fbpx

سري كانيه بالأمس وعفرين اليوم : ماذا بقي من الثورة

برزت مؤخراً مشاهد دخول كتائب باسم الجيش السوري الحر، إلى مركز مدينة عفرين، وبثهم صوراً وفيديوهات حملت فيما حملت مشاهد سرقات وانتهاكات عديدة، بدءاً من تحطيم تمثال "كاوا الحداد" الذي يعتبر رمز انعتاق العبودية، بحسب الرواية الكردية، وصولا الى مشاهد السطو العديدة. قبل تلك الصور، تعود الذاكرة بنا إلى أكثر من خمس سنوات، عندما اقتحمت عام 2012، نحو 48 كتيبة باسم الجيش الحر، يقودهم غرباء الشام بدعم تركي، مدينة سري كانيه/ رأس العين الواقعة شمال شرقي سوريا على الحدود السورية- التركية، رافعين راية الثورة السورية وشعارات دينية. حصل حينها ما يشبه مشهد عفرين الأخير.

برزت مؤخراً مشاهد دخول كتائب باسم الجيش السوري الحر، إلى مركز مدينة عفرين، وبثهم صوراً وفيديوهات حملت فيما حملت مشاهد سرقات وانتهاكات عديدة، بدءاً من تحطيم تمثال “كاوا الحداد” الذي يعتبر رمز انعتاق العبودية، بحسب الرواية الكردية، وصولا الى مشاهد السطو العديدة. قبل تلك الصور، تعود الذاكرة بنا إلى أكثر من خمس سنوات، عندما اقتحمت عام 2012، نحو 48 كتيبة باسم الجيش الحر، يقودهم غرباء الشام بدعم تركي، مدينة سري كانيه/ رأس العين الواقعة شمال شرقي سوريا على الحدود السورية- التركية، رافعين راية الثورة السورية وشعارات دينية. حصل حينها ما يشبه مشهد عفرين اليوم، مع اختلاف نتائج الاعتداء.
كان مشهد دخول الفصائل عبر معابر تركية إلى سري كانيه، يوحي باستعدادات مسبقة من قبل الداعم عبر تجهيز مخيمات وحمولات أسلحة للعبور، ليست بهدف تحرير المدينة (فلم يكن في المدينة سوى مفرزتين للأمن السوري)، بل لسيطرة تركية على مناطق الكرد، واستخدام قوة سورية عسكرية في الواجهة. فكيف لفصائل من ريفي حلب وإدلب والرقة وغيرها، أن تترك مدنها وتنتقل إلى تحرير مناطق أخرى (عندما دخلت تلك الفصائل المدينة قالت إنها ستحرر المدينة من “الملاحدة والكفار”)! وكيف لتحرير أن يتحول إلى مسلسل نهب وسلب وسرقة للمنازل والمحال. إذ يقول أحد سكان حي المحطة في سري كانيه/ رأس العين: “سرقوا أسطوانات الغاز، وبراميل المازوت من المنازل، تخيل سرقوا خلاط ماء من منزل بُني حديثاً”.
القوى العسكرية التي اقتحمت سري كانيه، جعلت المدينة هدفاً مشروعاً للنظام السوري، الذي استهدف المدينة بالطائرات عقب فترة الاقتحام ما أسفر عن وقوع ضحايا مدنيين من حيي “المحطة والحوارنة”.
كنتُ آنذاك في دورة تدريبية صحافية في القاهرة، وكان وقع الخبر على صحافي يخرج من مدينته لأيام فتتحول لساحة صراع ويتشرد أهلها، صعب تماماً، لكن لم يكن أمامي سوى خيار مساعدة الناشطين والصحافيين في الداخل للعمل على نقل الحدث للعالم.
بعد انتهاء الدورة عدتُ وكان قد مر نحو 10 أيام على اقتحام المدينة، حيث عائلتي وأهلي وأقربائي وأبناء المدينة قد نزحوا إلى تركيا بسبب الأوضاع. بعد الاطمئنان عليهم توجهت إلى الحدود التركية- السورية من دون أن أخبر أحداً، بحكم أن معارك بين الجيش الحر ولجان الحماية الشعبية الكردية قد بدأت في المدينة. عند وصولي إلى بوابة “معبر جيلان بينار” الذي يسيطر عليه الجيش السوري الحر، نصحني أحد سكان “سري كانيه” بعدم الدخول خوفاً على حياتي.
كان الموقف والمكان يتطلبان أن أخفي هويتي الصحافية وكذلك عدم القول بأنني في مهمة صحافية، لأن ذلك سيعرض حياتي للخطر، على رغم أنه عند وصولي كان باعتقادي أن الإيمان بالثورة نحو تغير سلمي للسلطة وتكريس الديموقراطية، سيكون كافٍ لإدارة التعامل مع هؤلاء. لكن ذلك كان ضرباً من خيال بوجود فصائل تحمل توجهاً متشدداً، أكثر من إيمانها بثورة التغيير والديموقراطية. فكانت المفاجأة الأولى عند دخولي، عبور دبابة بجانبي من المعبر، وحينما سألت أين تتجه الدبابة؟ قالوا إنها ستستهدف مقراً للمقاتلين الكرد! بعدها علمت أن الدبابة لم تصل لمركز المدينة وتم إعطابها من قبل مقاتلين كرد.
عند اجتياز الحاجز الأول كانت وجوه المقاتلين تعبر عن عدم رغبة بوجودي. وقفت على حافة الرصيف، جاء طفل يبلغ الرابعة عشرة، يحمل سلاحاً موجهاً إلي، وطلب مني أن أرمي السيجارة من يدي (كانت السيجارة محرمة من تلك الفصائل بمسوغ ديني). اضطررت إلى رميها. في الطرف المقابل كان يقف رجل يرتدي “دشداشة” وعباءة، بلحية كثة يدير الجميع، سألتُ من هذا؟ فقالوا لي إنه “أبو الطيب السوري” نائب والي إمارة الجزيرة، كان الجواب كافياً لأتخذ المزيد من الحذر، وأحاول الخلاص من المكان الذي أنا فيه. فسرت وأشرت إلى شخص أعرفه، طلبت منه إيصالي إلى مكان آمن فقد بدأت فعلياً أفكر بالعودة إلى حيث أتيت، من تركيا، فمن الصعب لصحافي أن يعمل بمهنية وينقل الواقع بحيادية في هذه الأجواء العسكرية والمشحونة.
كانت الوجهة إلى المنزل حتى أستطيع التفكير بطريقة للعودة. وقبل أن نمشي وقف عدد من الجنود على الدبابة وبدأوا بالتكبير، فبدأت تساؤلات كثيرة تراودني. من هؤلاء! وكيف وصلوا إلى هنا؟ وماذا يفعلون بيننا؟ كيف لهؤلاء تمثيل الثورة؟ في اليوم التالي اجتزت الحدود والأسلاك الشائكة عائدةً إلى تركيا. وبقيت استفساراتي معلقة بذهني، حتى عام ٢٠١٣ عندما تحولت الكتائب بعد أشهر في سري كانيه إلى جبهة النصرة وفي عام ٢٠١٤ من بقي منها بايع تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.
في الثامن عشر من آذار 2018، بدل أن يحتفل السوريون بالذكرى الثامنة لثورتهم في وجه الاستبداد نحو الديموقراطية، وانعتاق الظلم، كانت الفرحة تعم بعض الأطراف السورية المعارضة التي ساندت ودعمت عملية “غصن الزيتون” التي تقودها تركيا، ويشارك فيها فصائل المعارضة السورية المسلحة، ظناً من السوريين أن تركيا تدعم رؤاهم وستحقق هدفهم. لكن هذا الوهم تبدد، لكن استطاعت تركيا عبر غصن الزيتون تصفية حساباتها مع الكرد في سوريا، و زرع التفرقة بين السوريين.
سنوات خلت ولا يزال يبحث السوريون عن بوادر أمل لبناء عقد جديد، يعيد للسوري الحرية والكرامة المسلوبتين. فمن حلم الهتافات نحو التغيير الديموقراطي، وإنهاء الاستبداد، إلى عسكرة الثورة فانعدام الحراك المدني كما النظام، مروراً بالتوافقات الدولية، والمحطات الأممية، وجنيف وأستانة وجولاتهما، أصبح المشهد السوري من دون قرار أهله، وفيما تمت “سورنة الصراع”، تتقاسم روسيا وتركيا وأميركا وإيران النفوذ في الجغرافية السورية.
وهاهو مشهد عفرين اليوم وسري كانيه بالأمس، وهنا السؤال بين المشهدين: ماذا أبقى السوريون من قيم ثورتهم؟[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
٤ أشهر على جريمة ٤ آب، والسلطة تمعن في اذلال المعوّقين واهمال أبسط احتياجاتهم، تابعوا رسالة سيلفانا اللقيس…

6:58

Play Video
حقق النادي العلماني في الجامعة اليسوعية انتصاراً غير مسبوق تمكن من الفوز بجميع رئاسات الهيئات ​الطالبية للكليات الـ12 التي شارك في ​انتخاباتها.

2:05

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني