fbpx

وثائق “أبلبي” مخبأ أسرار العالم من نجوم هوليوود إلى صدام

نوفمبر 6, 2017
عندما تولى روبرت وودز، الشرطي السابق من ليفربول، وظيفة في أوائل عام 2006 كمدير للامتثال في "آبلبي"، شركة المحاماة الخارجية (أوفشور) العالمية، انضمّ في الواقع إلى مؤسسة تعاني من مشاكل.

عندما تولى روبرت وودز، الشرطي السابق من ليفربول، وظيفة في أوائل عام 2006 كمدير للامتثال في “آبلبي”، شركة المحاماة الخارجية (أوفشور) العالمية، انضمّ في الواقع إلى مؤسسة تعاني من مشاكل.
فمكتب “آبلبي” في جزر كايمان، حيث كان يعمل، مثلاً، كان يدرج أكثر من 600 عميل في دفاتره، وُصِفت سجلاتهم بـ”غير المتوافقة”، وهذا يعني أن الشركة الخارجية لم تكن تملك هويات حالية أو معلومات اتصال، أو غيرها من التفاصيل، التي تساعد الشركة على التأكد من أنها لم تكن تنشئ شركات وهمية وغيرها من الهياكل لمجرمين أو سياسيين فاسدين.
وبعد خمس سنوات، ترقّى وودز في الشركة، وتولى منصب مدير الامتثال. لكن الأمور لم تتحسن كثيراً، على الأقل وفقاً لعرض تقديمي في برنامج PowerPoint “باوربوينت”، يبدو أنه وُضِع في وقت ما قرب نهاية عام 2011.
وأشار عرض الشرائح التدريبي المكون من 44 صفحة، والحامل لصور من الدراما المافيوية آل سوبرانو الذي عرضته قناة “إتش بي أو”، الجوانب السيئة التي تضمنها تاريخ “آبلبي” في الآونة الأخيرة. وفي إطار شريحة بعنوان “جرائم تمويل الإرهاب”، تقول الملاحظات: “لدينا حالة جارية إذ نملك 400 ألف حالة ملوثة بالتأكيد وليس من السهل التعامل معها”.
وفي حالة أخرى، أشارت ملاحظات وودز إلى أن “آبلبي” أنشأت صندوقاً لعميل لشراء أملاك في لندن وقبلت المال نيابةً عنه، “من دون سؤال”. وعلمت “آبلبي” لاحقاً، وفقاً للعرض، أن الصندوق كان يملكه مسؤول باكستاني سابق اتّهم باختلاس المال العام و”سرّب الأموال الفاسدة المزعومة إلى أعمالنا”.
وفي شريحة تضم قائمة بالمعلومات التي يجب على موظّفي “آبلبي” معرفتها عن عملائها، تؤكد ملاحظات العرض التقديمي، “أن بعض القذارة التي نقبلها مدهش، مدهش حقاً”.
يكشف تسريب من 6.8 مليون سجل سري كيف فشلت “آبلبي” أحياناً في إبعاد العملاء المشكوك فيهم، قبل العرض التقديمي لوودز عام 2011، ومنذ ذلك الحين. وتعرض الوثائق الحياة الخارجية السرية للسياسيين والمحتالين واستراتيجيات تجنب الضرائب التي تتبعها “آبل” و”نايكي” وغيرها من الشركات العملاقة.
وجرى الحصول على رسائل البريد الإلكتروني وسجلات العملاء، والتطبيقات المصرفية وأوراق المحاكم، وغيرها من الملفات من قبل صحيفة “سودوتشه تسايتونغ” الألمانية، التي تقاسمتها مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ومؤسسات إعلامية أخرى. وهي تمثل الأعمال الداخلية لـ”آبلبي” من الخمسينيات حتى عام 2016.
لم تقدم “آبلبي” للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين إجابات على الأسئلة التفصيلية. بدلاً من ذلك، أصدرت بياناً إعلامياً على الإنترنت، أفاد بأن “آبلبي” ملتزمة معايير عالية. وقالت “آبلبي” إنها بعد إجراء تحقيق شامل وقوي، تدحض أي ادعاءات بوقوع مخالفات من قبل الشركة وعملائها.
وأضافت “آبلبي”: “نحن شركة محاماة في الخارج تقدم المشورة للعملاء حول الطرق المشروعة والقانونية للقيام بأعمالهم. نحن لا نقبل سلوكاً غير قانوني. صحيح أننا لسنا معصومين. وعندما نجد أن أخطاء حدثت نتصرف سريعاً لوضع الأمور في نصابها الصحيح، ونحن نقدم الإخطارات اللازمة إلى السلطات المختصة”.
وتُعتبر شركة “آبلبي”، مقرها الرئيسي في برمودا، واحدةً من أرقى شركات المحاماة الخارجية في العالم. وعلى الرغم من أن “آبلبي” لا تقدم المشورة الضريبية، فإن الشركة التي تبلغ من العمر 119 سنة، عضو بارز في الشبكة العالمية للمحامين والمحاسبين والمصرفيين، وغيرهم من العاملين، الذين قاموا بإنشاء وإدارة الشركات الخارجية والحسابات المصرفية للعملاء، الذين يرغبون في تجنب الضرائب أو إخفاء أموالهم.
وإلى جانب المساعدة على إنشاء الشركات الوهمية والصناديق والكيانات الخارجية الأخرى، فإن لدى الشركة العديد من الشركات التابعة والشركات الشريكة، ووحدات الأعمال التي تضع وصايا، وتتقاضى نيابةً عن العملاء المتورطين في حوادث أمكنة العمل وقضايا الطلاق، وتقدّم المشورة للشركات. وتمثّل أميركا الشمالية أكبر عبء عمل لـ”أبلبي”. وعملت الشركة لسكان في كل الولايات الأميركية الـ50.
ترى “آبلبي” نفسها كشركة رائدة في هذه الصناعة، ما يثبت للعالم أن الصناعة الخارجية يمكن أن تعمل بشكل نظيف ومهني. “نحن نقدم المشورة المبتكرة، والمناسبة في التوقيت، والأخلاقية”، وفقاً لإعلان الشركة في كتيب من ثماني صفحات.
وفي حفلات الكوكتيل والعشاء والمؤتمرات، تلتقي العملاء الرئيسيين، وكثير منهم من المصارف الرائدة وشركات المحاسبة مثل “كي بي إم جي” و”إرنست أند يونغ” و”برايس ووترهاوس كوبرز”. وفي جزر كايمان، كان نصف العملاء الـ20 الأكبر لشركة “آبلبي” عام 2014 من المصارف الكبرى وشركات الاستثمار، بما في ذلك “سيتي غروب” و”بنك أوف أميركا” و”إتش إس بي سي” و”كريدي سويس” و”ويلس فارغو”.
وعندما بدأ الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين وشركائه من وسائل الإعلام، نشر التحقيقات الخاصة بأوراق بنما في نيسان (أبريل) 2016، قلل المروجون للقطاع الخارجي من أهميتها. وقالوا إن “موساك فونسيكا”، وهو مكتب محاماة مقره بنما شكّل محور الفضيحة، كان ناشزاً.
“يمثل موساك فونسيكا أحد المعاقل الأخيرة لنظام مالي دولي غامض يختفي بسرعة عن الوجود”، بحسب ما ذكرت مجلة “إدارة الثروة” الخاصة بالقطاع.
ومع ذلك، تظهر الملفات الداخلية لـ”آبلبي” أنه حتى عندما تستثمر شركات المحاماة الخارجية مبالغ كبيرة من المال والجهد، للحفاظ على السمعة الطيبة، فإن السرية وإغراء المكاسب المالية في قلب اقتصاد الظل، تجعلان من الصعب على العاملين في الخارج تجنب ممارسة الأعمال التجارية مع المجرمين والسياسيين الفاسدين وغيرهم من العملاء المشكوك فيهم.
“إن غسل الأموال جريمة جنائية”، وفق الملاحظات الواردة في العرض التقديمي لوودز لعام 2011، وتظهر الجملة بأحرف كبيرة لمزيد من التأكيد. “هناك دائماً ضحية في أسفل الهرم وأفراد أغنياء في الأعلى”.
ورفض وودز، الذي لا يزال مدير الامتثال في “آبلبي”، التعليق حين سأله الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين عما إذا كانت الشركة، في رأيه، حسنت من ممارسات فحص العملاء منذ عام 2011.
والعرض التقديمي هو واحد من أربعة عروض على الأقل في برنامج PowerPoint صاغها فريق الامتثال لدى “آبلبي” بين العامين 2007 و2015، وأثارت أسئلةً حول مدى جودة تحقق الشركة من عملائها. ومن غير الواضح إذا كانت هذه العروض قُدِّمت في نهاية المطاف إلى موظفي “آبلبي”. لكن في كل واحد منها، توفّر ملاحظات المتحدث في الجزء السفلي من كل شريحة تعليقات غير حذرة من المطلعين حول تلاعب “آبلبي” على صعيد الامتثال.
“يتحقق كسب أو خسارة 80% من المعركة عند البوابة”، وفقاً لشريحة تُستخدَم مراراً وتكراراً في العروض التقديمية حول الامتثال لدى “آبلبي”. “إذا أدخلنا العملاء الخطأ، عرّضنا أنفسنا للسقوط”.
“الدائرة السحرية”
وُلدت “آبلبي” عام 1898 في مستعمرة برمودا البريطانية، باعتبارها العمل الخاص للرائد ريجينالد وودفيلد آبلبي، وهو مسؤول حكومي كان يهوى شرب الشاي ولعب الكريكت والرماية، أصبح عضواً في برلمان الجزيرة، ونال لقب فارس “لقاء الخدمات العامة في برمودا”. هكذا كان وضع الرائد آبلبي. وحين أبحر لقضاء عطلة في إنكلترا عام 1924، توقعت الجريدة الملكية وجريدة المستعمر، ارتفاع معدلات الجريمة أثناء غيابه.
وحين اجتمع المجلس التشريعي في برمودا في تموز (يوليو) 1940 لمناقشة ضريبة الدخل للمرة الأولى في الجزيرة، تحدث آبلبي فيه، مؤيداً “أولئك الذين ينظرون إلى ضريبة الدخل الشاملة على أنها آخر صنف من تعذيب الإنسان، ويجب أن تُقاوَم بأي ثمن”، بحسب ما ذكرت الجريدة الملكية. ولم تعد برمودا النظر قط، فهي لا تزال تغري السكان المحليين والأجانب بمعدل ضرائب يساوي الصفر.
ومنذ التوسع خارج برمودا عام 1979، حولت “آبلبي” نفسها إلى مؤسسة عالمية مع أكثر من 700 موظف في كل الملاذات الضريبية الرئيسية من جزر كايمان في منطقة البحر الكاريبي، إلى جزيرة مان في أوروبا، وموريشيوس في أفريقيا، وهونغ كونغ في آسيا. وقال أحد عملاء الشركة في رد على استطلاع لرضا العملاء عام 2013، “تبدون كوحش – وهو شيء جيد!”.
وتنال “آبلبي” جميع جوائز “شركة العام للمحاماة الخارجية”، ويُشار إليها باعتبارها جزءاً مما يسميه المطلعون “الدائرة السحرية الخارجية”، وهي مجموعة غير رسمية من أكبر شركات المحاماة الخارجية في العالم، التي تتنافس على العمل نفسه. ويعمل الموظفون السابقون كأعضاء في البرلمان، وقضاة، ومسؤولين حكوميين، واستخدمت سلطة منخفضة الضرائب واحدة على الأقل، وهي جزر كوك، خبرة “آبلبي” لوضع قوانينها الخارجية الخاصة بها.
علناً، صقلت الشركة صورتها من خلال رعاية “كأس أميركا”، وخمسة آلاف نشاط عائلي وخيري. وفي مواد الدعاية، تشدد الشركة على تعهداتها الخيرة، بما في ذلك العمل على المساعدة على استرداد الأموال من عائلة الدكتاتور النيجيري السابق ساني أباشا، وإدارة صندوق قيمته ملايين الدولارات لدعم الممرضين الذين يعالجون المصابين بفيروس إيبولا في غرب أفريقيا.
ويشمل زبائنها رؤساء وزراء وأميرات ونجوم هوليووديين. وعملت “آبلبي” لبعض أغنى الأوليغارشيين في العالم، من روسيا والشرق الأوسط، وآسيا وأفريقيا. وفي مكتب الشركة في برمودا، كان لدى عُشر الشركات علاقات مع عملاء ذي علاقات بالسياسة، بما في ذلك سياسيين وأسرهم أو مقربين منهم، وفقاً لمذكرة داخلية. وأدارت العديد من العملاء الأرفع مستوى، فرقاً منفصلةً في “آبلبي”، تضم متخصصين في الصناديق. وفي نيسان (أبريل) 2016، أعلنت الشركة بيع الذراع المربحة التي تدير الشركات والصناديق والطائرات، وغيرها من أصول النخبة العالمية. وتبقى “آبلبي” والشركة المباعة، “إستيرا”، قريبتين. فبعض الموظفين السابقين في “آبلبي” يعملون الآن لدى “إستيرا” من عنوان المكتب الذي كانت تحتله من قبل نفسه.
ونجحت وصفة “آبلبي” للنجاح المالي مع عملائها. فهي تحقق أكثر من 100 مليون دولار في الإيرادات سنوياً. ويصفها العملاء بأنها “تعمل بجد” و”ودية”. وقال أحد الزبائن الراضين لـ”آبلبي” إن “علامتها التجارية تشبه من تقطعت بهم السبل في وسط أفريقيا، ورأوا طائرةً للخطوط الجوية البريطانية تحط على الأرض – فعرفوا أنهم في طريقهم للخروج من هناك”.
وتشارك “آبلبي” ثقة العملاء. فبعد أيام من نشر أوراق بنما في العام الماضي، رفضت الشركة عرضاً من شركة للاستشارات، حول المخاطر لعقد دورة تدريبية “لتجديد المعلومات” بشأن مكافحة غسيل الأموال. ورفضت شركة المحاماة، موضحةً: “لدينا ضوابط قوية للغاية. وليس لدينا حاجة لدوراتك هذه المرة”.
في 29 حزيران (يونيو) 1993، كانت ذكريات المعارك الأميركية في الكويت لا تزال حاضرة، واجتمعت لجنةً فرعيةً لمجلس النواب الأميركي لمناقشة برنامج العراق للأسلحة النووية. وكان العراق انتهك اتفاقيةً تسمح لمفتشي الأمم المتحدة بفحص مخزون البلاد، وكانت المخاوف الدولية عالية.
وقال عضو الكونغرس الديموقراطي توم لانتوس من كاليفورنيا، في تصريحات افتتاحية بعد العاشرة من صباح اليوم نفسه، إن “العراق يواصل تعزيز قوته العسكرية وذبح مواطنيه في الشمال والشيعة العراقيين في الجنوب”.
وقرأ لانتوس علناً تقريراً من موظفي لجنته الفرعية. ومن بين النتائج التي توصلت إليها اللجنة أن “نفط الهلال”، وهي شركة نفط خاصة كبرى، تخضع لتحقيق من قبل السلطات الأميركية، لتحديد إذا كانت “شركة واجهة” للرئيس العراقي صدام حسين. وقال التقرير إن “نفط الهلال” ربما لا تقوم بتصنيع الأسلحة بنفسها، إلا أنها “كانت مرتبطة بالتأكيد بالمنظمة العراقية الرئيسية التي كانت قائمة”. وكانت “نفط الهلال” ولا تزال تنفي ارتكاب أي خطأ.
وجرى بث جلسة 29 حزيران (يونيو) مباشرة في الولايات المتحدة لكن يبدو أن مكتب “أبلبي” في برمودا لم يلاحظها.
وكانت “نفط الهلال”، المملوكة من قبل حميد ضياء جعفر عميلة لـ”أبلبي” منذ العام 1984. ولنحو 20 سنة، استمرت علاقة “آبلبي” مع “نفط الهلال” سلسة، وفقاً لملفات مكتب المحاماة. إلى أن طلبت “نفط الهلال” مساعدة قانونية من “آبلبي” لإعادة الهيكلة عام 2013، لاحظت الأخيرة للمرة الأولى على ما يبدو، خلفية الرجل، بما في ذلك حقيقة أن شقيقه كان رئيساً لبرنامج الأسلحة النووية العراقي في عهد صدام حسين.
وكتب أحد محامي “آبلبي” يقول: “كانت لدينا هذه العلاقة لوقت طويل. كيف لم نكن نعرف هذا في وقت سابق؟”.
وفي حين تختلف القواعد واللوائح، في كثير من المكاتب الأكثر ازدحاماً في شركة “آبلبي”، تخضع أجزاء كبيرة من عملها لقواعد تتطلب من مقدمي الخدمات الخارجية على غرارها الحصول على سجلات دقيقة حول من يستخدم خدماتها، ولأي أغراض، ومصدر المال.
وهناك عميل آخر بدا أنه تسرب إليها هو آريي لانيادو، المدير والمالك المشارك لـ”أوميغا للألماس”، وهي شركة بلجيكية تعمل في بورصة أنتويرب للألماس. وفي أيار (مايو) 2013، أفادت وسائل الإعلام البلجيكية بأن “أوميغا للألماس” وافقت على دفع نحو 200 مليون دولار، لتسوية ادعاءات المدعين العامين والسلطات الضريبية، بأن الشركة تداولت ألماساً أفريقياً بصورة غير مشروعة. ولم تعترف “أوميغا” بمسؤولية كما أن القضية لم تشمل لانيادو شخصياً. وبعد شهور عديدة، قبلت “آبلبي” دفعتين من لانيادو بقيمة 5,000 دولار في الحساب المصرفي لشركة المحاماة، نيابةً عن صندوق في الخارج.
في وقت لاحق، عندما أراد لانيادو خلق صندوق جديد، لاحظ موظف في “آبلبي” تقارير إخبارية عن المشاكل القانونية لشركته، لكنه أجاز لمكتب المحاماة القيام بأعمال تجارية معه.
وأنشأت “آبلبي” صندوقه الجديد في نيسان (أبريل) 2014.
واستاء وودز، مدير الامتثال لدى “آبلبي”، عندما عرف بالأمر بعد ثلاثة أشهر. وكتب إلى زميل في تموز (يوليو) 2014 يقول: “هذا هيكل صندوق، والمزاعم خطيرة للغاية وتتصل بالألماس الدموي. لماذا لم يُلفت انتباهي قبل إجازة فحص تضارب المصالح؟”.
وعلى الرغم من مخاوف وودز، أبقت “آبلبي” لانيادو كعميل.
وأقر وودز أنه في حين أن لانيادو “ينطوي على مخاطر عالية (بسبب المشاركة في صناعة الألماس)، لدينا ما يكفي من العوامل التخفيفية والمعلومات لنكون مرتاحين مع الأعمال التجارية، وفي الواقع ينبغي أن تكون الأعمال جيدة من النواحي كلها”.
لكنه حذر زملاءه من أن المسألة تمثل “فشل عملياتنا”. وحذر من أن وحدات أعمال الشركة، مثل “آبلبي تراست (كايمان) ليميتد”، لا ينبغي أن تدع السعي لتحقيق أرباح قصيرة الأجل، تحجب الحاجة إلى اتباع القواعد التي تتطلب من “آبلبي” تقييم المخاطر المحيطة بلانيادو، ومعرفة من هو وماذا يريد أن يفعل في الخارج.
وكتب وودز قائلاً، “ما جرى قد جرى، لكن في المستقبل، وبينما نقوم بمقاربة تجارية، دعونا نحاول أن نضمن أننا لا ننجرف مع احتمال كسب الأرباح. يجب على مكتب المحاماة أن يدرك حقيقة أن الصندوق، بينما يدر رسوماً، قد ينطوي على مخاطر كبيرة في إدارة الهيكل اللاحق. ويجب على الصندوق أن يكون على بينة من أنه في نهاية المطاف، إذا لم يكن كل شيء على ما يرام، سيبقى لوحده مع الفضلات الحارة (اليوم هو الجمعة والتشبيه بحمل الحقيبة لا يبدو قوياً بما فيه الكفاية!)”.
وكانت “آبلبي” لا تزال تعمل أميناً على صندوق لانيادو، اعتباراً من أوائل عام 2016، وفقاً لما تظهره السجلات الداخلية للشركة.
ولم يستجب وودز و”آبلبي” لطلبات محددة للتعليق.
ولم يرد لانيادو على طلبات الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين المتكررة للتعليق. وهو ذكر من قبل أنه لم يتورط قط في مال الألماس الدموي.
“نحن معرضون”
في عملياتها اليومية، تستخدم “آبلبي” البرمجيات المصممة، للحد من الخطأ البشري، وتحديد العملاء المحفوفين بالمخاطر. ويتطلب دليل الشركة من الموظفين فحص العملاء المحتملين من خلال بحث شامل على الإنترنت وتحديث السجلات حول أي شخص متصل بالسياسة مرة واحدة سنوياً. وقامت الشركة، وشركاتها التابعة، بعمليات تدقيق داخلية، وحافظت على جداول البيانات حول ما أسمته الشركات “الإشكالية”، وأنتجت “البطاقات الصفراء” لضمان دقة المعلومات حول الشركات.
ونجحت هذه الضوابط، مثلاً، عندما رفض مكتب شركة “آبلبي” في جزر فيرجن البريطانية الأعمال، التي يشارك فيها بوغ شيمياكين، وهو إمبراطور عقاري روسي، بعدما أظهرت عمليات فحص على الإنترنت أنه مدان في روسيا، بتهم تنطوي على احتيال بمليارات الدولارات. وهو ينفي ارتكاب أي خطأ. ورفض مكتب المحاماة العمل مع شركة المحاسبة العالمية “إرنست أند يونغ”، حين اتصلت بـ”آبلبي” طلباً لمساعدة محتملة في شراء طائرتي “غلف ستريم” بـ20 مليون دولار لاثنين من أبناء وزير سابق في أذربيجان، ورجل يدعى منوشهر خنقاه. وفحصت “آبلبي” قاعدة بيانات “ويكيليكس” الخاصة بالبرقيات الدبلوماسية الأميركية، وعلمت أن إحدى جهات الاتصال في السفارة الأميركية أسمت خنقاه “رأس الحربة” لسياسي سابق يرأس ما تسميه البرقيات الأميركية “واحدة من العمليات الأكثر فساداً في أذربيجان”. ورفضت “آبلبي” العمل.
لم يكن من الممكن الوصول إلى خنقاه للحصول على تعليق. وقالت “إرنست أند يونغ” إنها لا تستطيع التعليق على المسائل الفردية، لكنها “ملتزمة بالامتثال المالي والقانوني والتنظيمي في كل أعمالها”.
تعرف “آبلبي” المخاطر. ففي الوسط تماماً من شريحة PowerPoint، معدة لدورة تدريبية عام 2012 في برمودا، فقرة رمادية تحمل اسم “آرثر أندرسن”، في إشارة إلى شركة مراجعة الحسابات المدانة بتدمير الوثائق المتعلقة بالتحقيق في انهيار عملاق الطاقة “إنرون”.
وأفاد العرض التقديمي بأن “آبلبي” إذا لم تحسن كيفية مراقبة العملاء، قد يلاقي موظفوها مصيراً آخرين وقعوا في فضائح مالية رفيعة المستوى: مثلًا، ديفيد دنكان، مراجع الحسابات السابق في “أندرسن” الذي أقر بالذنب في عرقلة سير العدالة، ومدير أحد صناديق التحوط راج راجاراتنام، الذي صوِّر في الأصفاد، بينما كان وكلاء مكتب التحقيقات الفيدرالي، يقودونه بعيداً خلال محاكمته للغش في أوراق مالية بمليارات الدولارات.
وأضاف عرض الشرائح، “نحن معرضون. وهذا ليس أفضل ما يمكننا القيام به”.
وبين عامي 2005 و2015، وجد أكثر من 12 فحصاً داخلياً وتنظيمياً لمكاتب “آبلبي” في جزيرة مان، وجزر كايمان، وجزر فيرجن البريطانية، وبرمودا ولندن، عيوباً يمكن أن تورط “آبلبي” في تقاضٍ، وتسبب “عواقب خطيرة على الجوانب المالية والسمعة”.
عام 2005، طلبت الهيئة الناظمة في برمودا من شركة الصناديق في “آبلبي” تحسين 21 من أوجه القصور في أدائها، والحصول على سجلاتٍ جديدة ودقيقة لجوازات سفر العملاء وعناوينهم ومصادر ثرواتهم. وفي وقت لاحق، وعلى الرغم من التحسينات، كتب رئيس الامتثال في “آبلبي” آنذاك، إيان باتريك: “ما زلت أعتقد أن هناك حاجةً إلى جهد كبير قبل أن يصبح ممكناً اعتبارنا قادة القطاع الخارجي من منظور الامتثال”.
وفي العام التالي، نظر تدقيق داخلي أجراه باتريك في مكتب جزر فيرجن البريطانية، في 45 ملفاً لعملاء ووجد أن واحداً منهم فقط لبّى معايير “آبلبي”. ومن بين مكاتب الشركة الخمسة التي خضعت للمراجعة حينذاك، ذكر باتريك أن مكتب هونغ كونغ وحده يحتفظ بوثائقه “في حالة جيدة”.
ووجدت مراجعة داخلية لمكتب الصناديق في جزر كايمان عام 2008، خطر كسر القوانين والبروتوكولات الخاصة بـ”آبلبي”، “عالٍ” في أكثر من نصف المقاييس قيد المراجعة. وأشارت مراجعة الحسابات إلى احتمال وقوع أنشطة احتيالية، مشيرةً إلى أن “آبلبي”، “قد لا تمتثل” للقانون.
وأظهرت مراجعة أجراها المنظمون في جزر فيرجن البريطانية عام 2012، وجود ثغراتٍ في إجراءات “آبلبي” للتعامل مع السياسيين والشركاء ذوي المخاطر العالية. وكشفت عملية تفتيش مفاجئة داخلية أجراها مكتب جزيرة مان عام 2015 عن مشاكل أخرى، منها شركة واحدة في الخارج، يشارك فيها مسؤول فلسطيني، فلم يكن لدى “آبلبي” معلومات تفصيلية عن قرض بقيمة 11.2 مليون دولار.
وعندما قامت سلطة النقد في برمودا بالتدقيق في شركة تابعة لـ”أبلبي” في تشرين الأول (أكتوبر) 2014، وجدت نقاط ضعف “رئيسية أو بالغة الأهمية” في تسعة مجالات. فما يقارب النصف، 46%، من الملفات التي راجعتها السلطة، تفتقر إلى معلومات عن أصل الأموال التي تديرها “آبلبي” لعملائها. ونفت السلطة وجود “دليل” على أن شركة “آبلبي” حددت مخاطر غسيل الأموال، ومخاطر تمويل الإرهاب، مشيرةً إلى أن الشركة لم تعتمد التوصيات الصادرة عن عمليات المراجعة السابقة.
وأضافت السلطة: “هذا السهو ضاعف قلق السلطة بشأن الامتثال ومراقبة البيئة التنظيمية للشركة”. وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2015، كشف مدير في “آبلبي”، في وثيقة سرية، مرسلة إلى الجهات الناظمة الحكومية في جزر فيرجن البريطانية، أن مكتب برمودا وافق على “تسوية” تشمل غرامة فرضتها السلطة الناظمة في برمودا، بعد أن اعترف بأنها فشلت في اتباع العديد من توصيات السلطة، بشأن تحديد نقاط الضعف في شبكته لمكافحة غسيل الأموال. وتظهر السجلات الداخلية لـ”آبلبي” أن الشركة خصصت مبلغ 500 ألف دولار للغرامة، لكن لم يتم الكشف عن وجودها وحجمها على الإطلاق. وقال المدير إن أي “لوم علني” لم يحصل، مضيفاً أن الجهات الناظمة في برمودا “وافقت على إبقاء الأمر سرياً تماماً”.
وقال متحدث باسم سلطة النقد في برمودا، للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، إنها لا تؤكد أو تنفي قرارات الإنفاذ. وعام 2016، قال المتحدث، إنها غيرت سياستها، وباتت تنشر الآن تفاصيل الغرامات وغيرها من العقوبات على الإنترنت.
وذكرت “آبلبي” في بيان صحافي نشرته بعد شهر من تلقي الأسئلة الأولى للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين: “نحن نخضع لفحوصات تنظيمية متكررة، وملتزمون بتحقيق المعايير العالية التي وضعها المنظمون لدينا. وبعد البحث في ادعاءات الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين نعتقد أنها لا أساس لها، وتستند إلى عدم فهم للهياكل المشروعة والقانونية المستخدمة في القطاع الخارجي”.
لا جدال.
لمدة 33 عاماً، عمل مايكل كانون شرطياً في شوارع تورونتو. وخارج ساعات العمل، شحذ مهاراته المالية ووضع الأموال المدخرة في استثمارات، قال إنه يأمل في أن تقلل من فاتورة الضرائب الكندية.
وفي منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، دفع كانون نحو 20،000 دولار كندي إلى برنامج خارجي، جرى تسويقه كبرنامج للحسوم الضريبية لأغراض خيرية. وكان البرنامج تجنباً للضرائب، وفقاً لما زعمته سلطة الإيرادات الكندية في وقت لاحق، فالبرنامج يجتذب مستثمرين مثل كانون مع وعود بكسب 10,000 دولار كندي كائتمان مع “التبرع” بـ2,500 دولار كندي.
وقال قاض كندي: “ظن (كانون) أن الأمر عبارة حلم يتحقق، وبقي حلماً”.
فعام 2009، أصبح كانون المدعي الرئيسي في دعوى قضائية جماعية في كندا نيابةً عن نحو 10,000 من المستثمرين، بما في ذلك ممرضون ومعلمون ومحامون، دفعوا أكثر من 100 مليون دولار للبرنامج. وفقدوا الملايين، كما زعموا، عندما حكم مكتب الضرائب في كندا أن البرنامج غير سليم.
وبلغت الإجراءات القانونية لكانون حداً بعيداً وواسع النطاق، وطلبت التعويض من المروجين والمحامين والمستشارين المعنيين. وكان أحد المدعى عليهم، واسمه إدوارد فورتاك، هو ما يُدعى العقل المدبر للبرنامج الخيري. وكان مكتب “آبلبي” في برمودا العقل المدبر الآخر.
وادعى محامو كانون والمستثمرين الآخرين أن “آبلبي” ساعدت على نقل مئات الملايين من الدولارات ذهاباً وإياباً في “تدفق دائري من الأموال”، حقق لفورتاك وعائلته 20 مليون دولار كندي. وأكد محامو كانون أن “قرداً يغطي عينيه وأذنيه قد لا يتوقع” المخاطر التي تعرض لها المستثمرون الكنديون لكن “آبلبي” لم تكن تملك عذراً كهذا. عام 2010، وجد القاضي احتمالاً كبيراً بأن تكون “آبلبي” أضرت بالناس في كندا “إن استخدمت عن علم” المال من صندوق فورتاك، والسماح لهذا المال بدعم عملية الاحتيال. وكتب القاضي ستراثي أن “آبلبي فعلت ببساطة ما أرادت فورتاك أن تفعل”، على الرغم من التزاماتها لمعرفة مصدر المال ووجهة استخدامه.
وكان فورتاك عميل “آبلبي” منذ فترة طويلة. وكانت الشركة أقرضت فورتاك 2.6 مليون دولار لشراء عقارات في شبه جزيرة عذراء في كوستاريكا، وأدارت ثلاثة صناديق خارجية له على الأقل، إلى جانب يخت يبلغ طوله 34 متراً يُدعى “تاكابونا”، وتبلغ قيمته خمسة ملايين دولار على الأقل.
تمت تسوية الإجراءات الجماعية ضد فورتاك في مرحلةٍ مبكرة، ونفى فورتاك ارتكاب مخالفات. وقال محاموه للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، إن البرنامج الضريبي صُمِّم وفقاً للقانون، وفورتاك لا يزال يعتقد في ملاءمته.
ولم تستمر قضية المحكمة ضد “آبلبي” فترةً أطول من القضية ضد فورتاك. فعام 2013، قال المحامون الخارجيون لشركة “آبلبي” لمجلس إدارة الشركة، إن دور الشركة في هذه القضية كان “محدوداً إلى حد ما، لكنه مهم نسبياً”.
وذكر المحضر السري لاجتماع مجلس الإدارة، أن “هناك بعض القلق”، مشيراً إلى أن مكتب برمودا “يبدو أنه أثر على عمليات النقل المختلفة بطريقة وُصِفت بأنها غير حذرة”. وحذر المحامون من أن “آبلبي” يمكن أن تكون مسؤولة عن إثراء نفسها على حساب المستثمرين.
وفي قاعة المحكمة، دافعت “آبلبي” عن سلوكها، ووعدت بقبول أي حكم ضدها أمام المحكمة العليا. وبصفةٍ خاصة، كانت “آبلبي” تخشى عقوبة تصل إلى 28.5 مليون دولار، وفقاً للوثائق.
وفي إحدى المراحل، قال أحد موظفي شركة إن إحدى الاستراتيجيات هي “الانتظار على أمل أن ييأس المدعون”.
لكن كانون لم يستسلم، ووافقت “آبلبي” في أيار (مايو) 2017، على تسوية بواقع 12.7 مليون دولار من دون الاعتراف بالخطأ.
لكن الكلفة قد تكون أكبر من الكلفة المالية.
وراء الكواليس، أبدى بعض ممن في “آبلبي” قلقاً من أن الأمر سيستغرق “وقتاً طويلاً حقاً” قبل أن تستوعب الشركة آثار القضية على الجوانب المالية والسمعة.
ويمكن لأي موظف لديه نسخة من عروض PowerPoint المعدة قبل سنوات، من قبل فريق الامتثال في “آبلبي”، أن يلاحظ أن الوقت حان للنظر بشكل رجعي في هذا التحذير: “كل تحقيق جديد يظهر الوصي الخارجي دمية بخيوط يحركها مجرم” يكون “مسماراً إضافياً في نعش في هذه الصناعة”.
المساهمون في هذه القصة: فريدريك أوبيرماير، باستيان أوبيرماير، إميليا دياز شتروك، ريغوبيرتو كارفاجال.
تحقيق: ويل فيتزجيبون[video_player link=”https://www.youtube.com/watch?v=iHYJiGQqRBI”][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الأمر الوحيد الذي بقي أمام من يسعى إلى تخيل “ما بعد لبنان” هو أن يغادر اللبنانيون كلهم هذه المساحة بقوارب صغيرة وكبيرة، وأن ينجو بعضهم ويموت بعضهم الآخر، وهذا ما يحصل عملياً، وفي هذا الوقت سيكون سهلاً على الثنائي الشيعي أن يفوز بوزارة المالية…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني