الانتفاضة اللبنانية:”قلة تهذيب” المتظاهرين مقابل قلة ذكاء السلطة

الشتيمة هنا ليست "قلة تهذيب"، إنما مؤشر موازٍ أيضاً. هي تحدٍ لنظام "التهذيب"، ذاك أن الفساد أنشأ منظومته النفسية واللغوية التي وجب تحطيمها في التظاهرة. الحرب في التظاهرة كانت على لغة الفساد، وعلى تهذيبه وعلى تحويله الكلام إلى عملية تورية متواصلة.

في مقابل “قلة التهذيب” التي وصف بها سياسيون لبنانيون المتظاهرين في بلدهم، والمتظاهرون كانوا فعلاً قليلي التهذيب، أبدى السياسيون “قلة ذكاء” مبهرة أيضاً. “قلة تهذيب” في مقابل “قلة ذكاء”. التظاهرة في أحد وجوهها كانت منافسة بين هاتين القلتين، وفي الوقت الذي شكلت فيه “قلة التهذيب” مناسبة لتجاوز التهذيب الذي تفرضه سلطة فاسدة، كانت “قلة الذكاء” صورة عن صدأ خطاب هذه السلطة، وعجزها عن تجديد خطاب تواري به فسادها وفشلها.

التظاهرة كشفت أن “التهذيب” لم يكن أكثر من حاجة السلطة إلى مراوغة المواطنين. كانت هذه الوظيفة الرئيسية للتهذيب، ولهذا بدا أن الشتيمة كانت السلاح الأول للمتظاهرين. لم يكن بأيديهم سلاح آخر. فكيف يمكن أن تواجه سياسياً يريدك أن تصفق له لأنه كشف سراً بحجم أن الحرائق لا تصيب إلا غابات المسيحيين؟ أو وزيراً قرر أن يستوفي منك رسماً على محادثة “واتساب”؟ فأنت هنا أمام صفاقة لا يصمد أمامها تهذيب أو مواراة. لكنك أيضاً أمام غباء جعل يتخلل الصفاقة ويمتزج معها ليؤلف مركباً أخرج من التظاهرة جيلاً لم يسبق أن اختبر خطوط الانقسام التي لطالما حصنت الفاسدين البلهاء من سياسيينا، وهو، أي هذا الجيل، لا يشعر بأنه مضطر لأن يختبر خطوط انقسام لا تعنيه.

الشتيمة هنا ليست “قلة تهذيب”، إنما مؤشر موازٍ أيضاً. هي تحدٍ لنظام “التهذيب”، ذاك أن الفساد أنشأ منظومته النفسية واللغوية التي وجب تحطيمها في التظاهرة. الحرب في التظاهرة كانت على لغة الفساد، وعلى تهذيبه وعلى تحويله الكلام إلى عملية تورية متواصلة.

 

بالأمس، امتدت الخطب حتى آخر الليل. افتتح يوم الخطب حاكم المصرف المركزي رياض سلامة واختتمه النائب إبراهيم كنعان باسم “تكتل لبنان القوي”! وكنعان هذا شرع يستغيث من شرور التظاهرة التي لا تريد أن تصدق أن الكتلة العونية هي من حمل لواء مكافحة الفساد منذ يومها الأول في البرلمان. هل يعقل ألا يصدق المتظاهرون هذا؟ فلدى الرجل مئات الوثائق التي تثبت ذلك! هذه هي اللغة المحصنة بالتهذيب، وشديدة التماسك التي قررت السلطة مواجهة المتظاهرين بها. هذه هي الأجوبة على أسئلة التظاهرة، وعلى شتائمها. يوم الإثنين، كان يوم أجوبة السلطة ويوم هلعها، ويوم كشفها عن منسوب ذكائها وفسادها… وتهذيبها.

رئيس مجلس النواب نبيه بري بدأ محاربة الطائفية منذ عام 1963، وأمين عام “حزب الله” حسن نصر الله استبشر خيراً بـ”الحراك”، ذاك أنه سيصوب أي خطط فساد في المستقبل، وحاكم المصرف طمأن الناس على ودائعهم! والغريب في نهار العرض المتلفز هذا أن أحداً لم يلتقط من لغة التظاهرة إلا “قلة تهذيبها”، ولم يلفته فيها ما خلفته في عبارته من عجزٍ وقصور. لم يلاحظ أمين عام “حزب الله” أن طرابلس نزعت صور السياسيين، ولم يشعر إبراهيم كنعان بأن “تكتل لبنان القوي” هو السلطة، وأن الفساد، الذي يريد من المتظاهرين أن يقفوا خلف تكتله لمحاربته، وصل إلى ذروته حين وصل تكتله إلى الحكم.

الشتيمة هنا ليست “قلة تهذيب”، إنما مؤشر موازٍ أيضاً. هي تحدٍ لنظام “التهذيب”، ذاك أن الفساد أنشأ منظومته النفسية واللغوية التي وجب تحطيمها في التظاهرة. الحرب في التظاهرة كانت على لغة الفساد، وعلى تهذيبه وعلى تحويله الكلام إلى عملية تورية متواصلة. لكي تحصل على تعويضك في الضمان الاجتماعي عليك أن تلجأ إلى مسؤول فاسد ومهذب تدفع له أجور تسريع المعاملة، ولكي تُخرج حاوية وصلتك إلى مرفأ بيروت، عليك أن تعتمد على “مخلص معاملات” بالغ التهذيب وبالغ النفوذ وبالغ الفساد.

علينا هنا أن نسترجع صور الفاسدين في نظام حياتنا اليومي. هل سبق أن صادفت فاسداً غير مهذب؟ قلة تهذيبه ستفضحه، فيما التهذيب سلاح ضروري ليسرق منك أكثر. وعلى هذا النحو، نشأت لغة وجب تكسيرها، وهذه اللغة تحولت إلى لغتنا كلنا نحن جيل الانقسام والتسليم بهذا التوازن، وجيل الخائفين من السلطة ومن السلاح ومن غضب الفاسدين. وفي هذا الوقت، كان جيل آخر يتشكل في غفلة منا، تماماً كما في غفلة من الطبقة التي تحكمنا. جيل لا يشعر بأنه معني بأن يكون مهذباً، وأن الخلل الطفيف وغير الطفيف تجب مواجهته بإحداث خلل مواز في منظومته وفي لغته، وهنا ظهر فارق كشف هشاشة خطاب التهذيب، وهذا تماماً ما لم يستوعبه خطباء يوم الإثنين، فهؤلاء توجهوا إلى من سبق أن خضعوا لسلطة “تهذيبهم”، توجهوا إلينا نحن الذين اندرجنا في انقسامهم، وقبلنا أن نكون قطعاناً في 8 و14 آذار.

 بالأمس كنا نحن المُخَاطبين، بينما كانت التظاهرة في مكان آخر تماماً. نحن الذي لم يسبق لنا أن نجحنا في منع انعقاد جلسة لمجلس النواب، وكنا حين تنهال العصي على رؤوسنا نعود إلى منازلنا ونقبل بحقيقة أننا الأضعف. أما متظاهر اليوم فهو غير معني بخوفنا. انهالت العصي على رأسه، لكنه ما لبث أن عاد إلى الساحة، وعطل الجلسة النيابية ولم يستمع إلى خُطب الرؤساء، ذاك أنه not interested. 

الانتفاضة اللبنانية: جُعَب سلامة وبرّي ونصرالله الفارغة 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

شربل الخوري – ناشط سياسي لبناني
مجدداً وتحت ستار غطاء اجراءات الحجر ومنع التجول، باغتت القوى الأمنية عدداً من الناشطين لأنهم تجمهروا لانتقاد استمرار المصارف في “حجر” أموال المودعين.
سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصري
في الظروف العادية، قد تقرر الانقطاع عن الناس لأيامٍ لسببٍ أو آخر، ربما لا تغادر خلالها بيتك. لكن هذا اختيارك، الشعور مختلفٌ تماماً حين يُفرض عليك الأمر. فما بالك إن كان السجان جرثومة لا تُرى!
أسعد حنّا – صحافي سوري
هل ستقوم الأمم المتحدة بإيقاف تعداد ضحايا “كورونا” لكثرتهم وصعوبة الإحصاء والاكتفاء برقم 100 ألف مصاب كما فعلت بوقف تعداد ضحايا سوريا؟
حسن الحفار – باحث لبناني في علم الألسنية
لا يمكنك أن تنقل قطاعاً بالأساس يفتقد إلى المساواة بين المناطق والتلاميذ وأحوالهم الاقتصادية والاجتماعية، إلى شاشات “اللابتوب” و”الايباد” والانترنت الثابت والسريع.
حسن الحفار – باحث لبناني في علم الألسنية
كأن “كورونا” جاء بقدرة كونية كوزمية حجةً على طبقٍ من ذهب، للمتعطشين لقمع الناس كل فترة وأخرى، بحجة الثورة وبسبب تعطيل البلد، والآن من أجل سلامة البلد وأهله
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
“داعش” قضى ومضى على نحو ما تفعل الفايروسات. استمر مقيماً في مكانٍ ما بعد أن فعل ما فعله، وقتل ما قتله. “كورونا” يتوقع له العلماء مساراً مشابهاً.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني