الانتفاضة اللبنانية خارج وجدان الإعلام العربي

نوفمبر 14, 2019
من حسن حظ الانتفاضة اللبنانية أنها ما زالت على هامش انشغالات الإعلام العربي. قناة "الجزيرة" لم تتحول إلى قناة "الثورة" على نحو ما كانت هذه القناة في سوريا ومصر واليمن وغيرها، وقناة "العربية" ما زالت حذرة في تحويلها الانتفاضة إلى قصتها الرئيسية.

من حسن حظ الانتفاضة اللبنانية أنها ما زالت على هامش انشغالات الإعلام العربي. قناة “الجزيرة” لم تتحول إلى قناة “الثورة” على نحو ما كانت هذه القناة في سوريا ومصر واليمن وغيرها، وقناة “العربية” ما زالت حذرة في تحويلها الانتفاضة إلى قصتها الرئيسية. هذه الحقيقة هي أحد إنجازات الانتفاضة اللبنانية، ذاك أن التظاهرة في بيروت لا تغري شاشة تسعى وراء تحويل الثورات إلى مشهد لحى، ولا تجذب شاشة أخرى تريد توظيفها في مواجهة إقليمية لا يد لها فيها ولا رغبة. لهذا تماماً انكفأت هاتان الشاشتان عن انتفاضتنا، بينما توجهت الشاشة الإقليمية الثالثة، أي “الميادين”، إلى قصر بعبدا حيث يقيم الرئيس المحاصر بالمتظاهرين، وصارت شاشته، وهذا أيضاً فأل خيرٍ للانتفاضة ولأهلها.

والحال أن هذا الإعلام كان جزءاً من زمن فشل الثورات ومن آليات إجهاضها، والانتفاضة اللبنانية إذ نجحت في تفادي تحولها إلى مشهدٍ يغري هذه القنوات، لم يكن نجاحها هذا مصادفة. فـ”كلن يعني كلن” تشمل أيضاً نظام الإعلام الإقليمي، وهو وإن لم يشهر على نحو مباشر في وجه هذه الشاشات، إلا أن ممارسات التظاهرة اندرجت في سياق يخرج هذه الشاشات من منطقة جاذبية الانتفاضة. “قلة التهذيب” مثلاً، وهي أحد أشكال الانتفاضة على “تهذيب” السلطة وعلى لغتها، لن تجد في ثقافة “الجزيرة” صدى ومكاناً ومشهداً. هذا ليس تفصيلاً طفيفاً، فالانتفاضة في لبنان صدرت عن حساسية منفصلة تماماً عن تلك التي وظفت فيها “الجزيرة” حضورها وانتشارها. تولي النساء قيادة الانتفاضة وتحولهن إلى صوتها وصورتها يخلق في ثقافة “الجزيرة” وفي لغتها ارتباكاً لا تستطيع تداركه. وإذا كانت “العربية” أكثر تخففاً من خصمها القطري في تظهير المشهد الجندري للتظاهرة اللبنانية، فهي لا تستطيع النفاذ إلى أكثر من قشرة هذا المشهد، ذاك أن صوت المرأة في التظاهرة كان مرتفعاً وجارحاً ومُستهدِفاً من بين ما استهدف، ذلك التنميط الاستهلاكي لصورة المرأة. ثم أن لدى “العربية” مشكلة أخرى مع التظاهرة، فهي فعلاً خارج منطق الانقسام الذي تمثله المحطة في الإقليم، وهي غير معنية بالحرب بين الرياض وطهران، وقد يخرج من التظاهرة من هو مندد بالقصف السعودي للعاصمة اليمنية، وهذا ما حصل فعلاً وأكثر من مرة.

المقصود هنا ليس التغطية العادية واليومية للحدث اللبناني، فهذا يحصل على الأرجح، ولكن أن تصبح هذه القنوات العربية جزءاً من هذا الحدث على نحو ما حصل في دول الثورات العربية، فهذا كان سيحدث فارقاً ليس في مصلحة الانتفاضة. فـ”الجزيرة” كانت تلفزيون الإخوان المسلمين في مصر و”العربية” هي شاشة نظام السيسي، وفي ليبيا تتوزع المحطتان على طرفي الجبهة، وفي اليمن تنتقل كاميرات “الجزيرة” و”العربية” وفقاً لتبدل مواقع الرياض والدوحة من المقتلة اليمنية.

التظاهرة اللبنانية كشفت أن الحدث يمكن أن يكون حدثاً حتى لو لم تصنعه الشاشات الكبرى.

إعفاء الانتفاضة اللبنانية من هذه الأدوار هو دليل عافية سيحصن التظاهرة من احتمالات ما آلت إليه أوضاع الانتفاضات العربية، لكنه أيضاً يؤشر إلى ظاهرة أخرى هي هامشية الإعلام العربي في موجة الانتفاضات الثانية التي تشهدها دول مثل لبنان والعراق والجزائر والسودان، والتي أبدت مقاومة فعلية حيال تحول الانتفاضات إلى حروب أهلية، ذاك أن مناعة مكتسبة من التجارب المريرة أفضت إلى رفع منسوب الحساسية من تدخل قوى خارجية في محاولات التغيير، وإلى قناعة بأن التغيير لا يقتضي الإطاحة بالدولة وبالمؤسسات. فالسودان أطاح بعمر البشير وابتكر صيغة للعلاقة مع المؤسسة العسكرية، وفي الجزائر ثورة هادئة على النظام الذي أرسى الجيش قواعده، وهذه وجهة لا تألف شاشات مثل “الجزيرة” و”العربية” التعامل معها طالما أنها لا تندرج في سياق مواجهات موازية بين الدوحة والرياض أو بين الأخيرة وطهران.

التظاهرة اللبنانية كشفت أن الحدث يمكن أن يكون حدثاً حتى لو لم تصنعه الشاشات الكبرى. تونس، الدولة الناجية من مصائر الموجة الأولى من الثورات العربية، استدركت ثورتها احتمالات الشطط بعد أن صنعت لها “الجزيرة” مشهد الثورة الأول، فبادرت إلى إعادة تأليف صورة تونس بعد زين العابدين بن علي، وانكفأت المحطة القطرية بعد هزيمة حركة النهضة في الانتخابات، وتصدرت التجربة هموم لها علاقة بالدولة الحديثة وبحقوق المرأة وقوانين الإرث، وهذا يبقى خارج هموم “الجزيرة” وخارج فهمها للحدث.

الحدث اللبناني ينطوي بدوره على جفاء موازٍ لهموم الحدث كما تفهمه محطات الانقسام العربي، وهذا بدوره يعفينا من أن نكون هدفاً لكاميراتها.

الانتفاضة اللبنانية: جُعَب سلامة وبرّي ونصرالله الفارغة 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

عباس بيضون – كاتب وشاعر لبناني
في تأبين محسن ابراهيم يسعنا ان نؤبن مرحلة كاملة. بهذا المعنى كان محسن شخصية تاريخية، بل كان قادرا على ان يكون كذلك، لا في لحظات نشاطه الصارخ فحسب، بل ايضاً في صمته الأخير وانقلاب الأمور عليه.
محمد أبو رمان – باحث وكاتب ووزير أردني سابق
لا تختلف حالة الأردنيين عما تعيشه معظم دول العالم، إذ وقع عليهم فايروس “كورونا” كالصاعقة، ووجدوا أنفسهم للمرة الأولى منذ عقود طويلة أمام قوانين وأنظمة وسلوك غير تقليدي أو معتاد…
باسكال صوما – صحافية لبنانية
جريمة مقتل فلويد وما تبعها من تظاهرات في مدن أميركية عدة ومحاولات قمعها، أسلحة ستستثمرها إيران وسواها من الآن وصاعداً، فكلّما قال لها أحدهم: “بأي حق قتلتِ فلان أو فلانة؟”، سترد: “بالحق الذي قتل به جورج فلويد”.
إيلي عبدو – صحافي سوري
في تحوّل استذكار الكاتب اللبناني الراحل سمير قصير، رثاء وحسرة ومديحاً، تقليداً لدى عدد كبير من السوريين، انفصال حاد مع أحوال سابقة، معطوف على بلوغ أحوال جديدة غير مدركة بما يترتب على الإدراك، من أفكار وقناعات وتصورات.
باز علي بكاري – صحافي وكاتب كردي سوري
ليست الولايات المتحدة الاستثناء في المعاناة من مرض العنصرية. ولعله فعل مصادفة أو وحدة حال بين الفاشيين في العالم، أن يصلنا خبر قيام مجموعة من الشبان الأتراك بقتل شاب كردي لأنه كان يستمع لأغنية كردية.
مالك ونوس – كاتب ومترجم سوري
ليست الممارسات التي ينتهجها النظام المصري، سوى علامات على تحوُّلِ سلطته إلى قوة عدوان حلَّت محل “الدولة الوطنية”، التي حلم أبناء الدول العربية ببنائها بعد استقلالهم عن الدولة العثمانية، ومن بعدها عن الاستعمار الغربي.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني