fbpx

البحث عن مهنة متوارية في أسواق طرابلس

ثمّة مهن يتقنها أبناء المدينة وهي ذات قيمة مهنية وفنية، إلّا أنّها وعلى رغم ذلك قليلة الشهرة ولا يعرفها إلا قلائل، منها صناعة الأحذية يدويّاً، والأهم والأبرز منها صناعة الطقم الرجالي يدوياً أيضاً.

طرابلس، أو طرابلس الشام. الإسمان لمدينة واحدة، لكنّ كلاً منهما يحيل إلى معنى وإلى تاريخ. والتاريخ في طرابلس ليس ذاكرة وحسب بل هو تاريخ حاضر ومعاش. فالتنقل بين أماكن طرابلس يضعُ الزائر في مسار تاريخي، من زمن الفاطميين والصليبيين والمماليك، وصولاً إلى زمن الانتداب الفرنسي ومنه إلى زمن الجمهورية اللبنانية الأولى ثمّ الثانية وفق التعريف السياسي. والزمن الأخير يبدو زمناً هجيناً خلط الماضي بالحاضر على نحو دراماتيكي، زادته دراماتيكية العولمة واقتصاد السوق، اللذان ليس أضرّ منهما عندما يفرضان معاييرهما على فضاء تاريخي وحضاري بلا روادع ثقافية واجتماعية/ اقتصادية فيه، فينزعان عنه خصوصيته ويشوّهانه تشويهاً فظيعاً.

ليس أدّل على هذا التراكم التاريخي في طرابلس أكثر من تنوّع حيّزها العمراني من القلعة والأسواق القديمة، مروراً بعمارة الانتداب وما بعدها، وصولاً إلى العمارة الحديثة التي تشبه لبنان ما بعد الحرب. كذلك فإنّ كثرة المهن التي يتقنها الطرابلسيون، قديمها وحديثها، من زخرفة النحاس إلى صناعة المفروشات إلى الحلويات والمأكولات الشرقية، دليل آخر على هذا التراكم. وهذه بطبيعة الحال مهنٌ معروفة من أهل البلد ومن زوّارها. إلّا أنّ ثمّة مهناً أخرى يتقنها أبناء المدينة وهي ذات قيمة مهنية وفنية، إلّا أنّها وعلى رغم ذلك قليلة الشهرة ولا يعرفها إلا قلائل، ومن هذه المهن صناعة الأحذية يدويّاً، والأهم والأبرز منها صناعة الطقم الرجالي يدوياً أيضاً.

هنا تكمن مفارقة كبيرة في هذه المدينة التي تعتبر الأفقر في محيط البحر الأبيض المتوسط. ففي قراءة لتاريخ هذه المهنة وحاضرها يمكن بناء تصوّر أو أطروحة علمية عن واقع المدينة ولبنان، والتغييرات الاجتماعية الاقتصادية الهائلة التي حدثت فيهما، لأسباب داخلية متصلة بالأوضاع السياسية والاقتصادية، خصوصاً بعد اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 والانتقال منها إلى جمهورية الطائف التي أتت لتكريس وقائع الحرب سياسياً واقتصادياً وثقافياً. وكذلك لأسباب متصلّة بالتغيرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي حدثت في العالم في زمن العولمة واقتصاد السوق والتجارة الحرّة، وصولاً إلى زمن الذكاء الاصطناعي الذي أعاد ترتيب حياة البشرية وفق قواعد وأنماط ووتائر جديدة.

وبالعودة إلى مهنة الخياطة كما لا يزال يمارسها اثنان أو ثلاثة خياطين في المدينة بعدما كانت طرابلس في الماضي، وخصوصاً قبل الحرب الأهلية، مقصداً لكلّ مناطق الشمال اللبناني ولا سيما زغرتا والكورة وصولاً إلى جبيل. وهذا بحثٌ آخر عن أسباب انقطاع أهل هذه المناطق عن زيارة طرابلس وأسواقها على ما كان يحصل ماضياً.

ليس الحديث هنا عن تفصيل الملابس الرجالية ومن ثمّ صناعتها في بضع ساعات من العمل يدوياً وآلياً على السواء مع أخذ قياس الزبون مرتين أو ثلاث مرّات في حدّ أقصى، لضبط مقاس الملابس على الجسم. إنما المقصود أجود صناعات الطقم الرجالي وأكثرها اتقاناً وحرفية، أي ما يسمى في اللغة الإنكليزية bespoke، وفي الفرنسية grande mesure وهي تقنية أعلى مستوى مما يسمّى بالفرنسية sur mesure.

تقنية الـ”بيسبوك” تعني أن تكون السترة أو “الجاكيت” على مقاس جسم الرجل تماماً، ملتصقة به كأنها جزء منه، ما يعطيها رونقاً مختلفاً لناحية الثبات على الجسم و”تآخي” القماش مع الجسد وحركته. كذلك فإنّها تتميّز بحصرية العمل اليدوي، إذ إنّ الآلة إذا ما استخدمت فيها فإنّ استخدامها يكون في مواضع محدّدة وغير أساسية، بينما العمل الأساسي ينجز يدوياً وفي أدقّ التفاصيل. وغنيّ عن القول إنّ هذه التقنية يشتهر بها الخياطون الأوروبيون ومنهم الإنكليز في شارع savile row أو الإيطاليون في روما ونابولي أو الفرنسيون خصوصاً في باريس.

شرق وغرب

ثمّة رواية في طرابلس أنّ هذه التقنية في الخياطة وصلت إلى المدينة من القدس مطلع القرن الماضي، عندما كانت القدس بدأت تأخذ طابعاً كوسموبوليتياً مع وجود الأجانب فيها، وخصوصاً الإنكليز. يقال إن ثمّة فتياناً طرابلسيين أخذوا المهنة عن خياطين أوروبيين في القدس، وثمّ أتوا للعمل في طرابلس. كذلك ثمّة رواية أخرى تقول إن خياطين إيطاليين أتوا إلى طرابلس مطلع القرن الماضي للعمل في المدينة، حين كانت إيطاليا تمرّ بضائقة اقتصادية، فأخذ خياطو ذلك الزمن في طرابلس المهنة وتقنياتها عنهم مع بداية انتقال الرجال من اللباس التقليدي أي الشروال أو الغنباز إلى اللباس الحديث على الطراز الأوروبي. وبذلك يكون الأوروبيون قد عادوا إلى طرابلس معلّمين بعدما تعلمّوا قبل بضع مئات من السنين فنون النسيج والحياكة عندما احتلوها إبّان الحملات الصليبية.

معكرونة تونس

وهذا أمر حصل مثيله في تونس مثلاً، فبعدما انتقلت المعكرونة من تونس في الضفة الجنوبية للمتوسّط إلى إيطاليا عبر صقليا في القرن العاشر، عاد الإيطاليون ونقلوا تقنيات صنعها إلى تونس نهاية القرن التاسع عشر، عندما هجروا بلادهم إلى تونس هرباً من الأزمة المعيشية في موطنهم. ولا يزال إلى اليوم حيٌّ في بنزرت في تونس معروف بأنواع المعكرونة التي نقلها الإيطاليون معهم إلى المدينة.

تقنية الـ”بيسبوك” تعني أن تكون السترة أو “الجاكيت” على مقاس جسم الرجل تماماً، ملتصقة به كأنها جزء منه، ما يعطيها رونقاً مختلفاً لناحية الثبات على الجسم و”تآخي” القماش مع الجسد وحركته.

كذلك فإنّ نصوح الدبوسي الذي كان أشهر خياطي طرابلس في خمسينات وستينات القرن الماضي تعلم المهنة في بيروت التي انتقل إليها مع أمّه بعد وفاة والده، على ما يروي أحد أفراد عائلته. كما أنّ الدبوسي أرسل ولده توفيق إلى فرنسا لاكتساب خبرات إضافية في المهنة. وتوفيق هذا أكمل في المهنة حتى وفاته في الثمانيات، ليكمل بعده تلاميذ والده ومنهم أديب عوض وجلال السكري. وهؤلاء تعلم عندهم آخر جيل من الخياطين الطرابلسيين وفق تقنية الـbespoke، ومنهم الخياط أحمد العلي.

bespoke

يشرح العلي مميّزات هذه التقنية في الخياطة والفرق بينها وبين الصناعة الآلية. يشير إلى أن أهمّ ما في هذه التقنية هو “إلصاق القماش يدوياً بالحشوة المصنوعة من مواد طبيعية، والحشوة هذه تسمّى تيللا شعر لأنّ فيها شعر خيل”. ومن الواضح أنّ التسمية مأخوذة عن الإيطالية. وإلصاق الحشوة يدوياً فضلاً عن أنّه يخفّف من نسبة سخونة الجسم في موسم الحرّ بينما الحشوة الملصقة حرارياً تزيدها، فهو يثبّت الجاكيت على الجسم بما لا يقارن مع الصناعة الآلية. كذلك فإنّ هذه التقنية تحفظ الجاكيت مدّة طويلة تصل إلى 15 سنة. وهو ما يقوله الخياط الباريسي andre guilson، الذي يشير إلى أنّ ارتفاع سعر الطقم المصنوع بهذه التقنية لا يقاس فحسب على جودة صنعه وحرفيته، إنما أيضاً على بقائه صالحاً للبس مدة طويلة.

يقول العلي إنّ صناعة الطقم وفق هذه التقنية يستغرق بين ستين وسبعين ساعة من العمل اليدوي، ولذلك فإنّ هذه المهنة تتطلّب جهداً استثنائياً وتركيزاً أيضاً، وبالتالي فإنّ من يشتغلها يهجرها إن لم يلق تقديراً وأجراً مناسبين لقاء عمله. فمثلاً بعض المارة يدفعهم فضولهم إلى المرور به لسؤاله عن كلفة الطقم، وما أن يجيبهم حتى يتأففوا قائلين إنّ أفضل طقم في السوق بكذا وكذا. هؤلاء بالنسبة إلى العلي لا يعرفون عمّا يتكلمّون. مع العلم أنّ البدَل الذي يتقاضاه الخيّاط في طرابلس عن خياطة الطقم لا يصل إلى ثلث ما يتقاضاه خيّاطو الـbespoke في بيروت، وهم باتوا قلّة قليلة جداً، فمحلّات الخياطة الرجالية في بيروت وسائر المناطق بمعظمها تعمل وفق تقنية تستخدم فيها الآلة بشكل أساسي مع بعض اللمسات اليدوية، وحتى هؤلاء الخياطون يتقاضون بدلاً أعلى بكثير مما يتقاضاه خياطو طرابلس.

ثقافة مضادة

يشرح hugo jacomet الفرنسي المتخصّص في الأزياء الرجالية أنّه في الثمانينات بلغت موضة الطقم الرجالي أوجها، بعدما باتت الشركات الكبرى تلزم موظفيها بارتداء ربطات العنق أثناء الدوام وذلك تماثلاً بالزبائن الذين هم أيضاً كانوا يضعون ربطة عنق باستمرار. وقتذاك، كان التخلي عن ربطة العنق في مكان العمل يعدّ فعل تمرّد وثورة بالمطلق. اليوم اختلف الوضع، إذ باتت الأفضلية في الملابس للراحة، أي أن يكون الشخص مرتاحاً في حركته. وقد طلب مصرف jp morgan الشهير في نيوريوك من موظفيه منذ ثلاث سنوات، أن يقلعوا عن الهندام الرسمي الموحد.

يضيف أنه منذ 20 سنة كان الرجال يلبسون الطقم مضطرين، وكان هذا سلوكاً لا مفر منه، أما اليوم فسقطت الضرورة هذه، وبات لبس الطاقم اختيارياً، وفعل تمرّد على موضة الـcomfort، أي عكس ما كان عليه الوضع سابقاً.

يعتبر hugo jacomet أنّ الطقم “الجماهيري” مات، وبات ارتداء الطقم فعلاً إرادياً لا اضطرارياً، ما أعاد الاعتبار للحرفة والعمل اليدوي في مجال الأناقة الرجالية. أي أننا في صدد ثقافة مضادة لموضة الـcomfort، خلقت جماعة تبحث عن “اللمسة” والذوق والحرفية في صناعة الملابس، وهي جماعة تتوسّع وتشدّ إليها أناساً جدداً. أما في طرابلس فالأمر ليس على هذه الحال البتّة، والدليل تراجع أعداد الخياطين بعدما كان في المدينة ما يزيد عن العشرة من كبار خياطين، أو كما يسمّون بالفرنسية maître tailleur. ومن لا يزال يتقن هذه المهنة كالخيّاط أحمد العلي، لا يعلّمها لأولاده خشية أن يبقوا بلا عمل، بينما تنشأ في أوروبا مدارس لتعليم هذه المهنة التي تعتبر تراثاً فنياً وإنسانياً ووطنياً.

عن طرابلس المسيحية

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني