fbpx

تظاهرات لبنان من غزة: غيرة وحسد وفرح وغضب وخوف

تسيطر التظاهرات العارمة والمستمرة في لبنان منذ أيام على قلوب فلسطينيين كثر وعقولهم في قطاع غزة.

تسيطر التظاهرات العارمة والمستمرة في لبنان منذ أيام على قلوب فلسطينيين كثر وعقولهم في قطاع غزة، ويشعرون بأن الهم واحد والمطالب متشابهة، وسط ارتفاع نسب الفقر والفقر المدقع والجوع ومعدلات البطالة وتآكل الرواتب وقطع رواتب آلاف الموظفين وإحالتهم إلى التقاعد والضرائب والرسوم المختلفة، والتدهور الخطير في مستوى المعيشة، والقيود المفروضة على الحريات العامة، ومظاهر الفساد تحوم فوق رأس النظام السياسي الفلسطيني وغالبية مكوناته من فصائل وأحزاب.

تنتاب الفلسطينيين مشاعر مختلطة، غيرة وحسد وفرح وحزن وغضب وخوف، الغيرة والحسد من قدرة اللبنانيين على الانتصار على ذاتهم واختلافاتهم الطائفية والسياسية ولو موقتاً، والتظاهر موحدين في ميادين متعددة من الشمال مروراً بالوسط حتى الجنوب ضد النظام السياسي بجميع طوائفه الدينية والسياسية والاقتصادية.

الفرح بمشهد المتظاهرين والسلمية التي ميزت التظاهرات، والجميلات اللواتي أصبحن أيقونات الانتفاضة، وقوة مواقفهن وصمودهن للاستمرار في التظاهر، وبساطة الشعارات وتنوع أساليب الاحتجاج، الرقص والدبكة والأغاني والنكات وسلاح الشتائم الفتاك. ويتم تداول مئات الفيديوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي بخاصة “الواتساب”. ولم تعد سمة خفة الدم حكراً على المصريين وسرعة البداهة لديهم وقدرتهم على إطلاق النكات والشتائم والمسبات “البذيئة”، التي يخجل فلسطينيون كثر من ترديدها علناً، فأصبح اللبنانيون منافساً قوياً وتفوقوا على المصريين في شتم النظام السياسي علناً وأمام الكاميرات.

واستحضر الفلسطينيون الشاعر غسان كنفاني وكتاباته للدفاع عن اللبنانيين في إطلاق الشتائم: “إن الشتائم في حد ذاتها هي سلاح يبتدعه الإنسان المغلوب على أمره، ويستخدمه في تكتيكات التعبئة المعنوية التي تسبق انبثاق العنف الثوري، هل سمعت في يوم من الأيام ولداً يشتم من قحقوقة رأسه رجلاً جلفاً ضربه؟ ألم تميز آنداك في تلك الوصلة من السباب ونشر العرض شكلاً من أشكال أدب المقاومة في أكثر درجاته غضباً؟”.

وهناك شعور بالخوف على الانتفاضة والناس من قمع المتظاهرين ونفاد صبر الدولة العميقة بالأجهزة الأمنية ومشايخ الطوائف والأحزاب، والالتفاف على مطالب المتظاهرين وقدرة الأحزاب على الخذلان والخداع والتهديد والوعيد بفزاعة الفوضى والفراغ السياسي والعدو الخارجي. وذلك للحفاظ على مكانتهم ومكتسباتهم، خوف الفلسطينيين نابع من تجربتهم الطويلة في مقاومة الاحتلال ومواجهة القمع وانتهاكات الحريات وحقوقهم الأساسية من السلطة بشقيها الشرعي وغير الشرعي، بحسب توصيف أهل الانقسام في الضفة وغزة، ومن المفروض أن السلطة تمثل حركة تحرر وطني وتسعى إلى الحرية من الاحتلال لتقرير المصير.

ويردد عدد كبير من الفلسطينيين أن جميع الأنظمة العربية تنتظر على أحر من الجمر انتهاء تظاهرات لبنان وفي مقدمتها السلطة الفلسطينية، ولبنان اليوم وغداً ليس لبنان، والسؤال كيف سيتم تفكيك منظومة كاملة وسلطة متحكمة في كل التفاصيل وآليات الحكم. ولكن بالتأكيد لبنان بدأ التغيير، وكيف سيكون للحكومة والطبقة السياسية في لبنان وجه لمواجهة اللبنانيين بعد اتهامهم بالفساد والسرقة والخداع وخيانة الأمانة.

“إن الشتائم في حد ذاتها هي سلاح يبتدعه الإنسان المغلوب على أمره، ويستخدمه في تكتيكات التعبئة المعنوية التي تسبق انبثاق العنف الثوري، هل سمعت في يوم من الأيام ولداً يشتم من قحقوقة رأسه رجلاً جلفاً ضربه؟ ألم تميز آنداك في تلك الوصلة من السباب ونشر العرض شكلاً من أشكال أدب المقاومة في أكثر درجاته غضباً؟”.

ومع اهتمام الفلسطينيين بانتفاضة اللبنانيين واشتعالها ومتابعتها بحماسة منقطعة النظير، وبشكل حثيث، والجري خلف تفاصيلها، بدت السلطة الفلسطينية وكأنها لا تسمع ولا ترى ما يحصل في لبنان وتعقيداته الطائفية والسياسية، وقد خرج بأكمله ضد النظام وأركانه ليطالبه بالرحيل. فأصدرت السلطة العظيمة قراراً بحجب 59 موقعاً إلكترونياً إخبارياً، في داخل فلسطين وخارجها من بينها مواقع في فلسطين التاريخية، وهي مواقع مهنية وتلاحقها إسرائيل، ويتابعها الفلسطينيون باعتبارها تقدم لهم أخباراً عن فلسطينيي الداخل.

المصيبة أن القرار اتخذ من محكمة صلح رام الله، بناء على طلب النائب العام الذي اعتبر أن استمرار بث هذه المواقع عبر الشبكة العنكبوتية من شأنه الإخلال بالأمن والنظام العام والإضرار بالأمن القومي الفلسطيني وتهديد السلم الأهلي الفلسطيني، وكأن الفلسطينيين يتحكمون بأمنهم القومي، إلا إذا كان المقصود هو الأمن الإسرائيلي الذي يسيطر على تفاصيل حياة الناس.

والمحزن أن السلطة والفلسطينيين يقبعون تحت احتلال عنصري فاشي يقمع حرية الكلمة ويزور التاريخ والرواية الفلسطينية، فكيف ستقنع السلطة العالم بالتضامن معها ضد الاحتلال، فيما هي تقمع حرية التعبير عن الرأي والحريات الصحافية؟

واضح أن القرار سياسي لقمع خصوم الرئيس محمود عباس السياسيين بخاصة حركة حماس والتيار الإصلاحي الديموقراطي الذي يوقده النائب محمد دحلان، وهناك مواقع إخبارية تتتبع “حركة حماس” و”تيار دحلان”، وتتهم من قبل أتباع عباس بأنها مواقع الفتنة والأكاذيب والتحريض والافتراءات وتخوين الشرعية.

رد فعل الفلسطينيين على القرار كان غاضباً وعنيفاً، بخاصة في ظل اشتعال الانتفاضة اللبنانية، ووصفه بعضهم بالرذيل، وبالغباء المفرط والحساسية والخوف من النقد، والغباء يتمثل في أن بإمكان أي فلسطيني الوصول إلى أي من المواقع المحجوبة من خلال برامج ومواقع إلكترونية. وهو انتهاك فاضح لحرية التعبير والحق في الحصول على المعلومات، وخلافاً لأحكام القانون الأساسي الفلسطيني والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي انضمت إليه دولة فلسطين من دون تحفظات.

ينتظر الفلسطينيون انتصار انتفاضة اللبنانيين أو تحقيقها أهدافهم بتحسين شروط حياتهم ورحيل رموز الفساد، والسلطة الفلسطينية و”حركة حماس” تعيشان حالة إنكار ولا تتعظان مما يحصل حولهما، وما يعيشه الفلسطينيون من أوضاع كارثية، وما يعنيه الاحتلال والحصار من ظلم وقهر تعززه السلطات الفلسطينية الحاكمة، باستمرار الانقسام والقمع وكبت الحريات العامة، والتدهور الخطير في مستوى المعيشة.

انتفاضة لبنان: على هذا النحو ننتصر

 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هالة الدوسري – باحثة وناشطة حقوقية سعودية
أثارت وفاة كاتب الرأي الشهير صالح الشيحي بسبب إصابته بفايروس “كوفيد-19” قلقاً واسع النطاق على مصير آلاف المعتقلين في سجون المباحث السعودية.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني