“نصرالله واحد منهن” 

هاهم شبّان الأزقة المحرومة يُستخدمون مجدداً وقوداً للغضب والترهيب باسم "المقاومة"، وذوداً عن "أشرف الناس" أمين عام حزب الله حسن نصرالله، الذي شمله غضب متظاهرين كثر حين هتفوا "كلن يعني كلن ونصرالله واحد منهن".

وفي اليوم الثامن فاض بحزب الله.. 

ما تجرّعه قسراً في الأيام الأولى من الانتفاضة اللبنانية بات عسيراً على الهضم والقبول. هاهم شبّان الأزقة المحرومة يُستخدمون مجدداً وقوداً للغضب والترهيب باسم “المقاومة”، وذوداً عن “أشرف الناس” أمين عام حزب الله حسن نصرالله، الذي شمله غضب متظاهرين كثر حين هتفوا “كلن يعني كلن ونصرالله واحد منهن”..

اخترق مناصرو الحزب وأغلبهم يرتدي تلك السترات السوداء التي عرفوا بها ساحات المحتجين في باحة رياض الصلح في وسط بيروت، ونصب أعينهم هدف واضح، التحدث علناً لوسائل الإعلام ليقولوا كلاماً واحداًَ: كلن يعني كلن ما عدا نصرالله. 

قالوها صراحة، اشتموا رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وقائد القوات اللبنانية سمير جعجع وآل الجميل، لكن لا تقتربوا من نصرالله. 

بدا الوضع ملحمياً، حين أصرّ المحتجون على عدم الانجرار نحو صدام عنيف وشرعوا يهتفون “سلمية سلمية”، في مشهد ذكّر بما فعله شبانٌ جنوبيون حين ردوا على مسلح تابع لحركة أمل هددهم قبل أيام لفتح الطريق، بأن أحاطوه بأجسادهم العارية يتحدونه بسلميتهم، وفعلاً دفعوه للانسحاب.

لكن النوايا النقية والسلمية لا تصمد طويلاً في ساحات ملتهبة كساحة وسط بيروت، فما كان بدّ من أن تفصل قوى مكافحة الشغب بين متظاهري الساحات ومناصري حزب الله الذي قرروا التمركز ذوداً عن سيدهم” كي لا يخدشه شعارٌ من هنا أو هتافٌ من هناك”.

قبل أيام وحين ظهر في خطابه الذي أعلن فيه أن لا أحد يمكنه إسقاط العهد وحكومته، بدا نصرالله عاجزاً عن التقاط حجم المشهد الحاصل ومدى الغضب الذي يعتمل في لبنان وفي قلب بيئته الحاضنة. 

بدا نصرالله في خطابه ممتلئاً بتلك الغطرسة التي عرف بها، خصوصاً حين لوح باصبعه مهدداً بأن العهد لن يسقط.

 

أحد عناصر قوة الانتفاضة اللبنانية هي الجرأة وإسقاط كل الرموز ودوسها والانتفاض عليها. ونزع القداسة المزعومة عن نصرالله والتعامل معه بوصفه واحداً من السياسيين المسؤولين عن ارتهان البلد والعبث بمصير مواطنيه أمر تحقق وبات واقعاً يستحيل الرجوع عنه

 

في النبطية سقط عدة جرحى، وفي بنت جبيل وقعت صدامات، وفي صور خرج غاضبون على مدى أيام قبل أن ينجح الحزب في فرض احتجاجات ترفع شعارات حصرية ضد مصرف لبنان وحاكمه. مشاعر غضب البيئة الحاضنة انتجت فيديوهات وصوراً كثيرة ومن بينها تسجيلات عدة لمواطنين شتموا شخصيات في حزب الله وحلفائه وخصوصاً رئيس مجلس النواب نبيه بري وزوجته رندة. مكاتب نواب حركة أمل وحزب الله تعرضت للهجوم والشتم وتم الدوس على يافطات وشعارات بالأقدام. 

أفلت المشهد من حزب الله، فوجد نفسه يعيد ارتكاب ما لا يجيد غيره: الضبط بالقوة. 

وهاهم بعض ممن أعلنوا غضبهم وشتائمهم بحق الحزب ورموزه يخرجون مجدداًَ في فيديوهات يعتذرون فيها. أحدهم ظهر وهو جريح مدمى يتلو اعتذاره في مشهد يشي بمدى الضغط الهائل الذي تعرض له هؤلاء ليقدموا اعتذارات بدت مفتعلة وغير صادقة، فالغضب والانفعال والشتيمة التي أعلنها الأشخاص نفسهم قبل ساعات بدت مشاعر مباشرة وأكثر صدقاً من تلك الاعتذارات الجوفاء. 

من شاهد الاعتذارات يعرف ذلك، وحزب الله يعرف ذلك لكنه لا يبالي بهذا التفصيل، فالمهم هنا هو إثبات القوة لا إثبات الحق.

لكن التاريخ الذي يصاغ في شوارع لبنان يسجل أيضاً أن جمهور حزب الله وحركة أمل كانا في مقدمة المشاركين في التظاهرات. وبدت مشاركة هذا الجمهور طبيعية وحيوية وامتداد لشعور عارم بأن هتاف “كلن يعني كلن” لم يكن فئوياً وهذا تماماً سبب قوته وسبب غضب حزب الله منه.

لم يستطع حزب الله فرض استثنائيته و”قداسته” سوى بالقوة، لكن يفوت الحزب المسلح أن غطرسة القوة تعمي البصر والبصيرة، وهي حتى وإن بدت أنها ستحقق مكاسب أكيدة بسبب اختلال الموازين لكنها فخ أكيد. 

يحاول حزب الله حالياً الارتداد على المتظاهرين، فهو يعلن أنه يدعم مطالب المحتجين لكنه يقول عبر إعلامه إن الورقة الاصلاحية للحكومة جيدة، وإن اقفال الطرق أمر يزعج الناس، وأن شعار كلن يعني كلن يجب أن يسحب من التداول. فات حزب الله سواء لصلافة أو لقلة ذكاء، أن أحداً لم يرفع شعار سلاحه في التظاهرات، وأن الهتافات ضدّه تركزت على خصوصية أنه جزء من مافيا السلطة وشريك في اقتسام غنائمها، فالضيق والعوز والاختناق أصاب الجميع وفي مقدمهم البيئة الحاضنة للحزب. 

لاشك أن أحد عناصر قوة الانتفاضة اللبنانية هي الجرأة وإسقاط كل الرموز ودوسها والانتفاض عليها. ونزع القداسة المزعومة عن نصرالله والتعامل معه بوصفه واحداً من السياسيين المسؤولين عن ارتهان البلد والعبث بمصير مواطنيه أمر تحقق وبات واقعاً يستحيل الرجوع عنه. 

النبطية : كربلاء ثورة لبنان 

 

 

 

 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

عباس بيضون – كاتب وشاعر لبناني
في تأبين محسن ابراهيم يسعنا ان نؤبن مرحلة كاملة. بهذا المعنى كان محسن شخصية تاريخية، بل كان قادرا على ان يكون كذلك، لا في لحظات نشاطه الصارخ فحسب، بل ايضاً في صمته الأخير وانقلاب الأمور عليه.
محمد أبو رمان – باحث وكاتب ووزير أردني سابق
لا تختلف حالة الأردنيين عما تعيشه معظم دول العالم، إذ وقع عليهم فايروس “كورونا” كالصاعقة، ووجدوا أنفسهم للمرة الأولى منذ عقود طويلة أمام قوانين وأنظمة وسلوك غير تقليدي أو معتاد…
باسكال صوما – صحافية لبنانية
جريمة مقتل فلويد وما تبعها من تظاهرات في مدن أميركية عدة ومحاولات قمعها، أسلحة ستستثمرها إيران وسواها من الآن وصاعداً، فكلّما قال لها أحدهم: “بأي حق قتلتِ فلان أو فلانة؟”، سترد: “بالحق الذي قتل به جورج فلويد”.
إيلي عبدو – صحافي سوري
في تحوّل استذكار الكاتب اللبناني الراحل سمير قصير، رثاء وحسرة ومديحاً، تقليداً لدى عدد كبير من السوريين، انفصال حاد مع أحوال سابقة، معطوف على بلوغ أحوال جديدة غير مدركة بما يترتب على الإدراك، من أفكار وقناعات وتصورات.
باز علي بكاري – صحافي وكاتب كردي سوري
ليست الولايات المتحدة الاستثناء في المعاناة من مرض العنصرية. ولعله فعل مصادفة أو وحدة حال بين الفاشيين في العالم، أن يصلنا خبر قيام مجموعة من الشبان الأتراك بقتل شاب كردي لأنه كان يستمع لأغنية كردية.
مالك ونوس – كاتب ومترجم سوري
ليست الممارسات التي ينتهجها النظام المصري، سوى علامات على تحوُّلِ سلطته إلى قوة عدوان حلَّت محل “الدولة الوطنية”، التي حلم أبناء الدول العربية ببنائها بعد استقلالهم عن الدولة العثمانية، ومن بعدها عن الاستعمار الغربي.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني