هيلين هانت: “الأوسكار” رحلة قلق ومخاوف جديدة  

أكتوبر 3, 2019
"كان وقتاً رائعاً للغاية وحظيتُ بالشهرة، لذا شعرتُ بتوتّر شديد إثر خضوعي للتعقّب والمتابعة. أتذكّر أنّني كنتُ أفكّر: ماذا إن لم يكن باستطاعتي إيقاف هذا؟ هل سيكون هناك دائماً ناس يحملون كاميرات كلما ركبت سيّارتي؟ هل سيستمرّ هذا الأمر إلى الأبد؟"، تقول هيلين.

كان عمر هيلين هانت 34 سنة حين فازت بجائزة أوسكار لأفضل ممثّلة عن دورِها في فيلم “أفضل ما يمكن حصوله” (As Good As It Gets- 1997)، وأدى الاهتمام بها إلى خلق حالة من التوتّر والقلق لدَيها. تقول عن هذا، “كان وقتاً رائعاً للغاية وحظيتُ بالشهرة، لذا شعرتُ بتوتّر شديد إثر خضوعي للتعقّب والمتابعة. أتذكّر أنّني كنتُ أفكّر: ماذا إن لم يكن باستطاعتي إيقاف هذا؟ هل سيكون هناك دائماً ناس يحملون كاميرات كلما ركبت سيّارتي؟ هل سيستمرّ هذا الأمر إلى الأبد؟”.

كان الجواب “لا”. تبلغ هانت اليوم 56 سنة، وقد أهدتها هذه العقود والسنوات بين ذلك الحدث، حياةً أكثر إثارةً ولكنها أكثر خصوصيّة في الحقيقة. بعدما بدَأت مسارَها المهنيّ ممثّلةً تلفزيونيّة في سنّ التاسعة، صاغت لنفسِها حياةً ناجحة خلفَ الكاميرات كما أمامَها تماماً.

تقول هانت، “لا أظنّ أن لديّ الشهرة ذاتها الآن. لم تكن يوماً حياتي الخاصّة على قدرٍ من الإثارة، بما يجعلني دوماً على هذه الدرجة من الشهرة. لم أسعَ إلى ذلك. بالطبع سأحبّ لو كنت معروفة جيّداً بما يسمح لي بالحصول على مزيد من فرص العمل، لكن حياتي كانت أهدأ من هذا”.

هل تتذكّر هانت نقطة التحوّل؟ تقدّرها بعام 2004، حين أنجبَت ابنتها ماكينا ليي. عن هذا تقول، “أمضيت وقتاً أقلّ في العمل والمقابلات، ووقتاً أطول في حياتي الخاصّة، لذا كان من الطبيعيّ أن تسكُنَ الأمور، وكان هذا شيئاً لطيفاً. لم يعُد يتعقّبني أحد، ولستُ منزعجة من هذا. أحصل على ما يكفيني من متع الحياة، وهذا يستحق كلّ ما أبذله”.

كثُرت التخمينات حول فكرة اعتزالها الحياةَ العامّة، بعد إطلاق أربعة أفلام قويّة ورفيعة المستوى عام 2000: “ما تريده النساء”What Women Want، و”المنبوذ” Cast Away، و”إسداء الخدمات”Pay It Forward، و”النساء ودكتور تي” Dr T & the Women. إلّا أنّ هيلين تنظر إلى الأمر بصورة مختلفة، فتقول، “من المضحك أن يسألني الناس: ماذا حدث لكِ؟ حسناً، أنجبتُ طفلة؛ شخصاً كاملاً! وإلى جانب ذلك، شاركت في كتابة سيناريو وإخراج وإنتاج فيلمَين، لذا لا يبدو بالنسبة إلي أنّ حياتي كانت ساكنة تماماً. هنالك فرق بين العمل بجدّ والشهرة”.

الفيلمان اللذان تُشير إليهما هما “ثمّ عثرَت عليّ”Then She Found Me – 2007، و”جولة” Ride- 2014. يدور الأوّل حول العلاقة المعقّدة بين امرأة تبلغ من العمر 39 سنة (تقوم هانت بدورها) وقد انفصلت عن زوجها وتتلهّف لإنجاب طفل، وبين أمّها البيولوجيّة (تقوم بدورها بيت ميدلر) التي تظهر في حياتها بعد وفاةِ أمّها بالتبنّي. بُني الفيلم عموماً على رواية كتبتها إلينور ليبمان، ولكن هانت أضافت إليها مسألة الخصوبة، لأنها في ذلك الوقت كانت تسعى إلى الحمل وكان الأمر يشغل تفكيرها.

أمضت هيلين 10 سنواتٍ تحاول إطلاق الفيلم، لتجد أنّ الموزّع (شركة Think Film) أفلسَ قبل موعد الإطلاق، ما يعني عدم وجود حملة ترويجيّة أو إعلانات.

تقول بانفعال، “كان هذا هو أقهر الأمور. هذا لا يسلب منك تجربة إنتاج الفيلم وتصويره، ولكن على رغم هذا، يرغب المرء بعد تلك التجربة في أن يرى الناس ما أنجزَه. لذا كان الأمر صعباً، بل شديد الصعوبة”. في المقابلات التي أجرتها منذ ذلك الوقت، كانت هانت تُعطي انطباعاً بالدفاعيّة والحساسيّة وسرعة الغضب. على الأرجح، ومع مرور الوقت، كانت حزينة ومنكسرة.

حين التقينا في لوس أنجيليس، كانت عادت للتوّ من غرفة الكتّاب الذين يعملون على كتابة سيناريو لإعادة إطلاق مسلسل “مهووس بك”Mad About You، المرتقبة. استمرّ هذا المسلسل الكوميديّ الأميركيّ، الذي يحكي قصّة زوجَين من نيويورك حديثَي الزواج، من عام 1992 حتّى عام 1999. فازت هيلين ثلاث مرّات بجائزة “غولدن غلوب”، لدورها المتقن في أداء شخصية المختصّة في العلاقات العامّة جايمي بوكمان. ستقوم هي وزميلها بول ريزر (الذي قام بدور زوج جايمي) بالإنتاج التنفيذي والتمثيل في 12 حلقة جديدة، وستُخرِج هانت أيضاً الحلقة الأولى، بعد قيامها بإخراج بعض حلقات أبرز المسلسلات الأميركيّة مثل “هؤلاء نحن” (This Is Us)، و”عَداء” (Feud)، وأيضاً “السياسيّ” (The Politician)، وهي آخر المشروعات الكبرى للكاتب رايان مورفي بالتعاون مع شبكة “نتفليكس”.

“لا أظنّ أن لديّ الشهرة ذاتها الآن. لم تكن يوماً حياتي الخاصّة على قدرٍ من الإثارة، بما يجعلني دوماً على هذه الدرجة من الشهرة. لم أسعَ إلى ذلك. بالطبع سأحبّ لو كنت معروفة جيّداً بما يسمح لي بالحصول على مزيد من فرص العمل، لكن حياتي كانت أهدأ من هذا”.

تقول عن إعادة إطلاق مسلسل “مهووس بك”، إنها “قلِقة من أنْ نفسِده ونتلفه، ولكن لا أحد يعرف المستقبل. لا أدري إن كنتُ سأقوم بإتقان شيءٍ ما، وهذا ما يجعل الأمر مثيراً: المجازَفة ألّا تسيرَ الأمور على ما يُرام، لكنّني متمرِّسة في تنحية القلق جانباً”.

هانت والسياسة

تنخرِط هانت وابنتها، التي تبلغ اليوم 15 سنة، في السياسة. فقد حضرَتَا مسيراتٍ سياسيّة معاً، ومنها “مسيرة النساء” التي انطلقت بعد يومٍ من تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتّحدة الأميركيّة. ولَطالَما كانت هانت ناشطة في النضال من أجل حقوق المرأة في مسار إعادة إطلاق مسلسل “مهووس بك”. معظم المخرجين الـ11 هم من النساء، ومنهم نساء ذوات بشرات الملوّنة. تقول عن هذا: “حاولتُ جاهدةً النضالَ من أجل المساواة في الأجور، لكن الأمر أصعب مما قد تعتقدون. فأولئك المموّلون يقولون: حسناً، أريد تحقيق المساواة في الأجور، لكن هذا الرجل لديه خبرة أكبر. ونردّ عليهم بالقول: نعم، لكن ما هو السياق الذي أنتَجَ هذا الوضع؟ هل حصلت هذه المرأة على الفرص التي أُتيحت لهذا الرجل؟ من الوراد جدّاً أنّه كانت لديه خيارات أوسع مما أُتيح لها، ولذا نناضل من أجل المساواة في الأجور”.

لم يشغلها هذا عندما قامت بأدوار بطولة نسائية مساعِدة أمام أبطال رجال، مثل جاك نيكلسون في فيلم “أفضل ما يمكن حصوله”، وتوم هانكس في فيلم “المنبوذ”. تقول هانت، “في هذه المرحلة من مسيرتي الفنية، لم أكن أعرف أنه عليَّ النضال من أجل هذا. ولم يسبق أن قلت يجب أن أتلقّى الأجر ذاته. بمنتهى الصراحة، كان يمكن أن يُجادلوا بالقول إنّ الناس يشترون التذاكر من أجل مشاهدة جاك أو توم، وقد يكون هذا صحيحاً بالفعل”.

إعلان فيلم “What Women Want”

وعندما سألتُها إنْ كانت لاحظَت أيّ تغيّرات أخرى في مجال صناعة السينما منذ تأسيس حركة “انتهى الوقت” (Time is Up)، ردَّت قائلةً “أعتقد أنّ الحركة نجحت في جعل مواقع التصوير أكثر أمناً نوعاً ما، إذ أصبَح لديكِ ما يُشبِه المَلاذ في حال شعرتِ بالخطر أو الاستغلال (التشييء). وهو ما يُشعِر الآخرين بأنهم قد يقعون في مأزقٍ، وهذا أمرٌ جيّد”.

عمِلت هانت على مدار مسيرتِها مع ميل غيبسون وكيفين سبيسي وودي آلن؛ لذا سألتُها: هل علينا مقاطعة أعمالهم؟ ردّت هيلين ردّاً ديبلوماسيّاً وانتقتْ كلماتها بدقةٍ، “هناك أمرٌ وحيد يمكنني حقّاً أن أضيفه في هذا الشأن، وهو أنّ جزءاً كبيراً من المشكلة يكمُن في أنه إذا تعرَّضت امرأة للاعتداء، وشعرَت بمرور الوقت بقدرتها على الإفصاح عن ذلك، فإنها تصطدم بتشريعٍ أساسيّ ضمن قوانين التقادُم ينُصّ على أن الوقت قد فات. لهذا، وبينما أتفهَّم ردَّ الفعلِ العكسيَّ القائلَ “لقد وجَّهتِ أصابع الاتهام لي وقَضيتِ على حياتي المهنيّة”، إلا أنه -وحتى يتم تعديل هذه القوانين- ستكون هناك فوضى عارمة ومؤلمة، ولا يجب تحميلُ مسؤوليّة معالجة هذا الوضع للنساء اللاتي وقعنَ ضحايا. هذه المشكلة أعقَد مما يظن أي شخص. وما أفهمه هو أن الأمر له علاقة كبيرة بتأخُّر البَتّ في هذه القضايا. هذه مشكلة حقيقيّة”.

تناوَلت هانت القضايا المتعلقة بالعنف الجنسي في دورها الأخير في المسلسل المرتقب “العالم على حافة النيران” World on Fire، الذي سيُعرض على قناة “بي بي سي وان” BBC One. تؤدّي فيه دورَ نانسي كامبل، المراسِلة الحربيّة التي تتعرّض لعنفٍ جنسيّ، وهي شخصيّة مُقتبَسة بتصرُّف من شخصية الصحافيّة البريطانيّة الرائدة كلير هولينغورث، التي كانت أوّل مَن ينشر خبرَ اندلاع الحرب العالميّة الثانيّة في سبقٍ صحافيّ.

وقامت هانت بأبحاثٍ دقيقة لأوجه الموضوع. تقول عن ذلك، “خلال هذا المسلسل، بدأتُ أعرف أموراً لا يعرفها بعضُ الناس، إلا لو قمتِ بتدقيق عميق في هذا السياق تحديداً. يحدث العنف الجنسيّ -لا شكَّ- في كل مكان، وهو أحد أعظم فظائع عصرنا، لكن لم أكن أعرف أنه منظَّم وذو طابع مؤسَّسي. ساهَم هذا كثيراً في تعزيز بنائي لِلشخصيّة في المسلسل، وشجَّعني على البحث أكثر. ومع جميع أشكال العنف الجنسيّ التي سُلِّط عليها الضوءُ في الولايات المتّحدة على مدار السنوات القليلة الماضية، فبالتأكيد لم يكن عليّ البحث كثيراً حتى تكون لدي أحاسيس كثيرة حيال هذا الأمر. أتذكّر إحساسي بأنّ كامبل كانت تسبق عصرَها. فهي متفوِّقة على جميع شخصيّات القصّة، وتستطيع أن تتوقَّع ما سيحدث قبل الآخرين. كان كلُّ شيءٍ لحظيّاً وسريعاً بالنسبة إلي، ومتصلاً ببعضه البعض”.

إعلان فيلم “Pay It Forward”

“هل يُمكنكِ السفر إلى براغ والتمثيل في عمل ما؟”، هكذا أتَت الدعوة للمشاركة في مسلسل “العالم على حافة النيران” فجأةً من دون سابق إنذار. تقول هانت إنها لا تنفصل كثيراً عن ابنتها، “لكن كان كلُّ شيءٍ مثاليّاً وكما أريد. أتذكّر حين كنتُ أفكّر مع نفسي بأنّ السيناريو جيّد والدور جيّد والمدينة جيّدة، أقصد أنه لا شيء يدعو إلى الشكوى”.

تقول إنها نادراً ما تُمنح أدواراً كهذا الدور، مضيفةً، “تمضين معظمَ حياتك الفنّيّة وأنت تحاولين إقناع الجمهور بأنكِ قادرة على تأدية أيّ دور”. وهنا أسألها: بالتأكيد تقلّ محاولاتُ إثبات نفسك تلك بمجرّد حصولك على الأوسكار؟ ترد هيلين، “غالباً ما تأتي فترةُ جفافٍ طويلةٌ لكثير من الممثلات بعد الفوز بالأوسكار. سمعتُ ممثّلة تقول إنه لمدة نحو سنة يكون لديكِ ما يدفعكِ للمضي قدماً، لكن بعد ذلك تعُودين فقط للبحثِ عن دورٍ جيد. لا أعتقد أنّ الفوزَ بالأوسكار يغيِّر مسارَ المرء كثيراً. ربما يفعل ذلك، لكن لا يعني هذا أن مخاوفَكِ انتهَت، من حيث محاولة الحصول على أدوار جيدة. كانت مسيرتي مملوءة بالإخفاقات والنجاحات. كان الأوسكار حلماً أصبح حقيقة، ومن الرائع أن تكوني قادرة على قَول هذا، لكن بعد ذلك تعودين إلى العمل، وتحاوِلين بناءَ مسيرة مُرْضية”.

وُلِدت هانت وترعْرَعت في كولفر سيتي في ولاية كاليفورنيا، موطن استوديوات سينمائيّة عملاقة، وألهمها والدها -وهو مخرج ومدرِّب تمثيل- للدخولَ في هذا المجال. لذا ربما لن يكون مفاجئاً أن تصبح ابنتها حريصةً على أن تحذو حذوَ أمها وتشارك في عمل العائلة. عندما أسألها عن ذلك، تقول، “لا يمكنني قول إنني لا أعرف. ولا داعيَ لقولي أيّ شيءٍ بخلاف، أتمنى أن يكون ذلك رائعاً، لأنها تحبّ التمثيل بالفعل. لا أستطيع التوقف عن سؤال نفسي هذا السؤالَ اللانهائي، “هل سأعمل مرة أخرى؟”، وهو هاجس يُطارِد جميعَ الممثلين، بما في ذلك ميريل ستريب. دائماً ما أكون واثقة من أنّ الدورَ الذي أمثّله هو الدور الأخير”.

هذا المقال مترجَم عن theguardian.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

زمن السقوط المستمر من طلال حيدر إلى شيرين وإليسا

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
أتى متن رواية “زيارة أخيرة لأم كلثوم” مختلفاً عن العنوان المراوغ الذي يحيل القارئ إلى كوكب الشرق. واختار علي عطا لبطله (حسين عبدالمجيد)، مريضاً؛ يعاني من اكتئاب مزمن، سبق له أن دخل المصّحة النفسيّة ثلاث مرّات.
عبدالله حسن – صحافي سوري
ما فعلهُ بيرنيز حين أقنع نساء الولايات المتحدة بالتدخين بدعوى أنه “يجعلهنّ مستقلّات” سَحَر الشركات الأمريكية التي ازدادت ثروتها وقوّتها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى.
علاء رشيدي – كاتب سوري
بعد استقرارها في مونتريال تقرر ياسمينا العودة إلى دمشق، تقرر أن تتصالح مع رعب المدينة وآلامها وعذاباتها، وحين تعود إلى منزل العائلة الذي يضم مقبرة أجدادها، يظهر لها الموتى ويلاحقونها …
ريد مطر – صحافية مصرية
بسبب الوشايات بدأت الدولة المصرية فتح” ملفي السياسي الذي أفتخر به- فأنا مشاركة في ثورة يناير وعضوة في حركة “كفاية” ونشيطة مثلي مثل المصريين، لأنني أعتبر مصر بلدي وبلد أجدادي ولست فلسطينية وحسب”.
ندى أحمد – باحثة
السلطوية في خوف لأنها تعي في قرارة نفسها أن الظلم لا يولد نتائج إيجابية وأن القمع تظل فعاليته محدودة، وخصوصاً على المدى الطويل.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
بمجرّد النظر إلى دمار سوريا والصور الأرشيفية التي تحكي دمار اليابان، يظهر الشبه الكبير ويُحلُّ لغز هذا التشبيه.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني