fbpx

نحن جزء من هذا العالم ومن أمله وأيضاً من ألمه

من الواضح أن تسريب "وثائق باراديز" هو سلاح في حرب أهلية يعيشها النظام المالي العالمي. فهذا الأخير ولشدة ما أطلق العنان للشركات متعددة الجنسيات، وجد نفسه مهدداً من قبلها، وها هو يعاود محاولة ضبط جنوحها نحو مضاعفة أرباحها على حساب أنظمة الحماية التي ضعفت وتلاشت. إنها حرفياً المهمة الأولى لتسريب هذا الكم الهائل من الوثائق والتي وصفها رئيس الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين "ICIJ" جيرالد رايل بأنها أكبر عملية تسريب في التاريخ.

من الواضح أن تسريب “وثائق باراديز” هو سلاح في حرب أهلية يعيشها النظام المالي العالمي. فهذا الأخير ولشدة ما أطلق العنان للشركات متعددة الجنسيات، وجد نفسه مهدداً من قبلها، وها هو يعاود محاولة ضبط جنوحها نحو مضاعفة أرباحها على حساب أنظمة الحماية التي ضعفت وتلاشت. إنها حرفياً المهمة الأولى لتسريب هذا الكم الهائل من الوثائق والتي وصفها رئيس الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين “ICIJ” جيرالد رايل بأنها أكبر عملية تسريب في التاريخ. إنها حرب بين كبريات الشركات وكبريات الحكومات. والمخيف أن التسريب في أحد وجوهه يكشف عن حقيقة أن الشركات في هذا النظام هي الأقوى، وأن التسريب هو أحد أشكال المقاومة التي يبديها النظام خوفاً على نفسه.
ونحن في “درج” دُعينا لأن نكون الشريك العربي في “وثائق بارادايز”، وما إن بدأت الوثائق تصل إلى أيدينا حتى طرحنا على أنفسنا سؤالاً: خزانات حكومات دول العالم الغني هي من سيستفيد من نشرنا تحقيقات عن عمليات التهرب الكبرى التي تقوم بها الشركات متعددة الجنسيات من ضرائب بلدانها الأصلية، فهل نحن كمنصة إعلامية عربية معنيون بمساعدة الحكومات الغربية في هذه المهمة؟
الأجوبة كانت كثيرة، وأولها أننا جزء من النظام المالي العالمي، وفي الوثائق ما يكشف تهرب شركات وسياسيين وفاسدين ومتمولين عرب وهروبهم إلى الجنان الضريبية، على حساب التزاماتهم الضريبية وغير الضريبية حيال بلدانهم. وهذا ما يجعل لشراكتنا معنى إضافياً.
وثانيها أن في الوثائق أيضاً حكايات فساد وإفساد ضحاياها مجتمعات تعاني فقرًا مدقعًا يقابل الغنى الهائل، وعمليات تهرب من المسؤوليات حيال مجتمعات ما زالت “مُستعمَرة” من قبل رجال أعمال غرباء وطبقة سياسية محلية فاسدة وغير شرعية، ونعني بها المجتمعات الأفريقية التي تشارك الشركات الكبرى بنشاط في تبديد ثرواتها، في ظل تفشي المجاعات والأمراض  التي لا تحرك هذه الشركات ساكناً من أجلها.
أما ثالث الأسباب التي دفعت “درج” إلى الاندراج ضمن عصبة صحافيين عالميين عملوا على هذا الملف، فإن الشركات متعددة الجنسيات والتي تملك فروعاً لها في بلداننا، والتي تهربت وتتهرّب من الضرائب في بلدانها عبر الجنان الضريبية في بلدان ثالثة، صارت، في سياق محوها حدود بلدانها وتحولها شركات “عديمة الجنسية”، شركات محلية في بلداننا كما في بلادها، وبالإضافة إلى أننا مستهلكو سلعها، فنحن أيضاً ضحايا تهربها من الضرائب في بلداننا عبر هياكل وظيفية أمنتها لها جزر الجنان الضريبية.
الرأسمالية تحاول تصويب مساراتها عبر ضبط الجموح المخيف الذي أصاب رأس المال، فأطاح قيم التكافل والحماية التي يفترضها النظام الرأسمالي لكي يصمد في وجه العواصف. وما الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي تضرب العالم عموماً والاقتصادات الغربية خصوصاً، إلا صورة عن انفلات رأس المال من ضوابط التزاماته حيال الشرائح المتوسطة والدنيا، إن لم يكن حيال الرأسماليّة نفسها.
ثم إننا في “درج” معنيون بأن نكون جزءاً من مشروع إعلامي مهمته كشف فصول الحرب الأهلية بين أجنحة النظام المالي العالمي، لا سيما وأننا نتحدث عن طبقة متضررين من نشر الوثائق تشمل رؤوس هذا النظام، ولا تستثني نجومه وأركانه، وهم اليوم في سدة السلطة، وليس دونالد ترامب وحده من ورد اسمه وأسماء شركاته من بين أفراد الطبقات الحاكمة في الدول الغربية الذين تخففوا من قيود بلدانهم الضريبية ولجأوا إلى الجنان الضريبية، واستعملوا أرباحهم في حملاتهم الانتخابية التي وعدوا فيها الناخب بحياة أفضل وبدخل أكبر وبطبابة وتعليم، في حين كانت أرصدتهم الشخصية تحلّق عالياً بفعل الجنان الضريبية، وللأسباب نفسها، باتت أحوال ناخبيهم في تدهور متواصل.
فمن قال إننا غير معنيين بكشف هذه المعادلة القاتمة؟ الغرب لم يعد بعيداً، ونخبنا الاقتصادية والسياسية وديكتاتوريونا يتعلمون ويشاركون وهم جزء من نجوم الجنان الضريبية.
لهذه الأسباب، رأى “درج” أن هذه المغامرة تستحق الجهد الذي تفرضه، والسؤال عن مصدر التسريب يبقى مهماً، إلا أنه لا يجب أن يُلغي أهمية النشر وقيمته، صحافياً وأخلاقياً وسياسياً. وهذا ناهيك عن أننا معنيون أيضاً بأن نكشف لقارئنا ومتصفحنا وقائع من هذه الحرب بين النظام الرأسمالي ونسخته المتوحشة. وفي النهاية، شعرنا أن أخياراً في هذا النظام المالي قرروا أن يكشفوا مخاطر انجرار نظامهم إلى قيم الربح ومراكمته من دون الاكتراث بالمسؤوليات المترتبة على رأس المال حيال البلدان التي يراكم فيها أرباحه. وبما أننا شعرنا بذلك، فلا بأس في أن ننجر وراء ما شعرنا به.
وبعد كلّ حساب، نحن جزء من هذا العالم، من أمله ولكنْ أيضاً من ألمه.[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد فارس – صحافي سوري
كان يُمنع على أحد أن يقترب من غرفته باستثناء الحراس والمحققين وطبيب يعاينه لعشر دقائق صباحاً. أما الحراس الآتون من “الخطيب” ومن إدارة المخابرات الجوية، فكان “صفعهم إياي أمراً طبيعياً لهم”.
Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني