سجن صيدنايا: 400 شهادة جديدة تكشف عن آليّات الاعتقال والحياة ما بعده

بعد سلسلة من التقارير التي تناولت مراكز الاعتقال وفظاعة ما تخفيه خلف جدرانها وتحت أرضيّتها، يشعر الإنسان وكأنّه تعب من زيارة تلك المشاهد المضنية التي لا يحتمل العقل تصوّرها، وربّما يفضّل الانكفاء عن المتابعة. لكن وسط مساعي الانسحاب هذه، تأتي أصوات 400 معتقل سابق في سجون النظام السوري لتعيد إلى القضيّة زخمها...    

بعد سلسلة من التقارير التي تناولت مراكز الاعتقال وفظاعة ما تخفيه خلف جدرانها وتحت أرضيّتها، يشعر الإنسان وكأنّه تعب من زيارة تلك المشاهد المضنية التي لا يحتمل العقل تصوّرها، وربّما يفضّل الانكفاء عن المتابعة. لكن وسط مساعي الانسحاب هذه، تأتي أصوات المُعتقَلين السابقين والحاليّين في سجون النظام السوري لتعيد إلى القضيّة زخمها وتهزّ ضمائر المعنيّين.

استطاع 400 معتقلٍ ناجٍ من سجن صيدنايا بشهاداتهم التي تشمل الفترة الممتدّة بين آب/أغسطس 1980 ونيسان/أبريل 2017 أن يساهموا مع “رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا” في توثيق إجراءات الاعتقال والتغذيب، آملين أن يصبّ التوثيق الحثيث في خدمة آليّات تحقيق العدالة وأي محاكمات قضائيّة مستقبليّة لمرتكبي الانتهاكات من مسؤولين وضبّاط في فروع أمنيّة تابعة لنظام الأسد.

يتميّز “الاحتجاز في صيدنايا: تقرير عن إجراءات وتبعات الاعتقال”، الذي أطلقته الرابطة في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، بأنّه مكمّل لتقارير حقوقيّة سابقة صدرت ووثّقت ممارسات نظام الأسد الترهيبيّة والعنفيّة، لا سيّما بعد ثورة عام 2011. لكنّ التقرير يذهب أبعد من ذلك إذ يستند في صفحاته إلى عدد أكبر من الشهادات وعيّنة أشمل من الناجين الذين اعتُقلوا قبل الثورة وبعدها ويقارن بين مرحلتَي حكم الأسد الأب وحكم الأسد الابن، ليثبت أنّ وصول بشار الأسد إلى الحكم ترافق بالفعل مع ازدياد ملحوظ في عمليات الاعتقال، حتى قبل اندلاع الثورة السورية. كما يوسّع التقرير دائرة البحث ليشمل كلّ إجراءات الاعتقال، بالإضافة إلى تبعاته الصحيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة وآثاره في حياة المعتفلين وعائلاتهم قبل الخروج من السجن وبعده. علاوةً على ذلك، يقدّم التقرير تفاصيل أكثر دقّة عن أنماط التعذيب التي تعرّض لها الرجال المُعتقلون، بما فيها التعذيب الجنسي في أماكن الاحتجاز، ويبرز حجم الضرر الشخصي الذي ألحقته تجربة الاعتقال بالناجين.

في هذا الإطار، يقول دياب سرية، المنسّق العام “لرابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا” إنّها “المرّة الأولى التي يتم فيها الوصول إلى هذا العدد من المعتقلين السابقين في سجن صيدنايا. فلربّما كانت أساليب النظام السوري في الاعتقال والإخفاء القسري معروفة لدى بعض السوريّين، لكن هذا التقرير يوضح بالأرقام والشهادات كيف استخدم النظام آليّات الاعتقال والإخفاء القسري كوسيلة من وسائل الحرب على المجتمع السوري”.

تعتيم وتعذيب ومصادرة أملاك

يوضح التقرير الأخير كيف تسارعت وتيرة الاعتقال، الذي كان أشبه بعمليّة اختطاف، بعد العام 2011، ويؤكّد أنّ 90% من المعتقلين الذين تمّت مقابلتهم تعرّضوا لشكل من أشكال التعذيب داخل السجن أو في الفروع الأمنيّة التي مرّوا بها، من ضرب وتعنيف وممارسات إذلال نفسي وجنسي وتعذيب عبر وضعيّات قاسية مثل “بساط الريح” و”الشبح” و”الدولاب” وغيرها.

في ما خصّ الانتهاكات الجنسية، لحظ التقرير أنّ هذا الشكل من العنف ازداد ارتكابه بشكل كبير بعد الثورة، ومن المرجّح أنّ تكون النسبة الفعليّة لضحاياه أعلى من نسبة الـ29،7% الموثّقة، كون المسألة حساسّة جدّاً للكثير من الرجال الذين يميلون إلى تجنّب إثارتها خوفاً من الوصمة والإذلال.

بحسب معدّي التقرير، إنّ الهدف من اللّجوء لأنواع التعذيب بعد عام 2011 كان “ترك آثار جسدية ملحوظة ترافق المعتقل لفترة طويلة بعد خروجه، بغية بثّ الرعب في المجتمعات المحليّة الثائرة”، ومن بين هذه الآثار: “سلخ الجلد، وسكب ماء مغلي، والكي بأدوات حارقة، وتشويه الوجه والأجزاء الظاهرة من الجسم، والحرمان من الأكل”. وقد تعرّض ثلاثة أرباع مُعتقلي ما بعد الثورة للممارسة الأخيرة، “بينما كانت بحدود النصف بين معتقلي ما قبل الثورة في فترة الابن، وحوالي الثلث في عهد الأب”.

إلى ذلك، غالباً ما كان يتعرّض المعتقلون إلى الحرمان من التواصل مع العالم الخارجي، إلا في حالات معيّنة أدّى فيها الابتزاز المالي للأهالي والرشاوى المدفوعة للوسطاء والمحامين وبعض القضاة دوراً في تمكين أفراد أسرة الشخص المُعتقَل من زيارته أو معرفة مصيره، من دون أن يعني ذلك أي ضمانة في الوصول إلى نتيجة. وبحسب ما جاء في التقرير، “فقد دفع أكثر من نصف المعتقلين أو أهاليهم في عهد الأسد الابن قبل الثورة مبالغ بهدف الحصول على معلومات عن مصير المعتقل أو الزيارة. وبعد الثورة، دفعت أكثرية المعتقلين من أجل ذلك (67.9%).”

ومن الممارسات التي لفت التقرير الانتباه إليها وعادةً ما تغفل التقارير عنها، لجوء الأجهزة المتكرّر إلى الحجز على أملاك المعتقلين ومصادرتها بعد الحجز على حريّتهم، ليخرجوا من السجن، إذا حالفهم الحظّ وخرجوا بعفو عام، ويجدوا أنهم خسروا كلّ شيء، بما فيه منازلهم وأموالهم وأعمالهم.

محاكم الميدان العسكريّة الأكثر بطشاً

شهدت الغالبيّة الساحقة من المعتقلين على التعتيم الممنهج على أسباب الاعتقال، ومدّة المحكوميّة المنوي تنفيذها، وهويّة الجهة منفّذة الاعتقال. وبحسب التقرير، فإنّ “96% من معتقلي ما بعد الثورة قالوا إنه لم يتم إبلاغهم بمدّة حكمهم، وهذه النسبة كانت بحدود 22.2% قبل الثورة. وفقط حوالي 11% من المعتقلين السابقين قالوا إن الجهة التي اعتقلتهم عرّفتهم بنفسها لحظة الاعتقال”. يبتيّن أنّ في معظم الحالات التي شملها البحث، كانت الفروع الأكثر نشاطاً في مجال الاعتقال/الاختطاف فرع التحقيق العسكري، وفرع شؤون الضبّاط، وفرع فلسطين، وهي فروع أمنيّة تابعة لشعبة الاستخبارات العسكريّة السوريّة المسؤولة عن ثلاثة أرباع حالات الاعتقال.

إلى ذلك، يسجّل التقرير ارتفاعاً في عدد ضحايا محكمة الميدان العسكرية في سجن صيدنايا من 24،3% قبل 2011 إلى 87،6% بعدها، مع الإشارة إلى أن حوالي 6،5% فقط من المعتقلين في صيدنايا تمّ عرضهم على محكمة الإرهاب، وأكثر من ثلثهم تمّت محاكمتهم في محكمة أمن الدولة العليا.

ما بعد السجن

يُظهر التقرير في محصّلته أن ببساطة لا حياة طبيعيّة بعد الخروج من السجن. فأكثر من ثلث الناجين من الاعتقال قالوا إن إصابتهم الجسدية أثّرت في قدرتهم على متابعة حياتهم كالمعتاد. وربعهم أكّدوا أنّ الضرر النفسي ظلّ يرافقهم بعد الاعتقال، وكان يتفاقم بفعل الوحدة، بخاصّة في صفوف المعتقلين غير المتزوّجين. غالبيّة الأشخاص الذين شملهم البحث خسروا عملهم من دون أن يحصلوا على أي تعويضات واستحال عليهم الانخراط مجدّداً في سوق العمل، أو الاستفادة من أرزاقهم وأموالهم ذلك أنّها وفي أكثريّة الحالات (62،3%) صودرت من دون وجود أي حكم بذلك.

يشعر المعتقلون السابقون أنّهم حرفيّاً فقدوا كلّ شيء، بانتظار مَن يلتفت إلى معاناتهم ويعوّض عليهم بعضاً من حقوقهم المسلوبة خلال الاعتقال وبعده على يد نظام “ابنٍ” حقّق تفوّقاً لافتاً على نظام أبيه في البطش والشراسة.

 

للجدران آذان: وثائق أمنيّة سوريّة بقبضة الشعب

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

مايا العمّار- صحافية لبنانية
في استدعاء نضال أيوب ما يُنبئ بتكريس المزاجيّة القضائيّة نهجاً والتموضع مع النافذين وجهةً، على قاعدة هيا نستدعي الأعزل في وجه الشبكة، والأضعف في وجه الأقوى، والثورة في وجه السلطة.
ريد مطر – صحافية مصرية
سكب الطلاء على وجه جمال عيد لا يعني سوى ضيق السلطات الأمنية من نفسه الطويل وإصراره على التمسك بمهماته كمحامٍ حقوقي.
“درج”
قررت السلطة أن تستدعي الأمين بتهمة شتمه مصرفياً قامر مع المصرف المركزي بمدخرات الناس، وجنى فوائد وأرباحاً صرف جزءاً منها في رحلات صيدٍ بري في أفريقيا، ولم يخجل من التقاط صور لنفسه مبتسماً أمام الحيوانات القتيلة.
زينة علوش – خبيرة في السياسات الرعائية
يوجد مؤشرات عالمية خطيرة تؤكد تعرض الأطفال في المؤسسات الرعائية إلى شتى أنواع الاستغلال. ناهيك بالعنف والتحرش، وصولاً إلى الاتجار لأغراض التبني.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
هناك “بروفايل” لغير ثائر، يرمي المصائب كلها على رأس انتفاضة اللبنانيين، من الوضع المالي والمعيشي مروراً بعدم تشكيل حكومة وصولاً إلى حروب المغول وصراغ الغساسنة والرومان مع الفرس الساسانيين.
ترجمة – The Guardian
كان دونالد ترامب على وشك إنشاء مبنى إداري في نيويورك وطلب من سوروس أن يصبح أكبر المستأجرين له. كان سوروس في ذلك الوقت من أنجح المستثمرين، لكنه قال لترامب إنه ببساطة لا يستطيع تحمل تلك التكلفة. يقول سوروس مبتسماً، “قلت له ذلك لأنني لم أكن أحبه”.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني