fbpx

كيف تقاوم هوليوود أن يستدرج انفتاحها متحرشين ..هارفي وينستاين نموذجا

نوفمبر 1, 2017

مثيرةٌ تلك اللقطة الذكية في فيلم The Deuceالتي تَظهر فيها آبي إلى جانب بول، وراء منضدة الحانة بمانهاتن، حيث يعملان ، في حديث يستذكران فيه عالمهم العجيب المثير جنسياً في أوائل السبعينات.

يقول بول: “الشيء الوحيد الذي أنا متأكدٌ منه، أنها مجرد مسألة جنس”. ثم يضيف: “لو عدتِ إلى الخلف وأمعنتِ النظر، وفكرَتِ في ما نبدو عليه جميعاً، ونحن نطارد بعضنا البعض، لا شك أنكِ ستضحكين من الوضع، أليس كذلك؟”.
أو ربما ستبكي. يبدو البؤس الأخلاقي المنتشر في تجارة الجنس جلياً في كل مكان، بادياً للعيان، تكديس العاملات في الجنس بشكل انتهازي داخل عربات الشرطة، أو ضربهن وتقطيعهن من قبل سماسرة الدعارة، وحصولهن على أجرة زهيدة مقابل عملهن، هذا إذا حصلن على أي مبلغ أصلاً.
ينتهي الموسم الأول من العرض يوم الأحد على شبكة HBO. ويستغرق الأمر نحو 5 حلقاتٍ لمعرفة أين تتجه فكرة المسلسل. ولكن ما يعمل المسلسل على تفكيكه، وتسليط الضوء عليه، هو الصناعات القائمة على استغلال المرأة. من الناحية الرسمية، يتعلق شغل هذه الصناعات بتجارة الخدمات الجنسية وإغراق أسواق الأفلام بالأشرطة الإباحية، لكن يمكن للصورة القاتمة التي يظهرها المسلسل أن تحيل بسهولة إلى شكل من أشكال الدينامية الجنسانية المعمول بها في هوليوود أو مناطق مختلفة من أماكن العمل في أمريكا، إذ يستلزم على الموظفة لتأمين وظيفتها أو الحفاظ عليها أن تتحمل نوعاً من الافتراس الجنسي المتكرر، شبيه بالذي سمعنا عن العام الماضي خلال الاتهامات الموجهة إلى بيل كوسبي، وبيل أورايلي، ومنتج الأفلام، هارفي وينشتاين والكاتب والمخرج جيمس توباك.
دفع التحقيق الذي أجرته صحيفة التايمز في قضية وينشتاين إلى إصداره تصريحٍ تبنى فيه نوعاً من الدفاع القائم على الخصوصيات التي تفرق بين الأجيال، قال فيه: “أنتمي إلى جيل الستينيات والسبعينيات، أي فترة زمنية كانت جميع القواعد المتعلقة بالسلوك وأماكن العمل مختلفة. تلك كانت الثقافة والتفكير آنذاك، وقد علمتُ منذ ذلك الحين أن هذا ليس عذرا مقبولاً، في المكتب، أو خارجه”. (ومن خلال متحدثة باسمه، نفى وينشتاين نفياً قاطعاً أي مزاعم عن ممارسة الجنس بالإكراه، أو أعمال انتقامية ضد أي امرأة رفضت تلبية رغباته).
الجميع سخر من ذلك العذر، وكاد أن لا يصدق أحدٌ أذنيه، لأن مثل هذه الحجج تستحق فعلاً الازدراء. ومع ذلك، إذا صدقنا تبريره، ثمة شيءٌ يلقي الضوء على تفسير من هذا القبيل، يشير إلى أن تصرفه يتجانس مع ما كان شائعاً في فترة من الزمن، عندما كان من المقبول التعامل، مثلاً، مع زميلة في العمل، مثل مجرد لعبة أو أي شيء يوضع في خزانة، وما عليك إلى أن تلبي رغبتك.
التشخيص الاجتماعي الذي استند إليه وينشتاين بنجاح، يحيل إلى حقبة احتفلنا بذكراها مؤخراً عقب وفاة هيو هيفنر. ومن المعروف أن هيفنر هو من اخترع روح بلايبوي، التي استخدمها وينشتاين كورقة تحميه من تبعات تصرفاته. “الثقافة السائدة آنذاك”، تُشجع على التساهل في إطلاق العنان للرغبات الجنسية، ثم يُتوقع من النساء التآلف مع مثل هذه النزعات. وساهمت بلايبوي في إضفاء طابعٍ من الكياسة، منح الرجل العادي الشعور بحقه في المتعة، لكن في اتجاه واحد، لصالحه فقط، ما نجم عنه انتشار هذا الشعور، الذي يبيح للرجل الاستمتاع بالنساء، وغُرِس هذا الشعور في نفسيات جميع أنواع الرجال.
وعندما أعرب كل من أوليفر ستون وودي ألين علنا عن تعاطفهما مع وينشتاين، صُدِم الجميع، من موقفهما أيضاً. هكذا، شهدنا مزيداً من الإهانة الدفاعية، من قبل أشخاص لا يبالون على ما يبدو بما يعج به الإنترنت، وما تم نشره بسرعة من مشاكل تخص تاريخهم الجنسي. شعور المخرجين السينمائيين بضرورة التعبير عن موقفيهما، يقدم صورة لها دلالتها عن أسطورة الثورة الجنسية المستمرة، لكن في الاتجاه الخطأ. نحن بذلك نضفي رؤية رومانسية على إمبراطورية هيفنر كقوة ثورية، لسان حالها يقول: على العشاق أن يستمتعوا بالحب، وكل ما يتصل بذلك، لكنه لم يكن الأمر في الواقع سوى تعميم للاستحقاق.
في أعقاب انتشار أخبار وينشتاين، وما نجم عن ذلك من تدفق مزيد من إفادات النساء عن تفاصيل لقاءات غير مرغوب فيها مع الزملاء وأرباب العمل، رأينا من خلال تلك الشهادات كيف كان أمراً شائعاً بالنسبة للرجال، تلبية رغباتهم دون عناء وبكل حرية، ورأينا كيف يمكن للخيال الجامح الذي يزرعه بلايبوي في النفوس، في شكله اللطيف، أن ينتشر على نطاق واسع في مكان العمل.
لستَ مجبراً على قراءة بلايبوي، أو زيارة القصر، وارتداء منامة أو حتى أن تكون علاقاتك الجنسية طبيعية: رسخ بلاي بوي أفكاراً نمطية وجامعة عن المرأة، في النفسية الأمريكية، مفادها، أن النساء أقل شأناً من الرجال لأنهن، بالنسبة لبلايبوي، مغريات، جميلات، من دون مقاومة، عادةً بيضاء، وغالباً شقراوات.
هكذا تتحول عقيدة بلايبوي إلى عالم أكثر قتامةً، وأكثر وضوحاً، على النحو الذي تظهره حلقات “The Deuce”. قدمت لنا المواد الإباحية إطاراً لفهم الجنس كفعل وحالة ذهنية، مشابهة لما تفرضه هوليوود من أفكار حول الرومانسية.
وأصبحت القصص المكررة حلقة بعد حلقة، نوعاً من منظومة قيم ثقافية مثير للشهوة الجنسية: تصور المرأة كفريسة جنسية، كأجزاء (من صدر، ومؤخرة، وشفاه وساقين)، أكثر مما تظهرها كإنسانة كاملة، بالنسبة إلى المرأة الرائدة ولكن أيضاً The Final Girl. البحث عن إنسانية المرأة الكاملة في أفلام هوليوود ينتهي بك دائماً إلى الكثير من الدمى وفتيات الأحلام.
ويبدو أن الثقافة الآن حريصة على التصدي لبعض هذه القيم، أو على الأقل إعادة صياغتها، وتفكيكها، أو أخذ في الاعتبار، وفق وينشتاين: “الثقافة السائدة آنذاك”. يقدم التصوير الصحفي لتجارة الجنس والسينما الإباحية المزدهرة، كما تظهر في The Deuce وصفاً قاتماً وقاسياً ومثيراً أخلاقياً. حتى الممثلات الأكثر دهاءً واقتداراً لم يتألقن في هذا المسلسل، لكن اللحظات الأكثر بهجةً في العرض، تُشع بعبقريتها من وجهي ماغي جيلنهال ودومينيك فيشباك، التي يبدو عليهن حيوية، تحركها مخططات العزم وتقاسم السلطة، لكن يبدو وكأن تحقيق أحلامهن بعيد المنال، أو يستغرق أمداً طويلاً.
شاهدت الليلة الماضية “Battle of the Sexes”، الذي يروي مجريات تلك الفترة (1974)، لم يكن الفيلم عظيماً. لكن، عدتُ إلى البيت يغمرني قدر من السعادة، لأن الفيلم يعتمد مقاربةً لطيفة تنتصر لمبدأ المساواة بين الجنسين في زمنها.
في وقت سابق من هذا الشهر، وُجِه إلى كام نيوتن، لاعب الوسط في فريق الفهود في كارولينا، سؤالٌ مهني. لم يلاحظ احترافيتها، بل لاحظ شيئاً آخر، قال بشأنه: “من المضحك أن نسمع حديث الإناث عن الطرق”. (يكتسي الطابع المستهتر في رده، قدراً من المجون الذي توحي به الكلمة الأخيرة، “طرق”).
وهذا يعني أن أساطير عصر بلايبوي من الصعب التخلص منها. يبين مسلسل “Battle of the Sexes” و”The Deuce” خصوصاً مدى مقاومتنا للمساواة الحقيقية. هلاك أحد تجار الخدمات الجنسية في مسلسل “The Deuce” لا ينهي هذه التجارة التي يسيطر عليها الذكور، ومن الصعب جداً القضاء نهائياً على نظام عدم المساواة الممنهج، والأمر كذلك بالنسبة إلى نزعة كراهية المرأة التي تغذيه.
وقد خَلُصت عملية تنصل مؤسسات هوليوود من هارفي وينشتاين حتى الآن إلى إنهاء عضويته في أكاديمية السينما، التي من مهامها أيضاً توزيع جوائز الأوسكار. قد يطرح طرده من الأكاديمية جانباً من مشكلة وينشتاين، ولكن هذا العقاب لا يؤثر كثيراً في تعديل الكفة وتصحيح الوضع، الذي ينجم عنه غياب المرأة عن جميع أنواع الأعمال الحرفية، ولا ينهي أيضاً الجفاف في مجال منح النساء جوائز عن أفضل الفائزين في الأدوار السينمائية، في السنوات الـ 34 الماضية، حدث ذلك مرتين فقط مع Terms of Endearment وChicago.
قبل هذا الشهر، كنت قد سمعتُ معزوفة بيونسيه تحت عنوان “Formation” تتطرق بشكل من الأشكال إلى الحركة النسوية الموحدة، للحماية الذاتية بين الأمريكيات من أصل إفريقي. ولكن منذ أن انتشرت أخبار وينشتاين، تبدو أنغام الجوقة الآن أكثر من أي وقت مضى، كما لو يمكن استخدامها كدعوة لخوض كفاح على مستوى الجنسين، خطابه “حسناً، سيداتي، دعونا الآن نشارك في التشكيل”، أو “دعونا نحصل على المعلومات” (إيحاء إلى اسم الأغنية Formation).
فماذا الآن؟ إذا كانت استحقاقات عصر بلايبوي غزت فترات استراحة الغداء، واجتماعات مجلس الإدارة، ورحلات المترو في طريق عودتنا إلى البيت، وإذا كانت الإباحية قد تطورت إلى شيء عضوي، مثل النار والماء، كيف يمكننا إذن تجنب تجاوزاتها وإساءتها الشخصية، إلى جانب أمور أخرى مهمة، وإن كانت أقل مساساً بحقوق المرأة، كالحيف الممارس ضدها في مجال الرواتب؟.
كيف يمكننا التوفيق بين كل المضاعفات؟ “المقاومة” هي أحد الأشياء التي يجب القيام بها. و”التغيير” شيء ضروري آخر. تطلقُ بيونسيه هذه الصرخة التضامنية من أجل السيدات، لكن للحصول على أي شيء مفيد أكثر فعالية وأوسع نطاقا، يتطلب الأمر أكثر من ذلك، ولا بد أن لا يقتصر على مجرد مجموعة قليلة من الرجال الطيبين.

هذا المقال مترجم من موقع Newyork Times
لقراءة المقال بالإنكليزية على الرابط  التالي.[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني