الانتفاضة اللبنانية: جُعَب سلامة وبرّي ونصرالله الفارغة 

لا يبدو أن لدى أحدٍ شيئاً ليقوله لنا. كان يوم انتظار طويل. بري وسلامة ونصرالله. كل هؤلاء لا شيء يقولونه عن تشكيل الحكومة، ولا قبولهم أو رفضهم لنماذجها وأشكالها، وحديثهم عن الإفلاس حمل قدراً من الاستخفاف بعقول المحتجين، وكشف عن المزيد من القطيعة بينهم وبين جيل الانتفاضة...

وفي الخطاب الرابع لم يقل أمين عام “حزب الله” حسن نصرالله شيئاً يستحق الانتظار! نصح اللبنانيين بالاستعاضة عن الولايات المتحدة الأميركية بالصين، واستبشر خيراً باكتشاف إيران حقل نفط عملاقاً، ورحب بخطاب الزعيم اليمني عبد الملك الحوثي وما خلفه هذا الخطاب من رعب في تل أبيب.

قبل السيد حسن بنحو ساعة كان اللبنانيون على موعد مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، الذي بدوره لم يضف فكرة واحدة تساعدنا على فهم وضعنا المالي. قال إن لا “capital control” في وقت نعرف جميعاً أن هناك “capital control” قوياً. وقال إن احتياط مصرف لبنان من العملة الأجنبية يبلغ نحو 38 مليار دولار، وهذا الرقم يشكك به أصغر مصرفي في لبنان. وبين السيد والحاكم أطل رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري في لحظة عزيزة على قلوب اللبنانيين لم يشهدوا مثيلاً لها منذ عقود وعقود، وأبلغهم بتأجيل الجلسة النيابية التي كان مزمعاً عقدها صباح الثلثاء، لأسباب أمنية، فأطاح بري بفيديو كنا بصدد إعداده عن خرق المجلس الدستور في مسألة عقد الجلسة.

إنه “إثنين الخطب”، على نحو ما كان يوم الأحد الفائت “أحد الإصرار”. إثنين الخطب الذي لم يجد فيه الخطباء في جعبهم ما يقولونه لمخاطبيهم. نصرالله استبشر خيراً بحقل نفط إيراني، وسلامة طمأن إلى ملاءة المصارف وبري قال إنه مع  المتظاهرين منذ عام 1963. لماذا إذاً هذا الإصرار على ملازمة المنابر؟ السلطة تعيش لحظات هذيانية على ما يبدو. تريد أن تخاطب الشعب، تريد أن تقول ما هي عاجزة عن قوله ربما. علينا أن نذهب إلى ما تضمره العبارات، وإلى ما تنطوي عليه المشاهد. البلد على شفير الإفلاس، ومن غير المنطقي ألا يلقي الخطباء كلمات عن هذا الإفلاس. الخطب الثلاث كشفت في تعاقبها إفلاساً موازياً، وكشفت مرة أخرى انفصالاً عن الواقع. وجوه الخطباء حملت هذه المرة بعضاً من الأسى والخوف، وما تجوالهم بين العبارات عديمة المعنى والدلالة سوى صورة عن هاوية يشعرون بأنهم على أبوابها.

 

حين قال السيد نصرالله إن “الحراك” أعطى الطبقة السياسية درساً لن تتمكن بعده من حماية فاسد واحدٍ، أخرج الفاسدين من هذه الطبقة، وجعلهم جزءاً من منطقة حمايتها، وهذه المنطقة قد تتسع لتشمل المتظاهرين، لكنها لن تضيق لتحاصر أركان النظام.

 

لقد كف الخطباء عن اتهام الانتفاضة بالتسبب بالكارثة. كف غيرهم أيضاً عن ذلك. “كلن يعني كلن” اعترفوا بأن ثمة من يقف خلف الكارثة، وهؤلاء ليسوا من بين المتظاهرين. محاولة التهويل الأخيرة حصلت قبل يومين وفشلت. تولاها الشقيقان الإعلاميان مارسيل وجورج غانم، حين حذرا المتظاهرين من أن الحرب الأهلية آتية على متن التظاهرة، وأن كل الحروب الأهلية في لبنان بدأت بتظاهرات مطلبية! اعتذر جورج غانم من اللبنانيين، لكنه لم يشرح لهم كيف أن الحرب في لبنان بدأت بتظاهرة صيادي السمك. واليوم أيضاً كان نصرالله واحداً من المتظاهرين، ولم يشر إلى دعم السفارات، بينما سبقه رئيس المجلس إلى التظاهرة بفترة زمنية تتجاوز السبعة عقود.

رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري كان سبق الجميع إلى الساحة. المتظاهرون تجمعوا أصلاً في ساحة أنجزها متعهد من معاونيه، وهذا وحده كاف للقول إنه من أهل الساحة. والتظاهرة كانت أصلاً سرقت شعاراتها من قاموس أعده الوزير جبران باسيل، وهذا الأخير اعتذر من والدته عن شتائم تسبب لها بها، تلفظ بها أخوته المتظاهرون، وهو ربما يكون اليوم خطيباً رابعاً على ما رشح في الـ”سوشيل ميديا”.

إذاً لم يبق أحد في دائرة الشكوك سوى المتظاهرين أنفسهم. هم الفاسدون، وهم “كلن يعني كلن”، والانهيار والإفلاس آتيان بسبب ما ارتكبوه من سرقات وما أهدروه من أموال. وحين قال السيد نصرالله إن “الحراك” أعطى الطبقة السياسية درساً لن تتمكن بعده من حماية فاسد واحدٍ، أخرج الفاسدين من هذه الطبقة، وجعلهم جزءاً من منطقة حمايتها، وهذه المنطقة قد تتسع لتشمل المتظاهرين، لكنها لن تضيق لتحاصر أركان النظام.

لا يبدو أن لدى أحدٍ شيئاً ليقوله لنا. كان يوم انتظار طويل. بري وسلامة ونصرالله، وربما سمير جعجع وجبران باسيل. كل هؤلاء لا شيء يقولونه عن تشكيل الحكومة، ولا قبولهم أو رفضهم لنماذجها وأشكالها، وحديثهم عن الإفلاس حمل قدراً من الاستخفاف بعقول المحتجين، وكشف عن المزيد من القطيعة بينهم وبين جيل الانتفاضة الذي بإمكانه الوصول إلى المعلومات عن الشركات الصينية التي نصح بها نصرالله اللبنانيين، وبإمكانهم معرفة أن الـ capital control تمارسه المصارف، وما نفاه سلامة ليس سوى مزحة غير موفقة من حاكم المصرف المركزي.

وبهذا المعنى، وحده رئيس مجلس النواب، من قال شيئاً في هذا اليوم. الجلسة التشريعية تم تأجيلها، وهذا إنجاز آخر تم تحقيقه تحت ضغط الشارع.

مرتكزات أداء الأحزاب الحاكمة لمواجهة انتفاضة اللبنانيين  

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

بوناصر الطفار – كاتب ومؤدي راب لبناني
مهما علا صوت التطبيل لن يغطّى على أنين أهلنا المكتوم في فراشهم ليلًا. دولتنا قذرة يحكمها القذرون. حكومتنا ستبقى مهما فعلت وأنجزت مجرّد إفراز رديء من إفرازات النظام السياسي الطائفي في لبنان
زياد ماجد – كاتب وأستاذ جامعي لبناني
أنتروبولوجيا هذا المرض والسلوكيات والعلاقات ذات الصلة به وبانتشاره ستُظهر لنا في المستقبل الكثير من الأمور، وهنا بعض من النقاش حولها …
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
إنه وقت مثالي للحكومات الضعيفة الفاسدة لتفعل ما يحلو لها ولتجترح المزيد من السلطة بينما يصرف مواطنوها وقتهم وجهدهم لتوفير الحماية والطبابة والأمن والتكيف النفسي مع العزل والانكفاء.
زكي بيضون – استاذ جامعي
قد تكون أزمة الجائحة ما زالت في بدايتها، لكن من المؤكد أن تفاوتاً هائلاً ظهر بين مسارها في الشرق الآسيوي ومسارها الموازي في الغرب
زياد توبة – كاتب لبناني
كلّما تحرك فايروس “كورونا” أكثر، توقَّف العالم عن الحركة، وبالتالي توقَّف عن التقدم المزعوم.
شربل الخوري – ناشط سياسي لبناني
مجدداً وتحت ستار غطاء اجراءات الحجر ومنع التجول، باغتت القوى الأمنية عدداً من الناشطين لأنهم تجمهروا لانتقاد استمرار المصارف في “حجر” أموال المودعين.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني