fbpx

الرهان الأبدي

طيلة السهرة كان الشبان يراقبون هواتفهم، ما جعل اللعب مملاً على إثر تباطؤهم في رمي الأوراق. فحمزة كان يترقب هاتفه بتوتر كبير، أملاً بأن يسجل فريق "ساو باولو" في الدوري البرازيلي هدفاً، فيُحسم بذلك صراع الأموال لمصلحته. وحده أدهم، نظر مرات إلى هاتفه وضحك مردداً "أكلنا هوا للمرة الألف". فالشبان الأربعة، نموذج حالة أخذت في السنوات الأربعة الأخيرة تتنامى داخل المجتمع اللبناني، فهم يوفرون دخلهم اليومي عبر المراهنات على كرة القدم، وهذا أمر يشترك فيه أصدقاؤهم أيضاً.

جلس الأربعة حول الطاولة، كي يلعبوا لعبة “الأربعمئة”، الأكثر شهرة بين ألعاب ورق الشدة. من أصول هذه اللعبة أن يتحالف شخص مع آخر ليشكلا فريقاً يتنافس مع آخر يتألف من شخصين أيضاً.
ودائماً ما اختار محمود، صديقه كرم حليفاً له في “الأربعمئة”، ونادراً ما كانا يربحان أمام منافسيهما القويين، إلا أن سرعة اللعبة وروح التحدي وحس السخرية لديهما، كانت تجعل من الخسارة متعة.
وعلى غير عادة مضت السهرة بكثير من الملل. فقد تزامنت مع توقيت مجموعة مباريات لفرق في دوريات كرة القدم الأفريقية والأميركية الجنوبية. طيلة السهرة كان الشبان يراقبون هواتفهم، ما جعل اللعب مملاً على إثر تباطؤهم في رمي الأوراق. فحمزة كان يترقب هاتفه بتوتر كبير، أملاً بأن يسجل فريق “ساو باولو” في الدوري البرازيلي هدفاً، فيُحسم بذلك صراع الأموال لمصلحته. وحده أدهم، نظر مرات إلى هاتفه وضحك مردداً “أكلنا هوا للمرة الألف”.
الشبان الأربعة، نموذج حالة أخذت في السنوات الأربعة الأخيرة تتنامى داخل المجتمع اللبناني، فهم يوفرون دخلهم اليومي عبر المراهنات على كرة القدم، وهذا أمر يشترك فيه أصدقاؤهم أيضاً.
حمزة، أكبر الشبان الأربعة، ويبلغ من العمر 19 عاماً، أما أدهم فهو الأصغر، 17 عاماً. جميعهم ينتمون إلى طبقة اجتماعية فقيرة، وجميعهم تورطوا على مراحل في لعبة المراهنات على كرة القدم لتحقيق الأرباح المالية السريعة.
لعبة المراهنات على كرة القدم، عالم مختلف لديه آلياته الخاصة، فهو يحصل عبر الوسائل الحديثة، وذلك على عكس مراهنات الخيول. والمراهنات على كرة القدم، تحصل من خلال “أبليكايشن” أو تطبيق يقوم المراهن بإدخاله إلى هاتفه، وهو مرتبط مباشرة بمكتب المراهنات التي هي في الأصل مخالفة للقانون. وقد شهدت الثلاث السنوات الأخيرة، جملة مداهمات نفذتها القوى الأمنية في عدد من مناطق بيروت الجنوبية والغربية الأكثر فقراً لإغلاق تلك المكاتب بالشمع الأحمر.
تعد المراهنات من الألعاب الأكثر متعة وبعثاً للطمأنينة في قلوب الفقراء. وتشبه إلى حد بعيد بحسب توصيف محمود “المأوى الذي يلجأ إليه بحثاً عن الأمان ووجبة طعام”.
وفعلاً كان محمود عبر المراهنات يؤمن دخراً مالياً يمنحه لوالدته لتصنع وجبة طعام للأسرة، ومكنته اللعبة من أن يشتري هاتف “آي فون”، ما كان ليحصل عليه بوسيلة أخرى.
أما أدهم، أصغر المراهنين في المجموعة التي التقاها “درج”، فتكشف يومياته مدى تأثره بتنمّر أصدقائه من مظهره الخارجي، فهو يشتكي من نقص حاد في مخزون ملابسه. يمضي فترة الصيف مرتدياً قميصين. بينما ينتظر الصدف، كي يتبرع أحد أقاربه بـ”جينز”.
التنمر رافقه حين تعرف إلى أول فتاة في المدرسة. أحبها كأي حب يطرأ على الإنسان في سن المراهقة، وفي إحدى المرات طلبت منه حبيبته أن يُنَوع في ملابسه، فأصابه الموقف بإحراج كبير لن ينساه أبداً على حد قوله.
أما حمزة، الذي يسكن في منطقة شاتيلا المحاذية لطريق الجديدة، فكان يزور منزل محمود كل يوم سبت للعب ورق الشدة، ودائماً يسرد أمام أصدقائه مغامراته في محل “بوكر” يقصده في عين الرمانة، ويحذرهم من خطورة إفصاح الأمر أمام شقيقه الكبير لأنه “سيقتله”، وكان أيضاً وعلى سبيل الحديث العابر ما بين الدعابة والجد، يدعو أصدقاءه إلى أن يحوّلوا لعبة الشدة إلى رهان على المال.
وفي إحدى المرات قبل محمود عرضه واشترط أن يدفع الخاسر ثمن وجبة طعام، فيما اقترح حمزة شرطاً آخر وهو أن يدفع كل خاسر مبلغ 10 دولارات لكل رابح. لم يكمل حمزة تحصيله العلمي بسبب نقص موارد عائلته المالية، ويعاني من انحراف حاد في بصره. نظارته سميكة جداً، لم يبدلها منذ ثلاث سنوات وفق قوله، “ألعب المراهنات والقمار، طمعاً بدثر رداء الفقر”، يوضح لـ “درج”.
في السهرة، سرد حمزة كيف ضرب قنينة “الرد بول”، في زجاج مرآة مصعد المبنى الذي يسكنه، وكيف غرق في البكاء ليلاً، بعد اكتشافه فداحة قراره، حين تراجع عن الرهان على مباراة حصلت بين “تشلسي” و”برشلونة”.
وفي كل الأحوال كان رهانه على فوز “تشيلسي” خاسراً، إذ خَسر الفريق. كان طموح حمزة أن تعود مراهنته على فوز فريق “تشيلسي” بمبلغ وقدره 1200 دولار. هذا المبلغ لو حصل عليه، كان كافياً كما يقول كي يشتري دراجة نارية صغيرة سعرها 500 دولار. إن شراء الدراجة سيتيح له فرصة التقدم إلى وظيفة عمل برتبة سائق ديليفري عند أي مطعم في بيروت، ذلك أن أصحاب المطاعم يشترطون على موظفي الديليفيري، أن يمتلكوا دراجة نارية.
ولا ينتهي حلمه هنا، فهو أمِلَ بأن يخبئ بقية المال ويضاعفهم في مراهنات أخرى، كي يؤمن مستلزمات عملية جراحية في عينيه، يحتاج إليها.
مقامرة أم مراهنة؟
لم تستطع الأبحاث المتخصصة في عالم المقامرة بغالبيتها فصل مصطلح المقامرة عن المراهنة، إذ إن المقامر هو من يَرهن مصير أمواله للمجهول وللحظ. وتعَدّ المراهنات بحسب تصنيف “المعهد الوطني للصحة” في أميركا، من عالم المقامرة، ويشير المعهد إلى أن المقامرة هي سلوك قهري كامن في لا وعي الفرد.
تبدأ رحلة المقامرة، حين يقوم المراهن بفتح حساب في خدمة إلكترونية متصلة مباشرة بمكتب المراهنات، بينما في المقابل يعطي المراهن صاحب المكتب مبلغاً من المال، ويضعه الأخير في حساب المراهن الذي يفتحه له، وتتيح الخدمة أن يلعب المراهن على كل الفرق في مختلف دوريات كرة القدم حول العالم، فيحدد المراهن الفريق الذي سيربح أو سيخسر، وتتيح الخدمة أن يحدد المراهن أيضاً، عدد الأهداف واللاعبين الذين سيسجلون الأهداف، إضافة إلى الخدمة الالكترونية، وفرص المراهنة على أمور أكثر تعقيداً، كعدد البطاقات الصفراء، وضربات الجزاء، وكلما أقدم المراهن على المراهنة على تلك التفاصيل المعقدة وحقق نتائج بحسب اختياراته، كلما كانت أرباحه أكبر.
من هو المراهن؟
إن تركيبة المراهنين الفقراء النفسية “حساسة وهشة جداً”، كما توضح هبة خليفة وهي باحثة في علم النفس وصاحبة “مركز نفسانيون” في بيروت، وتضيف: “إن المراهن كائنٌ غير اجتماعي، حتى لو أبدى سلوكاً اجتماعياً واختلط مع من حوله”.
اطلعت خليفة على قصص الصبية الأربعة، وبحسب قولها فإنهم يراهنون لدوافع عدة من بينها “الانتقام لمستقبلهم ومع كل فوز في الرهان ينجح الوهم لديهم بطمس ماضيهم، ويحفزهم ذلك نحو المزيد من المراهنة”.
تشرح خليفة لـ “درج” أن المراهن يكون ممتلئاً بماضيه القاهر، وأحد دوافع حماسته للرهان، هو لا وعيه المكبوت، ففي اللاوعي تكبت الآلام والمخاوف، ومن بينها أن لا خيار لديه سوى العيش في بيئة محرومة مادياً، ومن خلال المراهنات يشعر بأنه قادر على اتخاذ الخيار لتحديد مصيره وتحرير نفسه من العبء المادي”، وتتابع: “أصعب الأمور، أن تنعدم خيارات المرء في تحديد مصيره”.
سيكولوجيا المراهن
حين سرد تيودور دستويوفسكي قصصاً عن المجتمع الروسي، خصص فسحة واسعة من روايته للحديث عن المقامر. القمار لدى دستويوفسكي يعكس واقع المجتمع الروسي، فهم شبان يمضون كل سهراتهم منزوين داخل بارات القمار. في روايته “المقامر”، بطل رواية دوستويفسكي، شاب مثقف غير ميسور الحال، يتورط بالمقامرة لمصلحة بولونيا الأرستقراطية. ولا يغيب عن سياق النص شعور المقامر الدوني تجاهها، فيحاول التخلص منه بإثبات انتصاراته في ساحات المقامرة. وفي كل جولة يربحها يتحول إلى شخص حالم باعتناق الأرستقراطية، ولكن ما يلبث أن يفقدها كلما خسر جولة أخرى، فيضطر حينها إلى الإقرار بهزيمته أمام بولونيا، لتعود إليه دوامة الشك بمكانته الوجودية، فيتذكر ما حل به في ماضيه المرير ومعاناته مع الفقر.
تظهر أبحاث كثيرة عن المجتمع الذي عاش فيه دوستويفسكي انجراف الفقراء نحو المقامرة، إلى أن جاء الخيار الشيوعي، فعقدت آمال على أن الخيار سينقذ الفقراء من صراعهم مع المال، ولكن لم تقضِ الشيوعية على ظاهرة المقامرة، بل جعلتها أكثر تمدداً بسبب تجفيف السلطات مردود الأفراد المالي، وتكاثرت بشدة قبل تفكك الاتحاد السوفياتي نهاية تسعينيات القرن الماضي.
في المقابل، كانت ظاهرة المقامرة في اتساع أيضاً داخل المجتمع الأميركي في الفترة نفسها، وأوائل الألفية الحالية، وهو ما تؤكده مراكز أبحاث نشأت خصيصاً لمعاينة الظاهرة، من بينها “مركز الدراسات النفسية للمقامر في لويزيانا”، و”مؤسسة ماستشوستس لدراسة المقامرة القهرية”، و”مؤسسة كاليفورنيا للمقامرة القهرية”، ففي دراسة للأخيرة إشارة إلى أن تضخم سيكولوجيا الرأسمالي وولعه بالمال عبر بورصة “وول ستريت”، شكلا عاملاً رئيسياً في أزمة أميركا المالية عام 2008.
كان محمود وحمزة وأدهم وكرم مصابين بالقلق ويسهرون الليل، لمتابعة تطورات دوريات كرة القدم حول العالم، من وراء شاشات هواتفهم الذكية. ويصابون بالكآبة حين يخسرون، أما الفوز فيبعث فيهم شعور النشاط الفائق، لذلك تشكل الخسارة والربح حافزاً إضافياً لمضاعفة المراهنة. بحسب الباحثة والأستاذة في مادة العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية أديبة حمدان، فإن البيئة التي ينحدر منها المراهنون متذبذبة جداً، تدفع المراهن للتعبير عن غضبه عبر ممارسة العنف تجاه ذاته. إن حالة المراهنة الجماعية، تكشف قراراً جماعياً لدى الأفراد بالهلاك والقضاء على أنفسهم لأن لا خيارات معيشية واقتصادية لديهم.
وتقول الباحثة إن النظام الاقتصادي في لبنان، يمارس العنف تجاه الفقراء، فالحد الأدنى للأجور لا يوفر أدنى شروط الحياة الكريمة، ولا يحصل جميع الفقراء عليه، إضافة إلى أن الفقير يعجز عن تأسيس حياته، أو الإقبال على الزواج، فهو أمام “بطالة، ويعاني من أزمة وجودية نتيجة انعدام قدرته في تحديد مكانته الاقتصادية في المجتمع، وأقصى أحلامه الحصول على الحد الأدنى للأجور، وهو سقف إنجازاته، لذلك نحن أمام مراهنين ينتمون إلى فئة اجتماعية من دون انجازات اقتصادية، وهذا مأزق اجتماعي خطير جداً”.
بالنسبة إلى الفقراء فإن المقامرة هي الرهان على شيء ذات قيمة، حتى لو كانت هذه القيمة متدنية جداً. إن مقامرة الشبان الأربعة على عشرة آلاف ليرة لبنانية، تعد ذا قيمة كبيرة، لأنهم قلما تمكنوا من الحصول على هذا المبلغ البسيط بسهولة، ومن هنا فإن مجازفتهم المالية، بحسب ما يشرحه البااحث أكرم زيدان في كتابه “سيكولوجيا المقامر”، تعكس سلوك المقامر الذي يقوم على المخاطرة والتضحية. لذلك تتحول اللعبة تدريجياً إلى إدمان مبني على أوهام ركيزتها الرغبة الجامحة في الربح المستمر واقتلاع الفقر نهائياً من الذاكرة ومن الواقع.
ومن هنا، يُولد المراهنون دوامة جديدة من الأزمات الاجتماعية، إذ يلجأ عدد منهم إلى امتهان السرقة أو الاحتيال لتوفير المال للمراهنة. ومن هنا تتشكل عقدة عنف جديدة، ويتحول الإدمان الذاتي إلى منبع للجريمة ضد “الآخر” المهيأ ليكون ضحية المقامر في حال قرر المقامر سرقة ماله أو تنفيذ عملية احتيال ضده.
“شهداء” الغدر
في ضاحية بيروت الجنوبية حيث تروج شعارات تمجد الشهادة وتنتشر صور “الشهداء”، هناك صنف خاص من هؤلاء “الشهداء”، لم تأكل أجسادهم الحرب، ولم تطحن عظامهم قذيفة مدفع ولم تدمر أرواحهم معركة طائفية محلية كانت أم إقليمية. يطلق عليهم لقب “شهداء الغدر”، ينتشرون في أكثر من مكان في ضواحي بيروت، ولهذا الصنف من الأموات روايات لعلها الأكثر حزناً، لأنهم ضحية بكل ما تحمله العبارة من معنى.
محمد (اسم مستعار) من “شهداء الغدر”، سكن منطقة حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية، وتوقف عمره عند الخامسة والعشرين عاماً، بعد أن قتله صديقه. روايات عدة تداولها أبناء المنطقة حول خلفية مقتله. وما جعل الفاجعة مضاعفة، أن الرصاصات الخمس التي أطلقها صديق محمد على جسده، حصلت على مرأى من والدة الضحية.
بعد عام من وفاته انتقلت أمه للسكن مع ابنها البكر في ألمانيا. حياة محمد كانت ممتلئة بالمراهنات، وقيل من جملة الروايات، إن الخلاف الذي قضى على حياته سببه ديون مالية لم يستطع سدادها، وكان يطمح لتحقيق الأموال عبر المراهنات غير أنه عجز عن إيفاء الديون بعد أن غدرته جولة رهانات أمل بأن يربحها، فخسرها.
ومن هنا تقول هبة خليفة: “إن المراهنات تشكل حلقة عنف، وتجهز آليات ارتكاب الجرائم الفردية، حتى أنها تضاعف فوضى التجمعات السكانية الفقيرة.”
لؤي شخص آخر تربى في ضواحي بيروت، وتوفي بذبحة قلبية منتصف أيار (مايو) من عام 2017. ينعته رفاقه بالشهيد أيضاً، حين كانت عائلته تتقبل العزاء، بَقِيت والدته تردد على مسمع الحاضرين: “أرجوكم أن تسامحوه، أصبح في ديار الحق”. إن طلب الغفران من الوالدة، استدركه الحاضرون، إذ كان الشاب يستدين الأموال ويرميها في المراهنات، وتوفي وفي ذمته الكثير من الديون التي لم يسددها لأصحابها.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني