fbpx

مصر بعد فشل جمعة “الخلاص”: اعتقالات عشوائية وخنق للأمل

بات الاقتراب من وسط العاصمة المصرية خلال الأيام الأخيرة أمراً مثيراً للشبهات بالنسبة لرواده الدائمين، فالرسالة كانت واضحة أن ما حدث في 20 أيلول/سبتمبر لن يتكرر

بات الاقتراب من وسط العاصمة المصرية خلال الأيام الأخيرة أمراً مثيراً للشبهات بالنسبة لرواده الدائمين، فالرسالة كانت واضحة أن ما حدث في 20 أيلول/سبتمبر لن يتكرر، وهو ما حسم القرار لدى كثيرين داعبهم الأمل بالعودة إلى ساحات الاحتجاج بعد 6 سنوات من الصمت.

محمود حسين، أربعيني، يقطن بمنطقة وسط البلد، اتخذ تدابيره الاحترازية بالمكوث خارج منزله طوال أيام الأسبوع، بعد تلقيه معلومات بمداهمة شقق وسط البلد القريبة من ساحات التظاهر، ويقول: “تنازلت عن سريري وقهوتي هذا الأسبوع في سبيل أمني”.

ميدانياً، عاشت القاهرة أسبوعا ساخناً على وقع حالات القبض العشوائي على مواطنين وناشطين بحيث غصت أقسام الشرطة بأكثر من ألفي شخص، بعضهم ينتمي لأحزاب سياسية وآخرون ضبطوا في كمائن نقبت في هواتفهم وحساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي للبحث عن منشورات سياسية معارضة للحكومة وهو فعلاً ما تسبب بالقبض على كثيرين.

تلك الحالة أجبرت كثر على مسح حسابات التواصل الاجتماعي وتغطية هواتفهم بصور السيسي، للإفلات من استجوابات الشرطة. هذا ما فعله خالد الزناتي، وهو موظف ثلاثيني،غير صورة صفحته الشخصية بأخرى داعمة للرئيس: “محوت كل منشوراتي القديمة وهيأت هاتفي للتفتيش بصور وكتابات مؤيدة للحكومة، أخاف على حياتي من هيستريا القبض العشوائي”.

صراخ محمد علي

فشل مظاهرات “الخلاص” التي دعا إليها محمد علي ألقى بظلاله على الحالة المعنوية للمحتجين الجدد في مصر، الذين وجدوا أنفسهم يواجهون تمركزات الشرطة بلا ظهير سياسي حقيقي يدافع عن حقوق أولئك، فاللافت أن المشاركين ليسوا من أعضاء الأحزاب المدنية ولا ينتمي أغلبيتهم إلى جماعة الإخوان المسلمين التي فقدت قدرتها على الحشد في السنوات الأخيرة.

فبين صراخ المقاول الممثل محمد علي في فيديوهاته المتلاحقة، وسخرية الإعلامي المقرب من النظام عمرو أديب، طويت صفحة يوم الجمعة الماضي. 

ماكان يتوهم البعض أنه سيكون مدخلاً لمسار خلاص من قبضة نظام عبد الفتاح السيسي طوي سريعاً وبقسوة، فقد تمكن رجالات النظام في الإعلام والأمن من شنّ هجمة أمنية دعائية مرتدة أحبطت الانتصارات الصغيرة التي اكتسبها الشارع في أحداث 20 أيلول/سبتمبر، ليعلن اسكات موجة التهديد على نظامه.

مع مغادرة شمس الجمعة، تأكد المقاول المنشق المقيم بإسبانيا محمد علي أن دعواته الأخيرة لإسقاط النظام قد ذهبت أدراج الرياح، فلم يلب كثر دعوته باستثناء العشرات الذين خرجوا في الوراق وحلوان وقوص بقنا، في حين تلقى ضربة مزدوجة من امتلاء ساحة ميدان المنصة، الواقع بشرق القاهرة، بالمؤيدين المحاطين بالفنانين والنواب ورجال الأعمال، ليخرج بفيديو يظهر يأسه الشديد من مشهدي فراغ الميادين ودعم المؤيدين، ومناشدته المواطنين باستمرار التظاهر.

“انتوا صاحيين بدري ليه، مفيش داع للقلق” هكذا بدا السيسي واثقا من سيطرته على الأحداث في بلاده خلال استقباله مجموعة من المؤيدين بمطار القاهرة بعد عودته من رحلة نيويورك الأخيرة، وهو ما عكس ترتيب النظام لإخراج اليوم بشكل مثالي تحقق على أرض الواقع، بخلو اليوم من أي “خلاص”.

التحضير إلى جمعة الخلاص لم يكن من قبل محمد علي فحسب، فالنظام أجاد استخدام أدواته تلك المرة، فمارس عمرو أديب هوايته المفضلة في جذب المشاهدين إليه باللعب بورقة محمود السيسي، نجل الرئيس المصري، لخداع الإعلام الإخواني، حيث وقع كثيرون في فخ استضافة نجل الرئيس ليكتشفوا خلال برنامجه “الحكاية” أنه يستضيف محمود آخر يمتلك حصة في سلسلة صيدليات، وفي الأستديوهات المجاورة تبارى المذيعون لاستعراض عضلاتهم لإنهاء حالة محمد علي.

وفي خضم الأزمة، طالبت الحكومة الألمانية، على لسان وزارة الخارجية، من السلطات المصرية الإفراج عن الأشخاص الذين لم تُوجه لهم أيّ اتهامات، واعتُقلوا حديثاً في البلاد، على خلفية مظاهرات الجمعة الماضي، مضيفاً أن ألمانيا أوضحت في مجلس حقوق الإنسان في جنيف أنه “من وجهة نظرنا لن يسهم تنامي قمع المجتمع المدني والصحافة الحرة في استقرار مصر”.

إلا أن وزارة الخارجية المصرية نفت تلك الشهادات، في ردها على بيان المفوضية الأممية حول توقيف ألفي شخص، مؤكدة أن الشرطة لا تلقي القبض على مواطنين يوجون انتقادات للحكومة أو ممارسة أنشطة مشروعة، بل لارتكاب جرائم مخالفة للقانون.

 

ماكان يتوهم البعض أنه سيكون مدخلاً لمسار خلاص من قبضة نظام عبد الفتاح السيسي طوي سريعاً وبقسوة، فقد تمكن رجالات النظام في الإعلام والأمن من شنّ هجمة أمنية دعائية مرتدة أحبطت الانتصارات الصغيرة التي اكتسبها الشارع

 

غير أن دعم الإخوان لتحركات محمد علي ومحاولة استغلال حربه على السيسي ساهم في تفريغ الصورة من مضمونها، وأجهض الحراك الجديد مبكرا، فالذين خرجوا بعفوية عقب مباراة الأهلي والزمالك خافوا من استغلال الإخوان المسلمين للمشهد للعودة إلى السلطة من جديد، وهو ما استغله الإعلام المحلي لتفتيت المشهد الأخير، فواصل عمرو أديب حملته لتحذير الجماهير من ركوب الإخوان المظاهرات الجديدة.

محمد محسن، محام، شارك في التظاهرات المحدودة التي شهدها ميدان التحرير في 20 سبتمبر، يقول إنه شعر بالحماس بالعودة إلى الميدان مرة أخرى، لكنه قرر عدم تكرار مشاركته في أية دعوات جديدة لخوفه من مصيرها المجهول، مضيفا :”الحماس تحول إلى إحباط وخوف، نعاني اقتصاديا لكن في الوقت نفسه أخاف عودة الإخوان”.

وطالب نشطاء محسوبون على التيار المدني بعدم بيع الوهم للمواطنين العاديين من خلال النفخ في وجود مخطط انقلابي للإطاحة بالسيسي، وهو ما تحدث عنه المحامي اليساري مالك عدلي، بقوله إن نشر الأوهام يساهم في الإحباط وخديعة المتظاهرين، خصوصا أن الثوار الجدد ليسوا مأدلجين ولا يمتلكوا خبرة التعامل مع الاحتجاجات.

إلا أن اللافت أيضا أن الإعلام المصري حاول احتواء المشهد على طريقته بالتلميح إلى ضرورة الاستماع لمعارضي الداخل، وهي الرسالة التي حرص كل المذيعين على تأكيدها من خلال وجود مراجعات داخل أجهزة الدول لرفع الغلاء عن محدوي الدخل وإعادة النظر في البرامج الاقتصادية، إلى جانب حديث عمرو أديب المتكرر عن ضرورة وجود معارضة.

إلى ذلك، تحاول أحزاب المعارضة في مصر الضغط في اتجاه آخر من أجل انتزاع مكاسب ساسية من الحكومة، إذ أعلن حزب الكرامة الناصري نيته تجميد نشاطه الحزبي حال استمرار السلطة في طريقها الحالي، محذرا السلطة من استغلال الإخوان المسلمين الظروف الحالية للعودة إلى الحكم وصنع حالة من الاحتقان السياسي.

“نبحث عن مخرج لعودة الحياة إلى الأحزاب، فلا مجال لاستمرارنا بدون وجود أنشطة وقنوات عمل ومساحات للرأي الآخر” يتحدث مجدي عبدالحميد، المتحدث باسم الحركة المدنية الديمقراطية، المظلة السياسية لأحزاب المعارضة، عن خطوة تجميد النشاط السياسي.

وطالبت الحركة المدنية الحكومة بإخلاء سبيل معتقلي الرأي ورفع الحجب عن المواقع الصحفية وتوفير مساحة للمعارضة المدنية وغيرها من المطالب المتعلقة بإعادة تأسيس حياة حزبية سليمة وإنتاج مناخ جيد لممارسة السياسة.

ويلفت عبدالحميد، في حديث لـ”درج” إلى أن الأحزاب غابت عن دعوات محمد علي ولم توفر لها مظلة سياسية معتادة، كونها مجهولة الهوية، مطالبا السلطة بالتفرقة بين الداعين إلى إسقاطه والطامحين في بناء نظام حكم رشيد قائم على وجود المعارضة.

المشهد المصري بين “إرحل يا سيسي” و”إرحل يا فيسبوك”…

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
عليا إبراهيم وحازم الأمين من موقع “درج” – توم ستوكس ورياض قبيسي ورنا الصباغ من ” (OCCRP)
استثمرت شركات خارجية (أوفشور) مملوكة لحاكم المصرف المركزي اللبناني رياض سلامة بهدوء في أصول خارجية، بلغت قيمتها نحو 100 مليون دولار أميركي في السنوات الأخيرة، فيما كان سلامة يشجع الآخرين على الاستثمار في بلاده.
صهيب أيوب – صحافي وكاتب لبناني
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني