الشرارة الأولى انطلقت من مدينة أصفهان وسط البلاد، وعمت مدنا في مختلف المحافظات ووصلت إلى العاصمة طهران.

احتجاجات البنزين في إيران تتوسع لتستهدف النظام

شهدت المدن المحتجة تسكير طرقات بالسيارات وبالإطارات المشتعلة وحاويات النفايات والحجارة، ثم تبدلت شيئا فشيئا لتصبح مظاهرات سياسية ضد النظام ورموزه

يشهد عدد من المدن الإيرانية مظاهر احتجاجية على خلفية ارتفاع أسعار البنزين، ثلاثة أضعاف سعره السابق، دفعة واحدة، ومن دون إعلان مسبق من قبل الحكومة.

الشرارة الأولى انطلقت من مدينة أصفهان وسط البلاد، وعمت مدنا في مختلف المحافظات ووصلت إلى العاصمة طهران.

فعند منتصف ليل الجمعة الفائت، وبينما توقف مواطن عند محطة وقود في مدينة إصفهان، ليملأ خزان سيارته بالبنزين، تفاجأ بأن سعر الليتر قد ارتفع من ألف تومان إلى ثلاثة آلاف، فقام بتصوير مقطع فيديو، ونشره على وسائل التواصل الاجتماعي، في الوقت نفسه، كان هناك أعداد أخرى من المواطنين في كافة أنحاء البلاد، يواجهون الصدمة ذاتها، ذلك أن رفع سعر البنزين قد أقر في جلسة غير علنية لمجلس النواب، ووضع قيد التنفيذ من دون الإعلان عنه رسمياً.

لم ينتظر الإيرانيون الذين أحسوا بالخديعة، طلوع الصباح، فخرجوا فوراً إلى الشارع، وعمت المظاهرات الغاضبة 53 مدينة، بدءا من أصفهان إلى طهران والأحواز وتستر ودزفول وخرمشهر وعبادان وبندر عباس وأرومية ومشهد وكرمان وشيراز وسيرجان وإسلام شهر وشهريار وغيرها.

استعاد المتظاهرون هتاف “لا غزة، لا لبنان، روحي فدا إيران”، للإشارة إلى أن ثرواتهم الوطنية تذهب إلى دعم هذين البلدين، بينما هم غارقون في الفقر

وشهدت هذه المدن معارك دامية بين المحتجين وقوات مكافحة الشغب، استعمل فيها الرصاص الحي، وأسفرت حتى الآن عن مقتل 10 مواطنين 4 منهم في مدن ذات أغلبية قومية عربية، وجرح العشرات، وأقدم محتجون على تكسير وإحراق محطات وقود في طهران، وحاولوا إحراق مبنى البلدية، في حين تحول الاحتجاج في مشهد (كالعادة) إلى مظاهرة سياسية طالبت بعودة الحكم الملكي وهتف المحتجون للشاه “رضا شاه روحت شاد” أي: “السلام لروح الشاه رضا”، بينما أضرم أهالي مدينة شهريار النار بمجسم للإمام الخميني في وسط المدينة، وأحرق متظاهرون في مدينة إسلام شهر صور المرشد السيد علي خامنئي، كما أقدم آخرون على إحراق مبنى البنك المركزي في مدينة بهبهان، وهدد أهالي مدينة سيرجان بإحراق آبار النفط في منطقتهم في حال لم تتراجع الحكومة عن قرارها.

حرق اطارات واحتجاجات في أصفهان


مع تقدم ساعات يوم السبت، تطورت الاحتجاجات المطلبية إلى أعمال شغب، ومعارك كر وفر بين المحتجين وقوات الشرطة، التي يساندها عناصر من تنظيم البسيج التابع للحرس الثوري، فشهدت المدن المحتجة تسكير طرقات بالسيارات وبالإطارات المشتعلة وحاويات النفايات والحجارة، ثم تبدلت شيئا فشيئا لتصبح مظاهرات سياسية ضد النظام ورموزه الأحياء والأموات وسياساته المحلية والعابرة للحدود، فأطلق المتظاهرون شعارات ضد المرشد “الملياردير” والرئيس روحاني والطبقة السياسية “الفاسدة” كلها، وطغى هتاف “بي شرف” أي بلا شرف لنعت مسؤولي النظام الإسلامي، وطالبوا بإسقاطه، كما استعاد المتظاهرون هتاف “لا غزة، لا لبنان، روحي فدا إيران”، للإشارة إلى أن ثرواتهم الوطنية تذهب إلى دعم هذين البلدين، بينما هم غارقون في الفقر.
قبل ثلاثة أيام، من “ثورة البنزين”، كان الرئيس الإيراني حسن روحاني، قد أعلن رفع مخصصات 18 مليون أسرة إيرانية فقيرة من أصل 25 مليون، تستفيد من خطة الدعم الحكومية، أو “طرح يارانه” بالفارسية، التي تمنح الحكومة بموجبها الأسر الفقيرة، مساعدة مالية تتراوح ما بين 55 إلى 205 آلاف تومان شهريا، ومع حلول ليل الجمعة، شهدت أسواق البنزين، ارتفاعا حادا في الأسعار، واكتشف المواطنون أن سعر ليتر البنزين المدعوم ارتفع بمقدار 50%، بينما ارتفع سعر ليتر بنزين السوق ثلاثة أضعاف، تزامن ذلك مع ارتفاع جنوني في سعر صرف الدولار الأميركي، الذي تخطى عتبة 12 ألق تومان.


في إعلانه عن خطة الدعم الجديدة، لم يشر روحاني في خطابه، إلى مصادر تمويل الخطة، لكن بارتفاع سعر البنزين، أدرك المواطنون أن الحكومة ارتأت تمويل الخطة من جيوبهم، فأعطت انطباعا أنها تساند الأسر الفقيرة، بينما هي في الواقع تعيش حالة إنكار إزاء استفحال الفقر والعوز لدى طبقات المجتمع الفقيرة والمتوسطة، حيث تدل المؤشرات الاقتصادية، التي لا تفصح عنها الحكومة، إلى أن 70% من الإيرانيين هم فقراء ويحتاجون إلى إعانات مالية شهرية.
على مدى سنوات العقوبات الدولية اختبرت إيران خططا مختلفة لمعالجة الأزمة الاقتصادية، من بينها نظام الحصة الغذائية الشهرية ونظام المساعدات النقدية، هذه المرة، فضلت الحكومة اعتماد النظام الثاني فقط، ذلك أنها افترضت عدم وجود مشكلة في إنتاج السلع الأساسية ولا في استيرادها، وعليها توفيرها بأي طريقة ومهما كانت باهظة الثمن، فبدت كأنها أقرت بوجود الفساد وفقدان التحكم في التوزيع العادل للسلع، وفي الوقت عينه أعفت نفسها من مشاكل نظام التوزيع، بدعوة أنه بهذا النظام، يمكن للناس التمتع بالكثير من الحرية في شراء سلعهم، وأظهرت أنها تتعامل بمرونة مع الفئات التي لا تشملها خطة الدعم الجديدة.
ولا بد لتفعيل نظام المساعدات النقدية من إيجاد مصدر تمويل، لذلك ارتكز التمويل على قطاع النفط، فأقدمت الحكومة أولا، على تحرير أسعار شركات نقل الطاقة بناء على جدول أسعار صرف العملة الأخير، ثم رفعت سعر البنزين بشكل فجائي، متبعة الجدول التالي: رفع سعر ليتر البنزين (العادي) من 1000 تومان إلى 1500 تومان لسيارات الأجرة وحاملي بطاقات الوقود، رفع سعر البنزين (غير المدعوم) من 1000 تومان إلى 3000 تومان، علما أن كل مواطن إيراني (صاحب آلية) يحق له بتعبئة 60 ليتر بنزين شهريا فقط، أما سعر البنزين (السوبر) فقد ارتفع بنسبة أقل من 300%، أي من 1200 تومان لليتر الواحد إلى 3500 تومان.
ويعتقد خبراء اقتصاديون إيرانيون، أن خطة الدعم الحكومية هي أحد أهم أسباب التضخم، الذي ترتفع معدلاته بشكل جنوني في إيران، خصوصا مع عودة العقوبات الأميركية، بينما لم يسهم ارتفاع أسعار البنزين في خفض معدلاته، فعلى مدى العشرة أعوام الماضية ارتفعت اسعار البنزين أضعافا تلو أضعاف، إلا أن الحكومة فشلت في الحد من التضخم، ويبدو أن السيناريو ذاته يتكرر اليوم.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
تفتقر المخيمات الفلسطينية والسورية في لبنان إلى شبكات الصرف الصحي وإمدادات المياه الضرورية من أجل النظافة الشخصية لمواجهة الفايروس، ولا يمتلك سكانها رفاهية العزل الصحي، ولا حتى التوعية بالإرشادات اللازمة لمواجهة الوباء.
خالد سليمان – صحافي وكاتب كردي عراقي
إن ما يدهش هو اللامبالاة تجاه نقاط انطلاق المرض، وكأن المجتمع لا يهمه سوى نقطة الوصول: أي اللقاح والعلاج والإنعاش. لكن من دون نقطة الانطلاق لن يتحقق العلاج…
ميزر كمال- صحافي عراقي
تضغط إيران بشكل كبير لاستبعاد رئيس وزراء العراق المكلف عدنان الزرفي، وهي لهذه الغاية أرسلت رجلها الجديد اسماعيل قآني إلى بغداد…
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
هناك حاجة للشعب الإيراني إلى نظام إنساني، أكثر من حاجته إلى المساعدات الإنسانية، فمن سينجو من كورونا اليوم، سيقتله النظام غداً.
أحمد حاج حمدو – صحافي سوري
بعيدًا عن عدسات وسائل الإعلام، و”نظرة الوداع” من ذويهم، يُدفن الأموات ضحايا فيروس “كورونا” وهم يرتدون “ملابس المستشفيات” دون أي مراسم أو جنائز، لا تسمح السلطات بهذه المراسم، وكذلك الحال لا يُسمح لذوي المتوفين بوداعهم ولو بنظرة من بعيد.
كريم شفيق – صحفي مصري
كان الخطاب الديني الذي لعب على أعناقه عدد من رجال الدين بمثابة خط الدفاع الأول، الذي بدأ ينشط لمواجهة الفايروس المستجد…
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني