fbpx

لبنان… ثورة الفرح واستعادة الساحات

من يقزم حال هذه الثورة باعتبارها رقصاً، فهذا يستحق الطبقة التي حكمته. الثورة في لبوسها الفرح، لغة وخطاباً وصورة وصوتاً، قدمت حكمتها من خروج الناس إلى التغيير بروح التمرد والأمل، متفهمة الظروف والنتائج التي إن حكمها السلاح والغضب والنار، إلى أين سيؤدي هذا الأمر؟

بعد أيام على الثورة الشعبية في لبنان، هناك من يسأل (بشكل مشروع بالطبع) عن مستقبل هذا الحراك. خصوصاً أن هناك نخبة لبنانية (من أكاديميين وكتاب وشعراء ومثقفين)، استخفت بما سمّته “مهرجاناً شعبياً” لا ثورة. ونفى هؤلاء عن هذه الانتفاضة الحالمة حقها بالفرح والابتهاج في الساحات العامة، التي حرم اللبنانيون من الاستفادة منها، تنزهاً وتعبيراً واحتجاجاً. واعتبر البعض الآخر أن ثورة تقوم على الرقص لا فائدة منها.

وأول من يحاول تقزيم هذه الانتفاضة، هم المثقفون الذين يدعون معرفتهم بمآلات الثورات والانتفاضات من خلال مقارناتهم بين ما يحصل اليوم وبين انتفاضات شعبية عرفها التاريخ. متناسين أن الانتفاضات بأساسها تقوم على الشعب والطبقات الكادحة والعاملة وفئات الموظفين، أولئك الذين اختاروا طريقة احتجاجهم بأنفسهم. ووجدوا فيها مساحاتهم للاعتراض.

من يقزم حال هذه الثورة باعتبارها رقصاً، فهذا يستحق الطبقة التي حكمته. الثورة في لبوسها الفرح، لغة وخطاباً وصورة وصوتاً، قدمت حكمتها من خروج الناس إلى التغيير بروح التمرد والأمل، متفهمة الظروف والنتائج التي إن حكمها السلاح والغضب والنار، إلى أين سيؤدي هذا الأمر؟ والأمثلة كثيرة. نحن نتعامل مع سلطة خبيثة. لها أذرعها واستخباراتها وطبقتها وشبيحتها. لذا التعامل معها بهذا الشكل، وشتمها بهذه العلنية ومن دون قيود أو خوف أو تعييب، يجعلها مربكة. ويجعلها مشتتة.
هذه ثورة، أعلنها لأول مرة ناسها في مناطق، افترضت الطبقة السياسية ومن معها، أنها ضد بعضها بعضاً، مللاً ومذاهب وطوائف ومناطق ومدناً وانتماءات ومزارع وقبائل وطبقات. وحاولت تلك السلطة تقزيم الثورة في تسميات ونعوت، وضمن محاور وخطوط وتحالفات. كل هذا انكسر وتحطم. الوهم الذي فصلنا عن بعضنا يوماً، في لغة الإعلام ولغة السياسة العامة وفي ممارسة رجال الدين وخطاباتهم وشغل المتمولين والسارقين والناهبين، كله انهار في مشاهد الأيام الماضية. هناك خطاب مرحب وتلقائي بالآخر من باب الفرح والرقص والهتاف والردّيات والزجل. السني والشيعي والماروني والأثوذوكسي وووو كلهم باتوا أشخاصاً وأفراداً ينتمون إلى الساحة. أي ساحة في لبنان. يرسلون تحايا لبعضهم بعضاً. لم يعد هناك آخر. حتى الآخر الفقير الذي وصم بأنه وقود اللحظة والراهن والاستخدامات الإقليمية ورسائل البريد المحلية. هو أيضاً نزل ثائراً على كل مستخدميه في الماضي والحاضر. الآخر المقموع والمنسي.
في هذه الثورة، بدا أن الكره والحقد هو على “الطبقية” وحدها التي كرستها طبقة الطوائف ما بعد الحرب وفروعها (من قوى أمن وقضاء وعسكر) ومشتقاتها وأذرعها. لا السني اليوم يكره الشيعي، ولا ابن صور يكره ابن طرابلس، كما تهيأ لهم. ما فهمناه من هذا الحراك، أننا طيبون. وناس محبون. ولا حدود بيننا إلا الآخر السارق الناهب و”ابن الحرام” الذي ندل عليه بأيدينا والمغتني من أموالنا والذي أفقرنا لسنوات طوال.

أول من يحاول تقزيم هذه الانتفاضة، هم المثقفون الذين يدعون معرفتهم بمآلات الثورات والانتفاضات من خلال مقارناتهم بين ما يحصل اليوم وبين انتفاضات شعبية عرفها التاريخ.

في ملامح هذه الثورة أسئلة. البعض يريد الحديث عن خطط، بعضهم يقدم حلولاً واستراتيجيات. البعض ما زال يفكر بصيغ الماضي، ذاك الذي تثور عليه في الأصل مسببات هذا الحراك وملامحه. ما كان مثيراً قبل كل هذا، ما قرأته من مثقفين وكتاب وشعراء يؤمنون بدور (ما) للجيش في هذه المرحلة. إيمانهم متأت من فكرة أبوية عن سلطة القوة، باعتبار أن هذه القوة تملك شرعنتها وشعبيتها في الشارع. لكن هل فعلاً الجيش هو ضمانة؟ وهل الجيش منفصل عن هذه السلطة؟

لا شك في أن هذه الثورة تقوم على تفكيك السلطة من داخلها، من شعبيتها التي قالت وادعت مراراً، أنها أوصلتها الى البرلمان. لذا الدور المناط بالجيش هو دور وظيفي، وليس بديلاً (لو مرحلياً) لعملية تأسيس قلب النظام. في هذه اللحظة البدائل كثيرة. موجودة في الأصل. ظهرت في أشكال مختلفة وعلى أنساق عدة. منها “بيروت مدينتي”، مثالاً لا حصراً. البدائل الصحية متوافرة وظاهرة للعيان. الجيش مقسوم في الأصل، في تعييناته وتركيبته الطائفية ومحاصصاته. هو درع هذه الطبقة وأساسها. منه خرج ميشال عون وميشال سليمان وإميل لحود. ثلاثة نماذج كارثية، ونماذج العسكر في المنطقة العربية أكبر دليل على ما يمكن أن يفعله الجيش إن أمسك بسلطة.

اليوم هو غير الأمس. لكن “عيفونا من الأمر لك”.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هالة الدوسري – باحثة وناشطة حقوقية سعودية
أثارت وفاة كاتب الرأي الشهير صالح الشيحي بسبب إصابته بفايروس “كوفيد-19” قلقاً واسع النطاق على مصير آلاف المعتقلين في سجون المباحث السعودية.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني