fbpx

مشكلة المياه في غزة تستمر في التفاقم

مارس 29, 2018
بوجه أحمر وشعر مبتل، بكى حفيد هاني أبو أميرة فيما كان يجر قدميه إلى حيث تجلس جدته، ملقياً نظره صوب البحر الأبيض المتوسط، من مخيم الشاطئ للاجئين في غزة.نبع حزن الفتى بسبب قراره بالذهاب إلى السباحة باكراً هذا الصباح، وهو ما سبّب غضب والده الذي أخرجه من الماء وضربه لمخالفته الأوامر بالبقاء بعيداً من البحر. قبل عام، كان فعل المرح الطفولي هذا ليمر دونما جلبة، لكن اليوم يسود اعتقاد بأن 80 في المئة من شاطئ البحر الأبيض المتوسط في غزة ملوث والعائلات التي اعتمدت عليه يوماً للمعيشة والترفيه، تخشى اليوم مياهه.

بوجه أحمر وشعر مبتل، بكى حفيد هاني أبو أميرة فيما كان يجر قدميه إلى حيث تجلس جدته، ملقياً نظره صوب البحر الأبيض المتوسط، من مخيم الشاطئ للاجئين في غزة.
نبع حزن الفتى بسبب قراره بالذهاب إلى السباحة باكراً هذا الصباح، وهو ما سبّب غضب والده الذي أخرجه من الماء وضربه لمخالفته الأوامر بالبقاء بعيداً من البحر. قبل عام، كان فعل المرح الطفولي هذا ليمر دونما جلبة، لكن اليوم يسود اعتقاد بأن 80 في المئة من شاطئ البحر الأبيض المتوسط في غزة ملوث والعائلات التي اعتمدت عليه يوماً للمعيشة والترفيه، تخشى اليوم مياهه.
قالت أبو أميرة البالغة من العمر 56 عاماً، والتي ما زالت تقضي أيامها جالسة على شاطئ البحر مع أحفادها، حتى لو كافحت من أجل أن تجد بعض المتعة التي كانت تحصل عليها مسبقاً: “البحر جزء منا، البحر هو حياتنا، لكن التلوث يؤثر فينا الآن، رائحة هذا العفن تمنعنا حتى من أن نجلس هنا بشكل لائق، ومنعنا الأطفال من النزول هناك”.
خلال ثلاثة حروب وعقد من الحصار من قبل إسرائيل ومصر، مثَّل البحر المتوسط متنفساً لمليوني غزاوي في القطاع الفلسطيني الذي تطوقه إسرائيل من الجنوب، ومصر، والبحر. تستحم العائلات في مياهه لتهرب من حر الصيف القائظ، ثمّ يصطفون على شاطئه مع القهوة والذرة المشوية ليلاً.
ويخشى العديد منهم أنهم فقدوا حتى هذا المتنفس الوحيد، بخاصة العام الماضي التي أدت فيه أزمة كهرباء حادة إلى صب 110 ملايين لتر (110000 متر مكعب) من مياه الصرف الصحي غير المعالجة في مياه البحر يومياً، وفقاً للأمم المتحدة. أحدث الأرقام بهذا الشأن مرت عليها سنة تقريباً.
من موقعها المعتاد خارج منزل العائلة، تلوح أبو أميرة بيديها ناحية بقعة القذارة البنية التي تطفو خارجة على طول شاطئ غزة والتي تملأ مد بصرها الآن بسبب 17 أنبوباً لصرف مياه الصرف، تصب مياهها في نقاط مختلفة على طول ساحل يبلغ 25 ميلاً (40 كيلومتراً). المياه الزرقاء التي حلت مياه الصرف مكانها خلال العام الماضي لا تظهر للعيان إلا بعيداً في الأفق، أبعد من خط غزة الساحلي.
أصبحت مشكلة المياه في غزة مسألة متكررة منذ أن فرضت إسرائيل حصاراً جوياً وبرياً وبحرياً على القطاع الشاطئي في 2007 للضغط على الحكومة التي شكلتها “حماس”، وهي المجموعة التي اشتبكت معها إسرائيل في صراع منذ بواكير الألفية الجديدة، عندما نفذت عشرات العمليات الاستشهادية ضد المدنيين الإسرائيليين. ومع عدم وجود ملجأ آخر في هذه المنطقة الفقيرة بالمياه، اعتادت غزة على سحب احتياجاتها من المياه من البحر وكذلك إلقاء مياه الصرف في المصدر ذاته. في حين غطت إسرائيل احتياجاتها من المياه من طريق تحلية ماء البحر، وذلك ببناء أكبر محطة للتناضح العكسي في العالم، على بعد 30 ميلاً فقط شمال غزة، في حين تعجز المنشآت المشابهة في غزة عن العمل بكامل طاقتها بسبب نقص الكهرباء.
تفاقمت مشكلة الطاقة في أواخر آذار (مارس) عندما حدث نزاع داخلي بين قيادات غزة، “حماس”، وبين السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، عندما لم تسدد رسوم الوقود المستحقة، ما تسبب في إغلاق محطة الكهرباء المحلية الوحيدة تاركة قطاع غزة بإمداد محدود من الكهرباء لا يكفي لتشغيل المضخات المستخدمة في توصيل مياه الصرف إلى محطات التنقية والتطهير، ما اضطُرّ إلى صبها مباشرة في مياه البحر. وبذلك وصلت مستويات التلوث إلى أربعة أضعاف المعيار الدولي. وكان لذلك تأثير على إسرائيل أيضاً، إذ تم إغلاق الشواطئ القريبة من القطاع بسبب التلوث المنتشر، أحدث الأرقام المتوفرة حول الأمر كانت منذ ستة أشهر.
مع وجود مليوني شخص يعيشون في القطاع الساحلي، يكاد القطاع يكتظ بالسكان بشكل خانق كزحام هونغ كونغ، ما يشكل ضغطاً زائداً على كل شيء ابتداءً من المياه الجوفية التي يعتمد عليها الناس في استخدامهم، إلى الكهرباء اللازمة لتشغيل المصانع ومرافق التطهير الصحي ومحطات التحلية.
على رغم أن أزمة الكهرباء المستمرة قد فاقمت هذه الضغوط، إلا أنها كانت مصدر قلق مستمر منذ تولي حماس إدارة القطاع. وتوقع تقرير للأمم المتحدة عام 2017 أن الأضرار التي لحقت بمستودع المياه الجوفية في غزة ،المصدر الوحيد للمياه في القطاع، لن يكون تلافيها أمراً ممكناً بحلول عام 2018، وهو وقت أبكر من التقديرات السابقة.
يعيش الكثير من هؤلاء السكان في أماكن مثل مخيم الشاطئ للاجئين، والذي تأسس لإيواء الفلسطينيين المتدفقين من القُرى المجاورة خلال الحرب العربية-الإسرائيلية عام 1948، في هذا المخيم، ينقل أنبوب الصرف الصناعي إلى البحر مخلفات طبية من المستشفى الرئيسي في غزة وهو مستشفى الشفاء. وقال المواطنون أن أطفالهم اشتَكَوا من الحكة بعد السباحة، وأن رمال الشاطئ تفوح منها رائحة الصرف. وقد ازدادت مخاوفهم أكثر بعد وفاة محمد السايس البالغ من العمر خمسة أعوام في تموز (يوليو) 2017 من داء العصبوي، وهو داء ينتشر من طريق البراز.
وقد عثر على طفيليات- العديد منها يضرّ بالبشر- في ما يقارب نصف العينات التي جمعت في دراسة أُجريت عام 2014 بقيادة أحمد حِلِس، خبير في هيئة الجودة البيئية الفلسطينية، على جودة المياه على سواحل القطاع.
قال حِلِس الذي يعتقد أن دراسته تظهر وجود صلة قوية بين الضرر الذي يلحق بالبيئة والمخاطر الصحية على سكان غزة: “إنه مؤشر مثالي على أن الشاطئ ملوث بالمياه العادمة”.
وفقاً لـ “منظمة الصحة العالمية”، فإن الأمراض المرتبطة بالماء هي السبب الرئيس لوفيات الأطفال في غزة، وتُقدّر بأنها مسؤولة عن نحو ربع الأمراض كلها.
أضاف حِلِس: “هذه المياه مصدرٌ للتلوث والأمراض للناس والبيئة على حدٍ سواء. يعاني المترددون إلى البحر من الكثير من الأمراض المرتبطة بالجلد بسبب الاتصال المباشر من السباحة في هذه المياه الملوثة”.

صيد السمك
على طول ساحل غزة، تقبع أنابيب طرد مياه الصرف الصحي من البلدات ومخيمات اللاجئين حيث يتركز معظم السكان. وأوضح محمد أبو ثائر عالم الأحياء البحرية في وزارة الزراعة التابعة لحكومة “حماس”، أن هذا التلوث يتفكك إلى الخارج على مدى ستة أميال بحرية، وهي المسافة ذاتها التي حددتها البحرية الإسرائيلية للصيادين في غزة منذ الحصار على غزة، هذا على رغم توقيع اتفاقية أوسلو للسلام في التسعينات من قبل إسرائيل والزعماء الفلسطينيين، والتي تسمح لهم بالابتعاد من الشاطئ بمقدار عشرين ميلاً بحرياً.
وأضاف ثائر أن معظم الأسماك التي تباع في سوق غزة آمنة، لأنه بعد الأميال الثلاثة الأولى، معظم الصيد يكون من أسماك المياه العميقة التي تعيش تحت سطح البحر، حيث تكون بعيدة من النفايات الطافية والمتحللة على السطح.
وأوضح أيضاً أن وزارته أجرت اختباراً على الأسماك لضمان سلامتها من خلال أخذ عينات من شحنات السمك الواردة، لكن معظم سكان القطاع ما زالوا قلقين بشأن تناول الأسماك والسرطانات والروبيان، وهي من الأطباق المعروفة لدى الفلسطينيين وفقاً للصيادين أنفسهم القلقين من قلة عدد الأسماك وقلة الناس الذين يمرون عبر سوق السمك شبه المهجورة في غزة. لقد ناضل الصيادون بالفعل لسنوات من نقص الصيد بسبب القيود التي فرضتها إسرائيل على أماكن الصيد. الآن عليهم أن يتعاملوا مع المخاوف المحلية بشأن مخزونهم غير المُباع.
وقال محمد مصطفى أبو خير (32 سنة) الذي يصر على أنه لا يصطاد في مياه ملوثة: “نحاول اقناع الناس، لكنهم ما زالوا خائفين جداً من تناول السمك بسبب ما يسمعونه وليس ما يرونه هنا.”
المخزون القاتم والرطب المعروض في السوق يكاد يتلاشى- كمية صغيرة من الأبرميس البحري المحلي (Sparidae) ، دلاء من السلطعون (Brachyura) والقرش (Selachimorph) – لكن أبو خير مصر على أنه إذا زار الزبائن المكان، سيرون أن المنتوجات صحية بالكامل. والمشكلة هي أنه لا يكاد يمر أي شخص سوى الصيادين الذين يجلسون في دوائر على حواف السوق، ويشربون القهوة العربية في أكواب ورقية.
ووجدت دراسة أجريت عام 2016 بقيادة الباحث في هيئة الجودة الفلسطينية حسام زقوت، أن آثاراً من المعادن الثقيلة مثل النحاس والرصاص وجدت في عضلات الأسماك التي اصطيدت بالقرب من ساحل غزة، وحذر من أنه على رغم أنها لم تصل بعد إلى مستويات خطرة على البشر، إلا أن بإمكانها أن تكون كذلك في المستقبل، إذا استمر التلوث المتزايد في زيادة تسمم الأسماك. وقال أبو ثائر أن التأثير الأكثر مباشرة للتلوث هو تقليل المخزونات السمكية قبالة سواحل غزة.
“تتكون مياه الصرف الصحي من الكثير من المواد الخطرة مثل الكلور والأمونيا والصابون. وهذا يؤثر في الأسماك نفسها – لأنه يبطئ نموها ولا يزيد مخزونها”.
ويعتقد بعض الصيادين أن المشكلة قد تفاقمت بسبب الصيد المفرط. ويمنع الحصار سكان غزة المتزايدين باستمرار من السفر إلى الخارج من أجل العمل بينما يعيق أيضاً صناعتها. وبحلول أيلول (سبتمبر) 2017، ارتفع معدل البطالة إلى 44 في المئة مع إغلاق المصانع بسبب أزمة الكهرباء.
بالنسبة إلى العديد من العاطلين عن العمل، يبدو البحر مكاناً واضحاً للبحث عن دخل مع قارب وبعض الشباك. لكن الصياد هاني أبو ريال يتهم صيادين غير مرخّصين بوضع عبء على الصناعة من خلال مزاحمة المهنيين واستخدام الشباك الرقيقة التي تلتقط حتى أصغر الأسماك.
“الذي أنهى الوظائف هنا هو الحكومة نفسها، لأنه لا توجد وظائف”. وقال أبو ريال، الذي عاد إلى تقاليد العائلة في صيد السمك بعد الحصار، أنه “لم يعد بإمكانه السفر إلى بلدات إسرائيلية قريبة حيث كان يعمل في النسيج”.
وتابع: “إنهم يصطادون كل شيء، حتى الأسماك الصغيرة أثناء موسم التوالد”، مشيراً إلى ضعف القيادة في غزة، التي تهشمت منذ أن قاطع مسؤولو السلطة الفلسطينية قيادة حماس بعد أن سيطرت على المنطقة سنة 2007. أضاف قائلاً: “في بلد آخر، سيكون هناك نظام لوقف هذا”.
الخبير البيئي هيليس أوضح أن مشكلة المياه في غزة لا تقتصر على البحر فقط؛ بل أن خزان المياه الجوفية الذي تتقاسمه مع إسرائيل يتعرض للتلوث أيضاً.

النظام البيئي المدمر
إلى الجنوب من مدينة غزة المكتظة بالسكان والمباني، يعيش الصيادون البدو في وادي غزة حياة أكثر هدوءاً، يعدون شباكهم في أكواخهم الشاطئية المصنوعة من صفائح الحديد المموج ويحفرون في المياه الضحلة بحثاً عن ديدان لاستخدامها كطعوم. لكن عزلتهم هذه تقاطعها الرائحة النتنة المنتشرة والتي تصدر عن أنبوب صرف يبعد منهم مئات الأمتار.

وادي غزة الذي يبدأ في الضفة الغربية ويجتاز صحراء النقب جنوب إسرائيل وصولاً إلى غزة والذي يبلغ طوله 105 كليومترات، صنف يوماً باعتباره مكاناً بيئياً يؤوي الطيور المهاجرة مثل طيور النحام والبجع الأبيض العظيم، واعتبرته السلطة الفلسطينية محمية طبيعية عام 2000. لكن بدلاً من حمايتة أصبح الوادي الذي كان خصباً وادياً للنفايات يستخدم من قبل البلديات المحلية للتخلص من النفايات السائلة والصلبة من البلدات القريبة.
قال صيادٌ بدوي محلي أن احتجاجاتهم ضد إقامة أنبوب الصرف في هذا المكان قوبلت بالتجاهل، لكنه هو والصيادون الآخرون رفضوا قول المزيد.
وفقاً لهيليز تستقبل غزة نصف الـ7.7 مليار قدم مكعب (220 مليون متر مكعب) من مياه الأمطار التي تتطلبها مياهها الجوفية في العام، أو حتى أقل من ذلك لإعادة ملء الخزانات الجوفية، وهو ما يسمح للماء المالح بالامتزاج معها. ما يعني أيضاً أن هناك مساحة لارتشاح المياه الناتجة عن تحلل النفايات في مكبات النفايات والبالوعات المستخدمة لتخزين مياه الصرف عبر صخور غزة الرسوبية المسامية في أماكن مثل وادي غزة.

التعامل مع المشكلةانتقل القلق بشأن التلوث وأزمة الكهرباء الواسعة إلى المجال الإسرائيلي، ليس فقط بسبب التأثير المادي الناجم عن التلوث المتسلل، ولكن أيضاً من خلال قلق السياسيين الإسرائيليين والجيش من أن تدهور الأوضاع يزيد فرص صراع آخر. هم يتّهمون “حماس” بالتسبب في الأزمة من طريق أنفاق المال على تطوير قدراتها العسكرية، بدلاً من أنفاقها على السكان.
وقال قائد الجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت للبرلمان الإسرائيلي في تموز (يوليو) سنة 2017 “لإسرائيل مصلحة في سير الأمور بطريقة إيجابية في غزة، لكن لا يمكن المرء أن يطلب من دولة إسرائيل استخدام ميزانيتها الحكومية لأجل البنية التحتية التي تضررت بسبب صراع فلسطيني داخلي، في حين تستثمر حماس الأموال في الإرهاب”.
لكن إسرائيل وافقت في أواخر كانون الثاني (يناير) على أن تبدأ في إمداد محطة تنقية مياه الصرف الصحي في شمال غزة بالتيار الكهربائي. وجاء هذا التحرك عقب توصيات وردت في تقييم للدولة أنتقدت الجيش الإسرائيلي لرفضه توفير خط كهربائي إلى مصنع تم بناؤه سنة 2013.
بالنسبة إلى هيليس لا يمكن فصل التحديات البيئية في غزة عن الحصار، ما يزيد اعتماد القطاع على الكثير من الموارد المتاحة له. ويشير إلى أن أكثر من 3000 مادة مطلوبة لتطوير قطاع المياه والصرف الصحي في غزة تنتظر موافقة إسرائيل لدخول القطاع بسبب القيود المفروضة على “الأصناف ذات الاستخدام المزدوج”، والتي تدعي إسرائيل أنه من الممكن استخدامها في صنع أسلحة أيضاً لاستخدامها ضدها.

قال هيليس: “أصبحت الحياة في غزة معقدة أكثر فأكثر بسبب هذه القضايا، نحن في حاجة إلى حلول سريعة لمشكلاتنا والبيئة هي الأهم”، وأضاف: “كل المجتمع الدولي مسؤول عن هذه المشكلات”.

الموضوع مترجم عن موقع common dreams ولقراءة المقال الاصلي زوروا الر ابط التالي.[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
فيكين شيتريان – صحافي وكاتب أرمني
لماذا لم يتمّ العثور على حلٍّ للصراع بعد مضيّ ثلاثة عقود من اندلاعه؟ لماذا فشلت الدولتان الجارتان في إيجاد حلّ من خلال الحوار؟

3:05

3:05

2:57

2:57
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني