fbpx

فيكشن: انتصار حمدين صبّاحي في 2014 على عبد الفتّاح السيسي

بفارق 412 صوتاً فقط فاز المرشّح الناصريّ حمدين صبّاحي على مرشّح القوّات المسلّحة عبد الفتّاح السيسي. النتيجة جاءت مفاجأةً صاعقة لم يتوقّعها أحد في مصر ولا في خارجها: السيسي رسب في هذه المنافسة الديمقراطيّة بعدما قدّم نفسه وقدّمه الإعلام الرسميّ، منذ انقلابه على أوّل رئيس منتخب في تاريخ مصر، بوصفه المخلّص...

شاشة التلفزيون المصريّ انشطرت نصفين في سهرة ذاك اليوم الطويل، 29 مايو / أيار 2014.
بفارق 412 صوتاً فقط فاز المرشّح الناصريّ حمدين صبّاحي على مرشّح القوّات المسلّحة عبد الفتّاح السيسي. النتيجة جاءت مفاجأةً صاعقة لم يتوقّعها أحد في مصر ولا في خارجها: السيسي رسب في هذه المنافسة الديمقراطيّة بعدما قدّم نفسه وقدّمه الإعلام الرسميّ، منذ انقلابه على أوّل رئيس منتخب في تاريخ مصر، بوصفه المخلّص.
نصف الشاشة الذي أُعطي للمرشّح المهزوم بدا بالغ الكآبة لكنّه أيضاً كان مثيراً للهزء والسخرية. عبد الفتّاح السيسي، وقد فقد كلّ سيطرة على نفسه، غادر المكتب الذي كان مقرّه الرئيسيّ لإدارة حملته الانتخابيّة، ونزل إلى الشارع وهو يتمايل بقوّة إلى اليمين وإلى اليسار كأنّه في حالة سُكر شديد. على درج المبنى، نزع سترته وقميصه بكثير من الغضب ورماهما أرضاً قبل أن يتكوّم بجثّته على حافّة الرصيف. لقد بدا منهاراً تماماً، يلطم وجهه، وبين وقت وآخر يبكي من دون أن يجد محرمة يمسح بها دموعه، إذ المحرمة بقيت في سترته المرميّة على الدرج.
الذين كانوا يمرّون به لم يفهموا: هل هو السيسي فعلاً؟ بطل 30 يونيو/ حزيران وقائد الجيش السابق الذي كانت التوقّعات كلّها تشير إلى أنّه سيكون رئيس جمهوريّتهم؟ “هذا غير معقول، أكاد لا أصدّق عينيّ”، قال أحد المارّة. “الراجل دا تجنّن”، قال آخر. محلّل سياسيّ كان قد جزم بأنّ المؤسّسة العسكريّة لن تتدخّل في نتائج الانتخابات ولن تلجأ إلى الوسيلة الانقلابيّة كائنة ما كانت النتيجة.
مع اقتراب الكاميرا من المرشّح المهزوم، أمكن التقاط بعض العبارات المتقطّعة التي كان يردّدها بصوت تكاد تخنقه الآهات والبكاء: “والله أنا بَحبّ مصر. أنا بَعبَد مصر. أحلف بِسَماها وبترابها. أنا وصُغيَّر طلبت من ربّنا يدّيني مية مليون دولار أوزّعها على الغلابة الطيّبين. مية مليون جنيه ما ينفعش. ربّنا قال لي: حادّيك يا عبد الفتّاح (…) الحمد لله أمّي ماتت وما شافتشي الحال اللَنا فيها اليوم. أقول إيه لمراتي. لولادي (…) أنا عملتِ إيه يا ربّ؟! عملتِ إيه؟ (…) لازم يكون ربّنا مع الإخوان المسلمين. مع محمّد مرسي. دي إرادة ربّنا. لازم ربّنا سبحانه وتعالى انتَقم منّي عشان الانقلاب بتاعي على مرسي. مرسي هوّا اللي رفّعني في الجيش. سامحني يا ربّ. لازم أتوب واكفّر عن ذنوبي وانضمّ للإخوان. عملتِ إيه يا عبد الفتّاح في رابعة، عملتِ إيه؟ (صوت بكاء عنيف) (…) لازم أحجّ تاني إلى مكّة المكرّمة. حجّ واحد ما ينفعش…”.
ومن دون تمهيد، ظهر ضابط كبير يُرجّح أنّه قريب من السيسي. إنّه سامي عنان الذي ركّزت الكاميرا على وجهه الغاضب: “دا عيب اللي بتعملو بنفسك يا عبد الفتاّح. البسْ هدومك يا أخي. خلاص بُكا ونواح. احتراماً لمؤسّسة الجيش اللي انتا جيت منها. احتراماً لعائلتك. لشخصك. خلاص بقى…”. ومضى عنان يوبّخه ويكرّر ما يقوله له على نحو بات مضجراً، فيما بقي السيسي جالساً مكانه لا يتزحزح يهزّ رأسه يمنة ويسرة كما يفعل أهل الفقيد في جنازة. حضر رجل آخر عرّف عن نفسه: “أنا موسى مصطفى موسى. أنا مواطن مصريّ لا أتحمّل هذا المشهد”. أحاط بالسيسي وبدا أقوى منه جسديّاً ثمّ حمله على ظهره بعيداً عن الكاميرا كما لو أنّه يُخفي فضيحة.
النصف الثاني من شاشة التلفزيون كان ينقل الأجواء الاحتفاليّة للمرشّح الفائز حمدين صبّاحي. القطب الناصريّ، الذي سبق أن ترشّح للمنصب نفسه في 2009 و2012، من دون أيّ أمل بالفوز، حقّق أمنيته هذه المرّة. إنّه يستقبل الوفود التي تحمل صوره وصور جمال عبد الناصر. كان حمدين يبتسم تلك البسمة الكيماويّة المدروسة التي بدا كأنّه قضى العمر كلّه وهو ينظّمها. شكر “الجماهير” وتحدّث عن ثورتي يناير ويونيو وعن الديمقراطيّة. قال أيضاً إنّ مصر تجاوزت محنة العهد التسلّطيّ الذي بدأ مع أنور السادات ووجد تتويجه مع حسني مبارك، كما تجاوزت محنة العهد الإخوانيّ القصير. لكنّه فجأة ظنّ أنّ الكاميرا ابتعدت عنه، وفي هذه اللحظة بدأ يحصل ما لم يكن في الحسبان. ففي الغرفة الجانبيّة التي جمعته بصديق عمره، الناصريّ الآخر أمين اسكندر، الذي يُرجّح أن يسمّيه مستشاراً قوميّاً له، سُمع هذا الحوار الذي لا بدّ أن يُحرج رئيس مصر الجديد:
“- إزاي انتخبوني يا أمين؟ إزاي؟
– الشعب المصريّ بيكره العسكر يا حمدين.
– سيادة الرئيس من فضلك.
– الله! أنت مستعجل قوي. واخدها جدّ قوي. لسه واكلين طعميّة وكشري مع بعض… ما لك يا أخي؟
– المسألة يا أمين لا تتعلّق بي. إنّها تتعلّق بكرامة مصر. وبعدين، إزّاي بتقول أنّو المصريّين بيكرهو العسكر. أمّال! يعني بيكرهو عبد الناصر!
– أنا بقصد يعني همّا بيكرهو عسكريّة عبد الناصر ويحبّوا قوميّة عبد الناصر.
– تمام. أنا قوميّ ومش عسكريّ. تمام يعني. إيه رأيك نرَكَّز في كلامنا عالقوميّة. الوحدة مع سوريا. حرب اليمن. تحرير فلسطين…
– ما ينفعش. الوحدة مع سوريا باظت بعد تلات سنين. حرب اليمن كانت كارثة، وحرب 67 ما حررتشِ فلسطين، جابت الإسرائيليّين اللي احتلّوا سينا. لازم نقدّم القوميّة العربيّة بحلّة جديدة: كرامة وارفع رأسك يا أخي والبتاع دا… لازم كمان نحكي في الاقتصاد. الشبيبة عايزة تشتَغَل… القوميّة اليوم هي اقتصاد أوّلاً. انظر إلى حالة الصين: وعي قوميّ ونهوض اقتصاديّ…
– نِجيب مثلاً الدكتور خير الدين حسيب ونِدّيه منصب رفيع في الدولة لنشر الوعي القوميّ وتوجيه الشبيبة. دا راجل قوميّ عظيم وهو أيضاً اقتصاديّ وإداريّ ومنظّم بارع…
– دا كتير قوي يا حمدين.
– (بشيء من الغضب): سيادة الرئيس أرجوك.
– (بالفصحى) حسناً، يا سيادة الرئيس. أعتقد أنّ تسليم شخص عراقيّ منصباً كبيراً في الدولة المصريّة مثير للحساسيّات. عبد الناصر حين أقام وحدة مع سوريّا لم يُعط السوريّين أيّ منصب جدّي، لهذا استقالوا واحداً بعد الآخر ولم يبق منهم إلاّ عبد الحميد السرّاج. كذلك، ومع احترامي وتقديري الشديدين للدكتور حسيب ولقوميّته، فإنّ له طباع العسكريّين. ذات مرّة زرت مركزه في بيروت ولم أسمع إلاّ الأخبار عن ضحاياه: واحد ضربه حسيب بمنفضة السجائر، وواحد طرده من العمل، وواحدة فصلها لأنّها كانت تأكل السندويش في مكتبها، وهكذا… طباعه ستذكّر المصريّين بالعسكر، وبأسوأ أنواع العسكر.
– طبّ… أنتَ قلتْ قوميّة. يعني لا بدّ من غطاء قوميّ لعهدنا الجديد. دا أهمّ من الحساسيّات الإقليميّة الضيّقة اللي حتزول مع الزمن. نجِيب اللبنانيّ كمال شاتيلا مثلاً. دا عاش في مصر سنين طويلة لمّا هرب من حافظ الأسد؟
– شاتيلا دا أنا عارفاه. ما يصلحش. قضايا شَعر وصبغة شَعر وكده… وبعدين هوّا ساداتيّ مش ناصريّ…
– ودا اللبناني التاني قِليلات… ابراهيم قليلات…
– ما يصحّش… قليلات يوجَّه الشباب المصريّ قوميّاً! يا خبر اسود! الريّس جمال استعمل قليلات علشان يهدم دولة مش علشان يبني دولة… عبوة من هِنا، اغتيال من هِناك، حاجات زيّ كده… وبعدين هوّا عايش في سويسرا أو في إيطاليا ومعاه فلوس كتير قوي ما حدّش يعرف منّين… قليلات دا من مواليد 1940 يا سيادة الرئيس. يعني مش حيقدَر يكمّل المشوار معانا.
– ونجاح واكيم؟ في 1972 فاز بالانتخابات بأرقام كبرى…
– دا كان في 72. وبعدين نجاح محتاجو بشّار النهار ده. هوّا بيتصدّى للمؤامرة على سوريا وشغلو كويّس هِناك.
– عندي فكرة رائعة يا أمين. نِجيب أحمد بن بلّه. رمز تاريخيّ كبير ووراه ثورة المليون شهيد وصداقة عبد الناصر… تقول إيه؟
– (بغضب، أعاده من الفصحى إلى العاميّة): جرى لك حاجة يا حمدين. عفواً، يا سيادة الرئيس؟ هِيّا الرئاسة يعني تِلَخبَط الدماغ… آسف. مش عارف أقول إيه. إنت نسيت؟ مش فاكر قبل سنتين حضرنا جِنازتو في الجزائر. بن بلّه، الله يرحمو، مات…
– آه طبعاً طبعاً. ذاكرتي، والنبي، تعبتْ قوي. لكنْ جميلة بوحيرد لسّه على قيد الحياة؟
– ماشي… لكنْ نعمل فيها إيه؟ نعرِضها في مصر يعني؟
– حضور جميلة يجيب دعم معنويّ قويّ للنظام. ومعاها، وفي جميع المحافظات، نعرض فيلم يوسف شاهين “الناصر صلاح الدين”. دي حتكون رسالة للجماهير…
– عايز تخاطب الشباب بصلاح الدين…! دُوْل كلّهم رموز تاريخيّين يا سيادة الرئيس. ماشي… لكنْ الشباب يعني حنقول لهم إيه… نحنا منواجه مشكلة عايزين نشوفها على حقيقتها. شباب وناصريّ حاجة صعبة اليوم. حاجة ما تصحِّش في مصر… والله مش عارف مالهم الشباب النهار ده… حقوق إنسان والهباب ده؟ عايزين نغريهم بحاجة تِخاطبهم، بأسماء همّا عارفينها، بقضايا…
– قضايا! هِيّا دي الكلمة يا أمين. رأيك إيه نلغي كامب ديفيد؟ دي حتكون خطوة قوميّة رائعة مش كده؟ دي حتِخلَق التفاف جماهيريّ واسع حول النظام الجديد… كده نولَّع مسألة الكرامة الوطنيّة والقوميّة…
– (يعود أمين إلى الفصحى) يا سيادة الرئيس، هذا القرار سيكون صائباً وعظيماً بشرط واحد، هو أن نضمن أنّ إسرائيل لن تشنّ علينا الحرب بعد إلغاء الاتّفاقيّة. وهذا يعني أنّه لا مهرب من تواصلٍ ما مع الإسرائيليّين.
– العياذ بالله يا أمين. العياذ بالله.
– أنا لا أقترح ذلك يا سيادة الرئيس، أنا ناصريّ مثلك. لكنّني أفكّر بصوت مرتفع في ما يمكن أن تذهب الأوضاع إليه. الحرب ستكون في هذه الحال حتميّة لا مهرب منها.
– وما لو يا أمين. ما نحنا كنّا بنهتف ضدّ السادات: يا أهلاً بالمعارك.
– الأمور تغيّرت يا سيادة الرئيس. أصبحنا الآن في السلطة.
– بتقول أصبحنا. أنا أصبحت… وبعدين، أنت فاكر يا أمين لمّا تحدّينا ضياء الدين داوود وأسّسنا حزب الكرامة…
– نعم، لكنّ هذا لا يُقارَن، يا سيّادة الرئيس، بالتحدّي الذي سيواجهك الآن، ويواجهنا معك…
– بلاش كامب ديفيد. طبّ حيكون رأينا إيه في الفِتَن اللي حوالينا ويسمّوها ثورات؟
– في سوريا، مؤامرة على نظام ممانع وصامد. أنت فاكر إزّاي حافظ الأسد تصدّى للسادات وكامب ديفيد. في ليبيا، كمان مؤامرة على نظام وطني. القذّافي كان ناصري بطريقة عجيبة قوي، لكنْ ما نَفَاش أنو ناصريّ. ما تنساش هوّا دعمنا ضدّ السادات. في اليمن، مؤامرة كمان وكمان. هوّا علي عبد الله صالح لمّا كان ضابط صُغيّر كان متحمّس قوي للثورة الجمهوريّة على الإمام البدر. وفي تونس، يعني حتّة غنّوشي وإخوان على حتّة حقوق إنسان وليبراليّه ومش عارف إيه…
– تمام. هِنا في مصر، نقول إنّ ثورة يناير كانت ثورة أصيلة لكنْ الإخوان سرقوها، وبعدين جرى التصحيح في ثورة يونيو/ حزيران. مش كده؟
– طبعاً طبعاً يا سيادة الرئيس. لكنْ لازم ننتقل بسرعة للموضوع الأكثر إلحاحاً: تشكيل الحكومة…
– بالتأكيد يا أمين. عندي فِكْرا تِهبَّل: رأيك إيه في تكليف الأستاذ هيكل في الأمر؟ رمز تاريخيّ عظيم ومفكّر كبير ورفيق عبد الناصر…
– دي تهبَّل فعلاً. رمز تاريخي، أيوه، أطال الله عمره، لكنْ أنت عارف يعني في المَرّا الفاتِت اللي زرناه ما كانش يفَهَّم كلام. كان عايز يقول ناصر، قال نجيب، وعايز يقول فاروق، قال فؤاد… لازم نشوف حدّ تاني للحكومة!
– (يخبط حمدين يده على الطاولة): يعني ما فيش ناصري أصغر من تمانين!
– سمعت في بيروت إنّ أولاد نجاح واكيم ناصريّين…
– لا أنا بتكلّم في الإجمال (وبعد لحظة صمت) طبّ حنِدّي الشباب إيه في الاقتصاد؟
– تِدّيهم إيه؟ الدولة مفلّسة وعايزين استثمارات ومعونات…
– دي إمبرياليّة يعني! دي مشكلة والله! نقول إيه للشباب؟ نقول إيه للجماهير؟
– في البداية نقول إنّنا صحّحنا ثورة يوليو التي غدر بها السادات ومبارك، ثمّ صحّحنا ثورة يناير التي سرقها الإخوان…
– وصحّحنا إيه كمان؟ حنفضَل نصحّح! دا كلام ينفع لشهر واحد، وبعدو تيجي المشاكل! آه لو عندنا، يا أمين، مذيع زيّ أحمد سعيد… كان يلهَّب الدنيا وينسّي الناس همومها…
– دا انتهى يا سيادة الرئيس. ما حدّش يسمع راديو أصلاً، ما حدّش يرفع ترانزيستور. وبعدين ما لك نسيت تاني. ما إحنا عملنا مراجعة للمرحلة الناصريّة، وقلنا كان لازم ديمقراطيّة ومصارحة الجماهير بالحقيقة وشفافيّة وحاجات زيّ كده؟
– أنت فاكر عبد الناصر ما كانش عارف الهباب دا كلّو، وأنِّ الشعب عايز حرّيّة وديمقراطيّة وشفافيّة… لكنْ الله يرحمو كان عارف كمان إنّك إذا إدّيتْهم حرّيّة يروحو أمريكا، وأن الأمن وأحمد سعيد همّا الطريقة الوحيدة لاستقرار الحكم يا أمين.
– ما أظنّيش كان لازم نكسب الانتخابات يا حمدين، عفواً: يا سيادة الرئيس. الله يكون في عوننا. حنتبهدل. بصراحة، أنا أحسد السيسي.
– (بغضب): هوّا حدّ يحسد السيسي؟!
فجأة انقطعت الكهرباء وانقطع البثّ.

[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خالد سليمان ومروة صعب
الخوف هو من المواد التي تناثرت في المياه من جانب وطبيعة تلك المواد التي كانت موجودة في المرفأ …
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني