أبحث عن شقة في بيروت

البحث عن شقة في بلادنا ليس بالسهولة التي يظنها البعض. أسئلة غريبة عجيبة طُرحت علي في يوم وليلة. مثلاً: لماذا لا تسكنين مع أهلك؟ هل أنتنّ لبنانيات؟ كلّكنّ؟ أربع صبايا غير مرتبطات؟ من أين أنتنّ؟

مضى يوم وليلة وأنا أبحث عن شقة لأسكنها مع صديقاتي الثلاث، بعدما قررت مغادرة مسكن الفتيات حيث أنا منذ سنوات. المسألة صعبة عاطفياً، فمن حيث لا ندري نحن نتعلّق بالأمكنة وبتفاصيلها التافهة، الأرضية، الشبابيك، مناشر الغسيل، الصحون المزركشة، الفتيات المتعبات والمقهقات في غرفة الجلوس مساءً والمستعجلات صباحاً. أحاديثنا ومعاناتنا وعيوننا المحتاجة إلى عاطفة ودفء. لا أحد يعرف المعاناة إلا من يعيشها.

مضى يوم وليلة وأنا أدور حول نفسي ولا أجدها. أشعر بأنني مشرّدة فعلاً. لكن البحث عن شقة في بلادنا ليس بالسهولة التي يظنها البعض، أي أن يدخل الواحد إلى أحد المواقع المختصة ويجد ما يريده ويدفع الإيجار وينقل أغراضه. أسئلة غريبة عجيبة طُرحت علي في يوم وليلة. مثلاً: لماذا لا تسكنين مع أهلك؟ هل أنتنّ لبنانيات؟ كلّكنّ؟ أربع صبايا غير مرتبطات؟ من أين أنتنّ؟ ما الذي أتى بكنّ إلى هنا؟ ماذا تعملن؟ الأعمار؟

في كل مرة كان عليّ أن أروي قصة حياتي وأن أؤكد أنني وصديقاتي فتيات محترمات تركنا قرانا لنعمل في العاصمة. حتى أن إحداهنّ ظلّت تدوّر الزوايا لتعرف طوائفنا. صديقتي وهي في سلك الدرك، قالت لي حين أخبرتها: “قوليلن معنا دركية بركي بيطّمنوا!”.

هل علينا حقاً طمأنة الناس طوال الوقت إلى أننا مهذّبات وغير متفلتات أخلاقياً؟ أفكر إذا ما كان علي أن أحمل ورقة حسن سلوك وسجلاً عدلياً وإخراج قيد عائلياً ودفتر شجرة العائلة في لبنان والمهجر وورقة راتب وشهادة جامعية، حتى أستطيع أن أستأجر شقة. أفكر بالرقابة الاجتماعية التي تلاحقنا نحن النساء، وإن كان صاحب الشقة سيداهمنا من وقت إلى آخر ليتأكد من هوية زوّارنا مثلاً وألوان بيجاماتنا وعدد الفساتين في خزائننا والرسائل التي تصلنا وتلك التي لا نردّ عليها، ويسألنا بكل وقاحة: لماذا؟

في كل مرة كان عليّ أن أروي قصة حياتي وأن أؤكد أنني وصديقاتي فتيات محترمات تركنا قرانا لنعمل في العاصمة.

كل ذلك لأستطيع استئجار شقة ولا أنام في الشارع لأن بيت عائلتي بعيد من مكان عملي!

أحدهم بعدما أنهى التحقيق الدولي، قال لي: “دوموازيل أنا عقلي أوروبي. كل واحد حرّ بحياتو”. لكنّ “المسيو” اختفى كلياً بعدما أقفلنا الخط.

عانيت دوماً من هذه الرقابة غير المبررة على خصوصيتي، بحجة أنني فتاة مستقلة ولا أسكن مع عائلتي الحبيبة، كنت أعتقد أنّ شيئاً ما تغيّر أو أن الناس مختلفون، لكنني كنت مخطئة. كنت أتمنى لو أنّ ظروف البلاد لم تجبرني على هذا التشرّد والنزوح إلى مكان بعيد من بيتي، لكنّ حالي كحال كثيرات وكثيرين، تركوا كل شيء ليبحثوا عن حياة أخرى. سألني صديق إن كنت سأنزل إلى التظاهرة اليوم لتغيير النظام الفاسد، فليخبره أحد أنني منشغلة بانتفاضة خاصة جداً لإيجاد شقة أستأجرها في بيروت أو ضواحيها…

إلى باسكال صوما: الحياة من فوق 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نور الدين حوراني – كاتب سوري
أتحدث عن الشعور الّذي فقدته في سوريا، ووجدته في لبنان. ولا أعظم من ثورة 17 تشرين، الّتي أعادت إليّ ثقتي بنفسي كإنسان، حين كنت أتابعها، وأبحث فيها عن كلّ شيء، ظل حسرة في قلوبنا كسوريّين، لأنه لم يتحقّق في ثورتنا.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني