على لوائح “التيار الوطني الحر”.
زوين التي أعطت صوتها السياسي لكتلتها على مدى خدمتها كنائب، لم تحصل على دعم هذه الكتلة لتمرير قوانين تعطي المرأة ما يندرج تحت خانة حقوق الإنسان البديهية.
نجاحها بقي محدوداً بتمرير تشريعات تعطي المرأة المتزوجة بعض الحقوق من دون أن يوثر ذلك في الرجل- إلا إيجاباً- مثل تعديل عطلة الأمومة من 40 إلى 70 يوماً، والسماح للمرأة بأن تسجل أولادها وزوجها في “الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي”.
وضع زوين لا يختلف عن وضع أي من السيدات الأخريات اللواتي وصلن إلى الندوة البرلمانية، وكن جميعهن من الوريثات، من أولهن ميرنا البستاني التي أنهت ولاية والدها بعد مقتله في حادث طائرة عام 1963، إلى نايلة تويني التي قررت أخيراً التنازل لأختها الأصغر حتى تجرّب حظها.
خلافاً لما هو سائد، فَشَل هؤلاء النساء بإحراز إنجازات تذكر، ليس سببه دائماً التقاعس عن المحاولة. قبيل كتابة هذه السطور عدت إلى تحقيق عن مشاركة المرأة في الحياة السياسية، نشر عام ٢٠٠٣ أجريت من خلاله مقابلة مع نايلة معوض التي كانت في حينه نائباً ووزيرةً للشؤون الاجتماعية.
لم يتغير الكثير مما يتعلق بدور المرأة وفاعليتها داخل الندوة البرلمانية منذ ذلك الوقت. لكن هناك ما تغير.
في سياق الحديث عن قناعتها بضرورة مشاركة النساء في الحياة السياسية، أخبرتني معوض عن مشروع أطلقته وزارتها وتخللته زيارات قامت بها إلى مئات المدن والقرى لتشجيع النساء على الترشح. النتيجة في انتخابات 1998 البلدية جاءت 10000 مرشح مقابل 500 امرأة، سحبت أكثر من ربعهن ترشيحهن قبل يوم الانتخابات.
اليوم هناك 111 مرشحة (أي حوالى 11 في المئة من عدد المرشحين) مقارنة مع 15 ترشيحاً في آخر انتخابات (2 في المئة).
القسم الأكبر من المرشحات من أصحاب الكفاءات العالية. القسم الأكبر منهن لا نعرفهن، ولكنهن تعرفن المجتمع اللبناني ومشكلاته جيداً. هذا ما لاحظته من خلال متابعة سريعة لعشرات الفيديوات التعريفية بهن التي نشرت على صفحة Women In The Front. هؤلاء السيدات بغالبيتهنّ، باختلاف أعمارهن وخلفياتهن السياسية والاجتماعية والاقتصادية يملكن تجربة العمل في الشأن العام، من خلال جمعيات المجتمع المدني، وعددٌ كبيرٌ منهنّ قرّرن خوض معركة الانتخابات لأنهن بتن مقتنعات بأن كل العمل لن يؤدي إلى نتائج ملموسة، إن لم يكن هناك دعم على المستوى التشريعي.
للمرة الأولى ارى أن عبارة “المجتمع المدني” لا تعود إلى كائن هلامي يظهر في مواسم الانتخابات، إنما كفاءات، قادرة على رغم قلة خبرتها السياسية، على إحداث تغيير مهم على المستوى التشريعي.
عدت في ذاكرتي إلى عشرات الجلسات التشريعية التي قمت بتغطيتها على مدى سنوات، ورحت أتخيل ما الذي يمكن أن يحدث لو كان في المجلس كتلة نسائية فاعلة.
تخيلت مثلاً جلسة التصويت على قانون العنف الأسري الذي وصل إلى البرلمان بعد سبع سنوات من الجهد، وبعد إدخال كم من التعديلات قوضته وحدّت من فاعليته إلى حد بعيد.
أكيد أن لا شيء سيتغير إذا كانت زويا روحانا (مؤسسة جمعية كفى التي ساهمت بوضع القانون والمرشحة حالياً) داخل المجلس. لن يختلف الأمر كثيراً أيضاً إذا أضفنا إلى روحانا، زوين، و ستريدا جعجع، ونايلة تويني وبهية الحريري، أي النواب النساء الحاليات.
ولكن إذا أضفنا إلى كل هؤلاء 10 أو 15 امرأة أخرى، عندها قد تبدأ مفاوضات حقيقية، قد لا تلغي التعديلات التي أدخلت إليه، ولكن على الأقل تفرض البحث فيها بجدية ومن دون استهزاء أو عودة عن الوعود المقطوعة.
في السياسة لا توجد هدايا مجانية، وداخل البرلمان كما في كل مكان آخر، القوة أفضل من الرجاء. حتى لو أراد النواب تمرير قوانين يعرفون أنها محقة، هم يتقاعسون عن ذلك لمعرفتهم أن مثل هذه القوانين ليست شعبية، فضلاً عن كونها مرفوضة من قبل السلطات الدينية على مروحتها. المستفيدات لا يملكن كتلة داخل المجلس، وخارجه لا يزال اللوبي النسائي إلى حد بعيد غير فاعل انتخابياً. لا مصلحة إذاً لا تصويت ولا قوانين.
جبران باسيل، يعد النساء بما قد سبقته إليه زوين، ولا يجد حرجاً بأن يصادر منها ملف عملت هي عليه، بعد أن أخرجها من لائحة مرشحي التيار.
لماذا يفعل ذلك؟ لأنه يستطيع. قد يكون في الموقف قلة نزاهة ولكن في السياسة هي مجرد عملية حسابية أكثر من منطقية: منصور البون، يقدم أموالاً أكثر ويؤمن عدداً أكبر من الأصوات. تخلى باسيل عن المرشحة ولكنه مع ذلك يريد ضمان صوت النساء، اللواتي يشكلن أكثر من نصف المسجلين على لوائح الشطب.
جيلبرت زوين التي لا يستطيع باسيل، على رغم محاولاته الفاقعة، أن ينافسها لجهة “مسيحيتها”، لا تملك أن تنافسه على مستوى “نسويتها” ولا يمكن لها أن تقول إنها قادرة على ضمان التصويت النسائي.
المعادلة كانت من دون شك تغيرت لو كان باستطاعتها أن تقول ذلك. بمعنى آخر، لو أنها كانت عضواً في كتلة نيابية نسائية فاعلة، تستطيع أن تقدم وعوداً قابلة للتنفيذ للناخبات، إلى جانب كونها عضواً في كتلتها السياسية.
اليوم، هناك ١١١ مرشحة قررن أن يخضن المعركة. أغلب الأحزاب السياسية الكبرى لم تفتح مجالاً على لوائحها لمنافسة حقيقية لمصلحة المرشحات، ما يعني أنه مع بعض الاستثناءات، فرص النجاح بالنسبة إلى النساء ستكون لمصلحة المرشحات على اللوائح غير الأساسية. قد يكون في ذلك مكان لخرق ما. القانون الحالي على سيئاته الكبيرة والكثيرة، يفتح أمام النساء الملتزمات بالأحزاب التقليدية نافذة أن ينتخبن فريقهن السياسي مع إعطاء الصوت التفضيلي لامرأة. أما من هن غير راضيات عن كل الطبقة السياسية، فبإمكانهن التصويت للوائح الثانوية، مع الالتزام بإعطاء الصوت التفضيلي لامرأة. أية امرأة. في هذه المرحلة هي قضية أرقام. هذا مؤسف ولكنها الحقيقة. المطلوب ببساطة إيصال أكبر عدد من المرشحات.
قد لا يصل العدد المطلوب لإحداث التغيير المرجو في هذه الدورة، ولكن على الأقل يكون في ذلك إنجاز يبنى عليه في الانتخابات المقبلة…
الفرصة ضئيلة ولكنها ليست غير ممكنة.
بما أنني مستقلة عن أي حزب سياسي، وبما أنه وفق القانون الغريب العجيب، علي أن أنتخب لائحة مغلقة، مع الحق بأن اعطي صوتي التفضيلي لمرشحي المفضل، فأنا سأنتخب اللائحة التي ترشح المرأة التي تمثلني بالطريقة الأفضل.
وأنت يا صديقتي ميا، تعرّفي إلى المرشحات في دائرتك واختاري منهن من تقنعك، وانتخبيها وامنحيها صوتك التفضيلي. من يعرف، إحراز انتصار صغير، قد لا يحتاج إلى معجزة.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
وصفت بأنها أسوء أزمة حقوقية منذ عقود في مصر، وكأن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يريد ان يدخل التاريخ، لكنه لا يجد إلا الباب المفضي إلى الظلامية والقمع للدخول منه.
Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

Play Video
يواجه لبنان محاولات تضييق مستمرة على حرية التعبير وحرية الاعلام وآخر مظاهر هذا التضييق رفض لبنان التوقيع على بيان يلتزم بحرية التعبير وحقوق مجتمع الميم. هنا فيديو لـ”تحالف الدفاع عن حرية التعبير في لبنان” والذي يضم 15 مؤسسة وجمعية حقوقية واعلامية رداً على حملات التضييق المتكررة.

2:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني