fbpx

عبد الوهاب الساعدي… من قيادة المعارك ضد “داعش” إلى الإقامة الجبرية

انشغل العراقيون ومعهم متابعو الشأن العراقي بشخصية القائد العسكري عبدالوهاب الساعدي، الذي كان تحجيم موقعه البارز في الجيش سبباً من أسباب الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي حصلت... فمن هو عبد الوهاب الساعدي وكيف نشأ وتطور ليصبح شخصية مؤثرة إلى هذا الحد؟

انشغل العراقيون ومعهم متابعو الشأن العراقي بشخصية القائد العسكري عبدالوهاب الساعدي، الذي كان تحجيم موقعه البارز في الجيش سبباً من أسباب الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي حصلت.

فمن هو عبد الوهاب الساعدي وكيف نشأ وتطور ليصبح شخصية مؤثرة إلى هذا الحد؟

من الساحات التي تشهد الآن احتجاجات شعبية ضد السلطة، وتحديداً عام 1963 ولد عبد الوهاب الساعدي، في مدينة الصدر (مدينة الثورة سابقاً) في العاصمة العراقية بغداد، ومن جامعة الموصل نال شهادة البكالوريوس في الفيزياء، ثم دخل الكلية العسكرية في بغداد ليتخرج منها عام 1985 برتبة ملازم، ثم نُسِّب بعدها إلى وحدة القوات الخاصة في الجيش العراقي.

عام 1996، تخرج الساعدي من كلية الأركان برتبة رائد وكان ضمن العشرة الأوائل، ثم بعدها دخل كلية القيادة، وتخرج منها برتبة عقيد، ومن كلية الحرب نال شهادة الماجستير في العلوم العسكرية، وعمل أستاذاً فيها عام 2000.

عبد الوهاب الساعدي عندما كان أستاذاً في كلية الأركان العسكرية

بعد احتلال العراق عام 2003 وبدعم مباشر من الجيش الأميركي، تأسس جهاز مكافحة في أيلول/ ديسمبر 2003، وأطلق عليه حينها “قوات صقر الرافدين”، ثم سُمّي “لواء العمليات الخاصة”، ثم “قيادة العمليات الخاصة”، وأخيراً أطلقت عليه تسمية “جهاز مكافحة الإرهاب” عام 2009. وفي العام ذاته، قرر رئيس الوزراء حينها نوري المالكي ربط الجهاز بمكتبه الخاص، وفك ارتباطه بشكل نهائي عن وزارتي الدفاع والداخلية.

قبل اجتياح تنظيم “داعش” محافظات عراقية عدة، كان “جهاز مكافحة الإرهاب” يضم فرقة عسكرية تنتشر في العاصمة العراقية بغداد، وفرقتين للعمليات الخاصة، هما الفرقة الثانية والفرقة الخامسة، إضافة إلى لواء ينتشر في محافظات البصرة والموصل وديالى.

منذ تأسيسه عام 2003، شغل الساعدي منصب نائب قائد الجهاز الذي تولى قيادته أولاً اللواء فاضل برواري، ثم انتقلت القيادة إلى الفريق الركن عبد الغني الأسدي، الذي يُشاع عنه قربه من رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، إذ شن الجهاز في ولايته الأولى عام 2009 حرباً ضد جيش المهدي في البصرة، سميت “صولة الفرسان”.

بدأ اسم الساعدي يُتداول في الأوساط الشعبية ووسائل الإعلام بعد عام 2014، وتحديداً بعد اجتياح تنظيم “داعش” محافظة الأنبار وسيطرته على معظم مدنها، إذ أنيطت للساعدي مهمة قيادة قوة من جهاز مكافحة الإرهاب والقوات الخاصة في وزارة الداخلية لاستعادة المناطق التي كان “داعش” يسيطر عليها.

استطاعت القوات العراقية تحت إمرة الساعدي استعادة المناطق الخاضعة لسيطرة “داعش” في محافظة الأنبار، ابتداءً من مدينة بروانة في أقصى غرب المحافظة، مروراً بمدينة الرمادي مركز المحافظة في أيلول 2015، ودفعت هذه الانتصارات إلى تكليف الساعدي قيادة التشكيلات العسكرية لخوض معركة الفلوجة التي كانت الاختبار الأصعب في الحرب على “داعش”.

بدأ اسم الساعدي يُتداول في الأوساط الشعبية ووسائل الإعلام بعد عام 2014، وتحديداً بعد اجتياح تنظيم “داعش” محافظة الأنبار وسيطرته على معظم مدنها

نجح الساعدي في استعادة مدينة الفلوجة من تنظيم “داعش” بعد شهرين من المعارك، وصُنِّفت معركة الفلوجة على أنها أسرع المعارك التي استُعيدت فيها مدينة كبيرة من التنظيم، وكانت أقل المعارك من حيث الخسائر المادية والبشرية، ويأتي هذا الانتصار الكبير الذي جعل الساعدي من أهم القادة العسكريين، بعد سنة من قيادته معركة استعادة مدينة تكريت، مركز محافظة صلاح الدين.

من الأنبار، انتقل الساعدي إلى قيادة القوات العراقية في معارك استعادة مدينة بيجي في محافظة صلاح الدين، واستطاع جهاز مكافحة الإرهاب المدعوم برَّاً من الشرطة الاتحادية وميليشيات الحشد الشعبي، وجوَّاً من طيران التحالف الدولي، من طرد تنظيم “داعش” من بيجي وفك الحصار عن مصفى بيجي أكبر المصافي النفطية في العراق في تشرين الأول/ أكتوبر 2005.

الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي

مع انحسار سيطرة “داعش” في العراق، وطرده من المدن الكبرى، كانت مدينة الموصل التي تعد ثالث أكبر مدن العراق، لا تزال في قبضة التنظيم المتشدد، وكلما كان يخسر مدينة، كان يعزز ترسانته العسكرية وانتحارييه في الموصل التي أعلن منها زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي “دولة الخلافة الإسلامية” من جامع النوري الكبير وسط المدينة القديمة عام 2014.

عام 2016 أطلق العراق معركته الكبرى لاستعادة مدينة الموصل من التنظيم، وقاد الساعدي القطاعات العسكرية التي تولت استعادة المحور الشرقي للمدينة، وكان له الفضل في قتال التنظيم باستراتيجية حرب الشوارع أو ما يُعرف بـ”المجاميع المتجولة”، وكان الساعدي يخوض المعارك شخصياً برفقة جنوده في شوارع الموصل.

بعد سبعة أشهر وتحديداً في تشرين الأول 2016 طُرِد التنظيم من مدينة الموصل، ورُفِع العلم العراقي على جامع أنقاض جامع النوري، وأعلنت بغداد النصر النهائي على تنظيم “داعش” في العراق، وكان حينها الساعدي يحظى بشعبية لا نظير لها في العراق عموماً، وفي الموصل على خصوصاً.

وهنالك قصة مشهورة للساعدي مع طفلة من مدينة الموصل، يقول عنها في حديث سابق مع كاتب التقرير إنَّ معلومات استخباراتية وردت بأن تنظيم داعش جنَّد طفلةً للخروج مع المدنيين الذين كانوا يهربون من بيوتهم خلال المعارك في المدينة القديمة، وكلَّفها بمهمة البحث عن الساعدي وتفجير نفسها عند رؤيته. وأضاف الساعدي أنه وخلال تأمين طريق خروج للمدنيين سمع طفلة تبحث عنه وتبكي، وتطلب رؤيته ولكنه عندما رآها قال في نفسه: “إن كنتُ سأموت على يد هذه الطفلة فلا بأس”، لكن هذا لم يحدث ووثقت الكاميرا موقفاً إنسانياً للساعدي مع الطفلة لا يزال يتردد في العراق.

في 27 أيلول 2019، أثار خبر نقل الساعدي من جهاز مكافحة الإرهاب إلى إمرة الجيش، غضباً شعبياً واسعاً، وعده الشارع العراقي إهانة للرموز العسكرية الوطنية.

الجدل بشأن نقل الساعدي إلى إمرة الجيش أكده هو شخصياً في تصريحات إعلامية، وعدّ القرار “عقوبة، وإهانة لتاريخه العسكري” وقال معترضاً على قرار نقله: “لم أجلب رتبتي من الشارع، وجميع الضباط في قيادة القوات الأمنية الآن، تدربوا على يدي في كلية الأركان”.

الساعدي تحدث عن كتاب سري وجهه رئيس جهاز مكافحة الإرهاب طالب شغاتي إلى رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، يطلب فيه نقله إلى موقع آخر وتكليف الفريق الركن سامي العارضي لشغل منصب قائد قوات جهاز مكافحة الإرهاب بدلاً من الساعدي، وربط الساعدي قرار نقله بحادثة كشفه ملف فساد يعود إلى وجود 200 منتسب وهمي في الجهاز.

الساعدي دعا رئيس الوزراء عادل عبد المهدي إلى “حفظ كرامته وإحالته على التقاعد في حال كانت قيادة القوات المسلحة لا ترغب في وجوده”، لكن رئيس الوزراء أصرَّ على أن الساعدي عسكري وعليه التزام قرارات القائد العام للقوات المسلحة، وألمح عبد المهدي إلى أنَّ بعض الضباط الكبار يترددون إلى سفارات أجنبية، في إشارة إلى الساعدي.

لكن الساعدي رد على رئيس الوزراء العراقي بأنّه لم يزر أي سفارة فيما عدى ذهابه إلى السفارة الأميركية لاستكمال ترتيبات الحصول على تأشيرة، من أجل السفر إلى الولايات المتحدة بدعوة من جامعة هارفارد.

بعد يومين على قرار نقل الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي إلى إمرة الجيش انطلقت حملات كبيرة للتضامن معه، وفي الأول من تشرين الأول 2019، احتشدت تظاهرات في العاصمة العراقية بغداد ومدن عدة في جنوب البلاد دعماً للساعدي وتضامناً معه، ليتحول في ما بعد مسار تلك الاحتجاجات وشعاراتها إلى مطالبات بإسقاط النظام.

متظاهرون عراقيون يرفعون صور عبد الوهاب الساعدي

عبد الوهاب الساعدي تحت الإقامة الجبرية

حاول “درج” الوصول إلى الساعدي لكنه لم يتمكن، وحصل على معلومة موثقة تفيد بوضع الساعدي تحت الإقامة الجبرية في منزله في بغداد، بعد إجباره على الانتقال من جهاز مكافحة الإرهاب إلى إمرة الجيش وخروجه في أكثر من تصريح إعلامي رافضاً القرار، ومعرباً عن رغبته في التقاعد، وهذا قد يُفسر خوف السلطة من أي تحرك قد يحدث من الرجل الذي كان من الأسباب التي أدت إلى اندلاع الاحتجاجات الشعبية الكبيرة في عموم البلاد.

بالعودة إلى الكتاب السري الموجه من شغاتي إلى رئيس الوزراء، يتبين أن طلب نقل الساعدي حصل في تموز/ يوليو 2019، أي قبل شهرين من تاريخ إشاعته في وسائل الإعلام، وهذا يظهر أن الخلافات مع الساعدي ليست جديدة. كما قامت بلدية مدينة الموصل عام 2018 بنصب تمثال للساعدي في إحدى ساحاتها، تخليداً لما قالت إنها بطولاته في تحرير المدينة من تنظيم “داعش”، إلا أنَّ التمثال لم يُكشف عنه الستار منذ ذلك الوقت، وعندما قرر أهالي الموصل الكشف عن التمثال تضامناً مع الساعدي، سارعت السلطات إلى إزالته.

متظاهرو العراق: من أنتم ومن يقف خلفكم؟

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني