fbpx

جريمة قتل في برلين : الجهادي الشيشاني الذي تحوّل عميلاً سرياً

أكتوبر 13, 2019
تحمل عملية اغتيال خانغوشفيلي التي نُفذت في وضح النهار في متنزه كلينر تيرغارتن الذي يعج بالناس، جميع السمات المميزة لعملية اغتيال مُدبرة بدقة، وهو المصير الشائع الذي يؤول إليه معارضو الكرملين، ذلك القتل المُفجع الذي اعتادت أوروبا أن تشهده في الآونة الأخيرة.

بدأت القصة في مدينة تْبِلِيسِي عاصمة جورجيا، فقد قرر أخيراً مقابلتي، ولكنه كان حذراً، وفي ظل التعقيدات التي انتابت الموقف، لم أستطع لومه. ولذا سار خلفي على بعد شارعين، وأصر على الجلوس في مقهى أو مطعم هادئ في منطقة غير مكتظة بالسكان.

كان “ليفان”، كما سأُطلق عليه في هذه القصة، في السابق مسؤولاً كبيراً في وزارة الداخلية في جورجيا. ووفقاً لمسؤولين جورجيين حاليين، فقد كان مسؤولاً عن تجنيد سليم خان خانغوشفيلي وتدريبه، وخانغوشفيلي شيشاني الأصل، يبلغ من العُمر 40 سنة، نشأ وتربى في منطقة بانكيسي جورجي في جمهورية جورجيا، وأصيب بطلقات نارية في الرأس وقتل في وسط برلين في 23 آب/ أغسطس الماضي، عندما كان متوجهاً إلى مسجد محلي لحضور صلاة الجمعة.

تحمل عملية اغتيال خانغوشفيلي التي نُفذت في وضح النهار في متنزه كلينر تيرغارتن الذي يعج بالناس، جميع السمات المميزة لعملية اغتيال مُدبرة بدقة، وهو المصير الشائع الذي يؤول إليه معارضو الكرملين، ذلك القتل المُفجع الذي اعتادت أوروبا أن تشهده في الآونة الأخيرة.

لم يسلك القاتل مساراً مستقيماً لتنفيذ جريمته، فقد سافر من روسيا إلى ألمانيا عبر فرنسا وبولندا. واستعان بمسدس من طراز “غلوك 26” مزود بكاتم للصوت ليُتم مهمته. وتعارضت مهارته العالية -بما في ذلك تخلصه من المسدس، ومن شعره المستعار ودراجته التي استخدمها في عملية الهروب، في نهر شيريه، وما تلاه من تغيير سريع في الملابس والمظهر- مع أي إشارة إلى أن هذه جريمة عشوائية أو عفوية. ولا غرابة في أن الأدلة تُشير بأصابع الاتهام إلى موسكو وأن عملية الاغتيال نُفذَّت بإيعاز منها.

لطالما كان خانغوشفيلي مُستهدفاً من قبل الحكومة الروسية. ونظراً إلى أنه من قدامى المحاربين المخضرمين الناجين من الحرب الشيشانية الثانية، النزاع الانفصالي الذي قمعه بوتين بوحشية في فترته الرئاسية الأولى، فقد حظي باحترام جمّ من عشيرة “كيستي”، وهو الاسم الذي يُطلق على الأقلية الإثنية من الشيشانيين الذين عاشوا في وادي بانكيسي جورجي، شمال شرقي جورجيا. وكان مقرباً من أصلان مسخادوف، وهو الرئيس الثالث لجمهورية الشيشان المنتخب ديموقراطياً، وأحد أكبر قادة المقاتلين الشيشان، وكان لقي مصرعه عام 2005 جراء غارة شنها جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (وكالة الاستخبارات المحلية الروسية).

جاسوس؟

على رغم أن بعض التقارير التي صدرت أخيراً، أشارت إلى أن خانغوشفيلي تعاون مع وزارة الداخلية الجورجية، بصفته مُتحدثاً مع أبناء جلدته من عشيرة “كيستي”، فقد أفاد موقع “ذا ديلي بيست” بأنه كان أشبه بجاسوسٍ بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

عمل خانغوشفيلي عن كثب تحت إشراف ليفان وحمايته طيلة 6 سنوات، على تناقل معلومات استخبارية بالغة الأهمية عن النشاط الجهادي. وبحسب ليفان، فإن المعلومات -التي توصل إليها خانغوشفيلي- ساعدت على تحييد منظمة أوزبكية متطرفة تستهدف القوقاز وتهدف إلى قمع الحركة الإسلامية التي ظهرت في أعقاب انضمام جورجيا إلى الحرب التي قادها حلف الناتو في أفغانستان.

وبحسب ما زعم ليفان، فقد تواطأ خانغوشفيلي أيضاً بصفته عميلاً في مكافحة التجسس حتى غدا كذلك، وصار يُقدم تقارير عن أعضاء من أبناء عشيرته جُنِّدوا من قبل جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB)، أو أصبحوا عملاء لقائد الشيشان، القوي الموالي لبوتين، رمضان قديروف. لدرجة أنه تمكن من جعل أحدهم يغير انتماءه ويعمل لمصلحته.

في هذا الصدد قال ليفان، “لقد أحضر خانغوشفيلي، ذات مرة، رجلاً جورجياً مُجنداً من قبل الروس وأرغمه على الاعتراف بكل شيء للسلطات، لكن هذا الشخص بدوره قدَّم خدماته للدولة الجورجية وغدا عميلاً مزدوجاً، والفضل يعود إلى سليم خان.

في حين وجد مسؤولو مكافحة الإرهاب الأميركيين معلومات خانغوشفيلي الاستخباراتية موثوقة ومفيدة واستفادوا منها، بحسب ليفان.

وأضاف ليفان: “تعرفت من خلاله إلى رجل شيشاني قدمته بعد ذلك لزملائنا الأميركيين، وبدورهم وظفوه في مركز تابع لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي) في تبليسي، وكانوا يدفعون له المال بناءً على تقييم سليم خان له”، وأُرسِل هذا العميل لاحقاً إلى الخارج من طريق وكالة الاستخبارات المركزية.

كما ذكر جون سايفر، الذي شغل منصب نائب رئيس العمليات الروسية في وكالة الاستخبارات المركزية خلال العقد الأول من الألفية، فإن قصة ليفان تبدو حقيقية، وقال إنها “تظهر الدور البغيض الذي يؤديه الروس دوماً في البلدان الأخرى”. مضيفاً أن الروس “لا يخشون المشاركة في أعمال مراقبة أو تجسس أو حتى قتل. في هذه الحالة -أي عملية قتل سليم خان خانغوشفيلي في برلين- قتلوا شخصاً كان يساهم في حماية المنطقة من الإرهابيين الإسلاميين”.

عام 2006، أُعيد خانغوشفيلي إلى وطنه من قلب ساحات القتال الموبوءة في العاصمة الشيشانية غروزني، ولم يلق رجوعه إلى مسقط رأسه في جورجيا ترحيباً حاراً. قال ليفان، “في ذلك الوقت، لم تكن تصوراتنا المبدئية حول سليم خان اتضحت بعد. لم نكن واثقين إن كان في صفنا أم لا، كان عائداً لتوه من حرب الشيشان الثانية ولم نكن ندري ما إذا كان متطرفاً”.

من عجيب المفارقات، أن محاولة اغتيال فاشلة لذاك الانفصالي المتقاعد هي ما جعلته يثق في الحكومة الجورجية وليفان. فكما أخبرنا ليفان، “استأجرت روسيا قاتلاً مأجوراً من جمهورية أوسيتيا الجنوبية لقتل سليم خان واثنين من المسؤولين الجورجيين. لكن القاتل المأجور تردد وسلم نفسه لنا عام 2006. وقال إنه سُجن في روسيا بتهمة السطو المسلح وجُند من قبل الأجهزة الأمنية. استدعينا سليم خان وأبلغناه مخطط اغتياله. بعدها، أخذت ثقته في الحكومة الجورجية تتزايد. ومن هنا بدأ تعاوننا معاً، ونمت جذور الصداقة بيننا بالفعل”.

 

تحمل عملية اغتيال خانغوشفيلي التي نُفذت في وضح النهار في متنزه كلينر تيرغارتن الذي يعج بالناس، جميع السمات المميزة لعملية اغتيال مُدبرة بدقة، وهو المصير الشائع الذي يؤول إليه معارضو الكرملين، ذلك القتل المُفجع الذي اعتادت أوروبا أن تشهده في الآونة الأخيرة.

 

صداقة ثم مواجهة

توثقت تلك الصداقة عندما رد خانغوشفيلي المعروف خلال حادث وادي لوبوتا الشهير الذي وقع عام 2012، إذ حاول 17 متمرداً إسلامياً مسلحاً -كان بعضهم من الروس- التسلل إلى داغستان عبر الحدود الجورجية. ثم نشبت في أعقاب ذلك مواجهة عنيفة بين تلك المجموعة والجيش الجورجي استمرت ثلاثة أيام، وأسفرت عن مقتل 14 شخصاً، ثلاثة من بينهم كانوا من جانب الحكومة: جنديان من القوات الخاصة التابعة لوزارة الداخلية وعريف في الجيش.   

لو قطع المقاتلون الحدود بنجاح، لأدى ذلك  -بمنتهى اليسر- إلى إثارة مواجهة جديدة بين موسكو وتبليسي، بعد أربع سنوات فقط من الاجتياح الروسي لجورجيا الذي أدانه المجتمع الدولي. وأشار ميخائيل ساكاشفيلي، الرئيس الجورجي وقتها، صراحةً إلى أن تلك الحادثة كانت عملاً استفزازياً يهدف إلى تحقيق تلك الغاية.

في ما بعد، استضاف موقع الأخبار المحلي (العقدة القوقازية) “Caucasian Knot” خانغوشفيلي بوصفه “المُتفاوض” مع المتمردين، وقال إنه كان يعرف اثنين منهما شخصياً. في الواقع، ووفقاً لليفان، أدى سليم خان دوراً أكبر بكثير من مجرد التفاوض معهم.

أوفد ليفان إلى قرية لابانكوري، مسرح الجريمة، بوصفه مسؤولاً عن مكافحة الإرهاب في وزارة الداخلية، وذلك لإقناع الإسلاميين بالتخلي عن أسلحتهم وتسليم أنفسهم. نجح ليفان في إقناعهم بإطلاق سراح أحد أفراد حرس الحدود الجورجية، لكنهم رفضوا شروطه الأخرى. عوضاً عن ذلك، أخبره المقاتلون بأنهم سيأخذونه الآن رهينة للضغط لإجراء مفاوضات موسعة مع تبليسي.

بسبب مرجعيته المعنوية عند الشيشان التي لا تزال مستمرة، رافق خانغوشفيلي ليفان إلى تلك المفاوضات المثيرة ووضع خطة هروبه. فقد استدرج المتمردين إلى مكان آخر، حيث تغطية أفضل لشبكات الهواتف الخليوية بذريعة تمكين ليفان من معاودة الاتصال بقيادته العليا في وزارة الداخلية واطلاعهم على مطالب المتمردين.   

قال ليفان، “لحق بنا اثنان من المسلحين إلى مكان يمكننا إجراء المكالمة منه. قال لي سليم خان (واصل المسير). وجعل المسافة بيني وبينهم تتزايد باطراد. كانوا يمشون خلفنا. وعلى بعد نحو مئة متر كان ثمة موقع لإحدى القوات الجورجية الخاصة. ضللهم سليم خان وقادهم مباشرة إلى الكمين”.  

“انطلق سليم خان مبتعداً بمجرد وصوله إلى الثكنة العسكرية. ثم بدأ إطلاق النار. قُتل أحد الإسلاميين خلال تبادل إطلاق النيران مع الجنود الجورجيين، في حين قُتل العشرة الباقون لاحقاً خلال اشتباك منفصل”. 

“لولا سليم خان، لكنت ميتاً الآن”، هكذا صرح ليفان بموضوعية، مضيفاً أن تفكير عمِيله السريع لم يحمِ جورجيا من خطرٍ يهدد أمنها القومي فحسب، وإنما أنقذ روسيا من تهديدٍ مماثلٍ محتملٍ أيضاً”. 

لم يكن عابرو الحدود المحتملون هؤلاء مجرد مجموعة من المقاتلين القدماء. فقد اعتقل أحمد شاتاييف، وهو مواطن روسي وأحد المقاتلين الناجين من حادثة وادي لوبوتا، لكن برأته المحكمة في ما بعد. ثم عاد للظهور مرة أخرى عام 2015 بصفته زعيماً لإحدى كتائب “داعش” النخبوية في سوريا. وبعد عامٍ، كان هو العقل المُدبِر للتفجير الانتحاري الذي نفذته مجموعة إرهابية في مطار أتاتورك الدولي بإسطنبول، وهو حادث وحشي راح ضحيته 45 شخصاً، قبل أن يُقتل على يد القوات الخاصة الجورجية بعد حصار دام 20 ساعة في مدينة تبليسي أواخر عام 2017. 

أبلغ خانغوشفيلي في ما بعد عن جهاديٍ من مضيق بانكيسي في جورجيا مطلوب القبض عليه من جميع دول العالم تقريباً. وهو طرخان باتيرشفيلي، المعروف على نطاق واسع باسمه الحركي وهو أبو عمر الشيشاني، الذي أدار في مرحلةٍ ما احتلال “داعش” العسكري لحلب. عندما تبين أن أبا عمر الشيشاني، الجندي السابق المتطوع في القوات المسلحة الجورجية الذي تلقى تدريباً على يد القوات الخاصة الأميركية وشارك في حرب جورجيا مع روسيا عام 2008، ذهب إلى سوريا من أجل الانضمام إلى المجموعة الإرهابية، قدم خانغوشفيلي ملفاً قام فيه بتحليل شخصيته لليفان.  

وسيتضح أن هذا كان أحد تدخلاته الأخيرة لمصلحة بلاده.

عام 2012، تولت حكومة أكثر تأييداً لموسكو مقاليد السلطة في تبليسي، وأصبح خانغوشفيلي مُرتاباً من مواصلة التعاون مع وزارة الداخلية التي تعرض موظفيها لعملية تطهير شاملة، من بينهم ليفان، لمصلحة الموالين للحزب الحاكم الجديد، بقيادة رجل الأعمال ورئيس وزراء جورجيا الأسبق، بيدزينا ايفانيشفيلي.

محاولة اغتيال أخرى

تعرض بعدها لمحاولة اغتيال أخرى.

عام 2015، كان خانغوشفيلي يقود سيارته في تبليسي، على مقربة من منزله، عندما اقترب مُسلح من سيارته وفتح النار عليه من على بعد ثلاثة أمتار. وصف ليفان الحادث قائلاً، “لقد توقف سليم خان عند إشارة المرور في ميدان جاجارين، وبشكل يثير الدهشة، لم تصب أي من الرصاصات –الـ7 أو الـ8- التي أُطلقت عليه سوى ذراعه. فقد اتسم بذراعين غليظتين. وكان ذلك الموقع قريباً من أحد المستشفيات، لذا قاد سيارته بنفسه إلى هناك بعد ذلك”.

وقع حادث إطلاق النار بالكامل على مرأى من كاميرات المراقبة المرورية، إنما لم تُحدد هوية القاتل أبداً، ناهيك بالقبض عليه. فضلاً عن أن “مركز حقوق الإنسان والرصد”، وهو منظمة غير حكومية جورجية، كشف أن الحكومة أجرت تحقيقاً “شكلياً” “اتسم بعيوب قانونية كبيرة”، تضمنت السماح بتدمير الأدلة المُسجلة على الجريمة، وعدم توفير الدولة وسائل الحماية الضرورية لخانغوشفيلي وعائلته.

أوضح ليفان أنه “بعد تلك الحادثة نَمت لدى سليم خان قناعة بأن السلطات الجورجية تتعاون مع الروس. ولم يعد يعتقد أنه آمن في جورجيا بعد الآن. وكان مُحقاً في ذلك”.

هاجر خانغوشفيلي، أولاً إلى أوكرانيا، ثم إلى بولندا، قبل أن ينتهي به المطاف في ألمانيا، حيث كان يسعى للحصول على حق اللجوء حتى اللحظة المُفاجئة التي لقي فيها مصرعه هناك. لم يكن خانغوشفيلي عُرضةً فقط لمكائد الأعداء من الخارج في مثواه الأخير في المنفى، بل حامت حوله الشكوك والشبهات من قبل السلطات، وتعرض للاعتقال والتنكيل.

 

منذ اغتياله، رسمت تسريبات من الاستخبارات الألمانية، ساهمت في تشكيلها بكل تأكيد سنوات شهدت الكثير من المعلومات المُضللة الموالية للكرملين، صورة مختلفة لشخص عدواني ينتمي للأقليات المتطرفة، نال ما استحقّه من موت مُفجع، أو على أنه رجل هارب من شراك فوضوي وقع فيه نتيجة تعاونه مع الجريمة المنظمة. وذهبت مساعداته التي دامت ست سنوات، كان خلالها خانغوشفيلي من أثمن العملاء لأجهزة الأمن الأوروبية، ومصدراً قيماً غير مباشر للمعلومات لأجهزة الاستخبارات الأميركية، جميعها سُدى.

سخر ليفان من مزاعم برلين المغلوطة، التي عزاها إلى رغبة المستشارة أنغيلا ميركل في تجنب نشوب خلاف كبير مع موسكو، بسبب مقتل أحد طالبي اللجوء. فقد كان الرجل الذي اعتمد عليه ليفان لحماية جورجيا من الإرهاب الديني والإرهاب الذي تضطلع به الدولة، بحسب ما قاله، زير نساء لم يبد أي مقاومة لطلب زوجته الطلاق، وكان يحب شرب الجعة الألمانية. وأصر ليفان قائلاً، “لقد كان جهادياً بقدر ما أنا جهادي”.

وأضاف: “كان عيد ميلاده قبل أسبوع من مقتله. ولذا اتصلت به لأتمنى له عيد ميلاد سعيداً، وطلب مني أن أزوره في برلين حتى نتمكن من الذهاب إلى الحانات ونتناول الجعة معاً. وكان يرغب بشدة في العودة إلى جورجيا”.

وفق ما ذكره الصحافي مايك بومغارتن، في مجلة “دير شبيغل” الألمانية، الذي كتب الكثير من المقالات حول جريمة قتل خانغوشفيلي، فإن السلطات الألمانية تعلم تمام العلم أن الضحية لم تشكل أي تهديد على الإطلاق عليهم أو على الدولة الألمانية. قال بومغارتن، إنه من الطريف حقاً “أن الفندق الذي مكث فيه خانغوشفيلي، كان يقع في الشارع المقابل من مقر دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية، المسؤولة عن الاستخبارات الخارجية”.

وعلى رغم ذلك، فقد وصف “مكتب الشرطة الجنائية الاتحادية” في برلين خانغوشفيلي بأنه شخص “خطير”، ويُمكن اعتباره قادراً على ارتكاب جرائم جنائية. بيد أن هذه الصفة أُزيلت عنه قبل بضعة أسابيع فقط من إطلاق النار عليه، ويعزو ذلك إلى “إدراك المكتب أن خانغوشفيلي لم يزر قط مسجداً إسلامياً في برلين”، كما قال بومغارتن نقلاً عن مصدر من مكتب الشرطة الجنائية الاتحادية، وأضاف المصدر قائلاً، “أن تفعل الأمر مُتأخراً خير من ألا تفعله أبداً، ولكن كان من الحماقة فعل ذلك من الأساس”.

في الوقت نفسه، لا يزال قاتل خانغوشفيلي قيد الاحتجاز لدى الشرطة عقب القبض عليه واعتقاله في متنزه كلينر تيرجارتن ببرلين. وقد حددت المخابرات الأميركية هويته، بأنه مُدان روسي سابق حُكم عليه بتهمة القتل، وتمكن من الحصول بطريقة ما، بعد الإفراج عنه، على جواز سفر شرعي من الدولة الروسية باسم مُزيف يُدعى فاديم سوكولوف. وقال كريستو غروزيف من موقع “بلينغكات للصحافة الاستقصائية” المتخصص في التأكد من الحقائق والاستخبارات مفتوحة المصدر، الذي يعمل على كشف الجاني استناداً إلى “الأسطورة” التي جمعها على عجل، إن الاستخبارات الأميركية قبضت على الشخص الخطأ، إذ إن قاتل خانغوشفيلي ليس مجرد مُدان سابق بل هو “عميل حكومي” روسي.

يأتي هذا الفعل المدبر بوضوح لهذه الجريمة المتعمدة بعد مرور أكثر من عام تقريباً على محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها الجاسوس العسكري الروسي، سيرغي سكريبال، وهو ضابط رسمي سابق في المخابرات الروسية، وعميل مزدوج لدى جهاز الاستخبارات البريطاني، وابنته يوليا، في المدينة التي يقع فيها مركز أبرشية ساليسبري البريطانية الهادئة.

وكما لاحظ موقع “بيلينغكات” الإلكتروني للأدلة الجنائية، فإن نظام مراقبة الحدود الروسي، الذي أصدر جواز السفر، يخضع لسيطرة جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، وهو الوكالة التي تعاملت مع القسم الأكبر من عمليات روسيا في جورجيا بسبب اعتقاد الكرملين بأن شؤون هذه الدولة التي حصلت على سيادتها في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي، لا تزال “محلية” وليست أجنبية.

ومع ذلك، فإن القتلة الروس المحترفين، المسؤولين عن محاولة اغتيال سكريبال باستخدام غاز نوڤيتشوك -سلسلة من غازات الأعصاب طورها الاتحاد السوفياتي في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي- الذين كُشف عن هوياتهم منذ ذلك الحين بوصفهم ضباطاً في مديرية المخابرات الرئيسية، وهي جهاز استخبارات عسكرية خارجية في روسيا الاتحادية، صدرت لهم جوازات سفر من جهاز خدمة الهجرة الفيدرالية في موسكو، الذي أصدر جواز سفر سوكولوف.

وأشار موقع “بيلينغكات” إلى أن جوازات سفرهم تشبه إلى حد كبير جواز سفر سوكولوف، فجميعها صدر من دون أي بيانات حول الاستدلال البيولوجي، الذي يُعد وجوده إلزامياً في جميع جوازات السفر الروسية منذ عام 2009، باستثناء “الحالات الطارئة عندما لا يكون لدى مُقدم الطلب وقت لانتظار عملية تشفير بصمات الأصابع والطباعة”. بل في الواقع، استخدم حوالى 20 عميلاً من عملاء مديرية المخابرات الرئيسية، كشف الموقع عنهم خلال السنوات الأخيرة، من ضمنهم الفريق الذي حاول اغتيال سكريبال، جوازات السفر هذه “قديمة الطراز” في محاولات عقيمة للغاية لإخفاء هوياتهم السرية المزيفة.

في النهاية، سواء أكانت أجهزة التجسس الروسية وراء اغتيال خانغوشفيلي أم لا، فإن ليفان لا يهتم حقاً. وقال صراحةً إن “جهاز الأمن الفيديرالي الروسي ومديرية المخابرات الرئيسية، كلاهما عدوّنا”.

 

هذا المقال مترجم عن thedailybeast.com ولقراءة المادة الأصلية زوروا الرابط التالي.

“فلاديمير العظيم”: كيف شكّل روسيا والعالم في سنوات حكمه العشرين؟

 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
خطابه اليوم كان حلقة في مسلسل الخطب التي بدأها في 17 تشرين، لكنه جاء هذه المرة مخضباً بانفجارٍ بحجم قنبلة نووية. الانفجار أكبر بكثير من أن يُصد بخطاب من هذا النوع.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني