إعلام النظام المصري: البيتزا تنتصر على ساحات الاحتجاج!

بينما كانت تُضخ دماء جديدة في شوارع القاهرة ودمياط والمحلة والسويس، آثر رامي رضوان، المذيع الشاب المفضل عند الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الاحتفال باليوم العالمي للبيتزا في برنامجه المسائي على قناة dmc المملوكة للمخابرات الحربية.

بينما كانت تُضخ دماء جديدة في شوارع القاهرة ودمياط والمحلة والسويس، آثر رامي رضوان، المذيع الشاب المفضل عند الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الاحتفال باليوم العالمي للبيتزا في برنامجه المسائي على قناة dmc المملوكة للمخابرات الحربية.

رضوان، الذي اعتاد محاورة السيسي في مؤتمرات الشباب، تجاهل أصوات الشارع، من أجل الاحتفاء بالبيتزا الإيطالية، وارتأى أن المصريين يفضلون تلك الوجبة على المطالبة بتحسين أوضاعهم الاقتصادية.

أما عمرو أديب، الذي يطل على الجمهور المصري عبر نافذة “mbc مصر” المملوكة من السعودية، فقد غرد منفرداً. فبعد ظهوره واثقاً من سيطرة الأمن على ميدان التحرير وسير العربات بشكل طبيعي عقب تفريق احتجاجات “نادرة” تطالب برحيل السيسي، عاد في اليوم الثاني، بنبرة مختلفة، ليؤكد أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، وتحديداً إلى التظاهرات التي أسقطت حسني مبارك في 2011، وما تلاها من أحداث إبان تولي المجلس العسكري إدارة الحكم.

واستخدم أديب في حلقته منهج التحذير من السقوط في فخ الإخوان، معترفاً بوجود مطالب حقيقية للكادحين في مصر، بسبب قسوة برنامج الإصلاح الاقتصادي، داعياً من يتظاهرون إلى رفع قائمة مطالب واضحة يعرضها على الرئيس بدلاً من الانجراف بالبلد، رغبةً في الحكم. ولفت إلى الانتقام من إقصاء جماعة عن الحكم، في إشارة إلى تحريك الإخوان المسلمين التظاهرات الأخيرة.

أديب اعتبر المقاول الفنان محمد علي، مفجر فيديوات الفساد الأخيرة، مجرد أداة تستخدمها المخابرات القطرية لتحريك ثورة ضد السيسي، واصفاً إياه بـ”المركوب من الإخوان”، وهو المعنى ذاته الذي وصل إليه الإعلامي وائل الإبراشي، الذي اعتبر محمد علي حصان طروادة الذي سيعود الإخوان من خلاله إلى مصر، بعد إفلاسهم سياسياً خلال السنوات الأخيرة.

تغطية القنوات المصرية للتظاهرات الأخيرة عموماً أعادت إلى الأذهان الطريقة التي اتبعتها مع اندلاع الثورة المصرية في 2011، حين أدارت ظهرها للاحتجاجات وأظهرت الميادين العامة خالية تماماً من المتظاهرين، حفاظاً على استقرار نظام حسني مبارك، وهي نفسها حالة الإنكار التي تعيشها أجهزة في الدولة، في مقدمها الإعلام، وسط الحركة الاحتجاجية المتصاعدة.

وفي خضم الأحداث الأخيرة، لجأ النظام المصري إلى مطرب المهرجانات الشعبية حمو بيكا، الذي تلاحقه “نقابة الموسيقيين” لمنعه من الغناء، للمشاركة في رسائل دعم الرئيس عبدالفتاح السيسي، لتغطية فشل الإعلام في الردّ على فيديوات محمد علي التي ينتقد فيها ممارسات فساد تمس الرئيس والمؤسسة العسكرية.

أديب اعتبر المقاول الفنان محمد علي، مفجر فيديوات الفساد الأخيرة، مجرد أداة تستخدمها المخابرات القطرية لتحريك ثورة ضد السيسي

بيكا، الذي تحقق فيديواته مشاهدات مرتفعة على “يوتيوب”، وتفرض الدولة حظراً عليه لمنع انتشار أغانيه في منتجعات الساحل الشمالي، اكتشف تأثيره المفاجئ، لينضم إلى قائمة مطربين وفنانين استعانت بهم الأجهزة لدعم استمرار السيسي في سدة الحكم، “والتصدي لهجمات أعداء الوطن”.

اللجوء إلى الفنانين ليس حيلة مبتكرة، فالأنظمة المصرية منذ عهد الملكية تستخدمهم لتلميع صورة الحاكم، سواء بالأغاني أو بالأعمال الفنية أو بالرسائل المباشرة، إلا أن اللافت هو محنة الإعلام المحلي الذي وجد نفسه فجأة عاجزاً عن الرد على فيديوات المقاول، على رغم كل ما أنفق عليه في السنوات الأخيرة للحفاظ على استقرار النظام والإطاحة بأي أصوات مختلفة.

السيسي بدا غاضباً في مؤتمر الشباب الأخير، الذي عقد خصيصاً للرد على فيديوات المقاول المقيم في إسبانيا، من صمت وسائل الإعلام المحلية على اتهام المؤسسة العسكرية بإهدار المال العام وسرقة أموال العاملين في مجال المقاولات، قائلاً: “جايين تشككوا في ذمم الناس، وكل الناس تداري والإعلام يتدارى والصحافة تداري”، رافضاً خوف الإعلام من المواجهة.

ويواجه السيسي اختباراً هو الأصعب له منذ صعوده إلى سدة الحكم في مصر في صيف 2014، حيث لاقت فيديوات المقاول رواجاً كبيراً على شبكات التواصل الاجتماعي وصدقية بين الأوساط الشبابية، تحديداً في ما يخص بناء القصور الرئاسية بأوامر من الرئيس نفسه، وهو ما أكده السيسي في المؤتمر، مشيراً إلى أنها تبنى لمصلحة مصر وباسمها، وليس من أجله، بدعوى أنه يؤسس لدولة جديدة.

وسبق أن انتقد الرئيس المصري وسائل إعلامه في مناسبات عدة، لعدم إظهار حجم إنجازاته وخلو الصحف والبرامج من مواد تشرح الاختلافات الاقتصادية بين مصر وغيرها من الدول، كما تحسر في إحدى المناسبات على وضع الإعلام مقارنة بالإعلام الذي كان يتمتع به الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر في فترة الستينات، وهو ما لخصه في جملة “الزعيم الراحل جمال عبدالناصر كان محظوظ، لأنه كان بيتكلم والإعلام كان معاه”.

وعلى رغم سيطرة الأجهزة الأمنية على معظم وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة خلال السنوات الأخيرة، من خلال رجال أعمال محسوبين على السلطة أو شركات الأجهزة نفسها، إلا أنها لم تصل إلى المستوى الذي يأمله السيسي، الذي يرى أن الإعلام لم يقنع الناس بمجهودات الدولة ورؤيتها للتنمية، فضلاً عن إخفاقه في الرد على حملات الخارج.

السيسي وزير إعلام مصر

السيسي يرى نفسه وزير إعلام الدولة المصرية أيضاً، فهو الذي يتحدث عما يحصل على أرض مصر في مؤتمرات الشباب أو في أي مناسبات وطنية، حيث يجد أحاديث المسؤولين مصاغة بعبارات فنية لا يمكن أن تصل إلى الإنسان العادي، لذا يتدخل ويطلب التوضيح، أو تبسيط المعلومة لإيصالها للمصريين، كما يقول ياسر رزق، الصحافي المقرب من النظام، عن رؤية السيسي لملف الإعلام.

رزق تحدث أخيراً عن اتجاه لدى السلطة بفتح نوافذ إعلامية جديدة وزيادة مساحة التسامح وتقبل الرأي الآخر ضمن خطة إصلاح سياسي ستتضمن تواصلاً أعمق بين السلطة ووسائل الإعلام. 

وعلى رغم تفاؤل رزق، إلا أنه لا توجد مؤشرات على وجود انفراجة في ملف الحريات الإعلامية حتى الآن، نظراً إلى وجود تصور قائم منذ فترة لدى المسؤولين بالدولة أن الصحافة مجرد نشرات إخبارية دورها نقل ما يقوله المسؤول إلى الجمهور، فضلاً عن اعتقاد سائد بأن هامش الحريات الذي سمح به نظام مبارك هو المسؤول عن ثورة 25 يناير وما تلاها من أحداث انتقالية، وفقاً لعمرو بدر رئيس لجنة الحريات في نقابة الصحافيين.

اللجوء إلى الفنانين ليس حيلة مبتكرة، فالأنظمة المصرية منذ عهد الملكية تستخدمهم لتلميع صورة الحاكم، سواء بالأغاني أو بالأعمال الفنية أو بالرسائل المباشرة

ويوضح بدر لـ”درج” أن أزمة الإعلام في مصر تكمن في غياب الحريات في المقام الأول، “فالصحافة مهنة بلا حرية تموت، ومن دون حريات وحقائق ومواجهة مع المسؤولين لن تستمر الصحافة طويلاً”.

ولا يتوقع بدر أن تغير الدولة أساليبها في الفترة المقبلة بعد انتقاد الرئيس وسائل الإعلام، “فأفكار الدولة واقفة عند السبعينات ولم تخلق أسلوباً جديداً غير الحجب والمنع والرقابة وفرض القيود بدلاً من التطوير والمناقشة”.

ويرجع بدر سبب الأزمة الحالية إلى غياب الخيال عند المسؤول في مصر، فأعمار أعضاء المجالس الرقابية في الصحافة والإعلام كبيرة ومعظمهم من مواليد الخمسينات والستينات، ويفكرون بطريقة لم تعد تصلح للمنافسة.

وزاد بدر: “الدولة تثق في جيل آخر يعرف بالشباب الإعلاميين قدمتهم الأجهزة الأمنية وحالياً يحجزون مقاعد مؤثرة في البرامج والفضائيات ويحاورون الرئيس في مؤتمرات الشباب، لكنهم يظلون موظفين غير مبدعين ولا يقدرون على انتقاد أي سياسات سلبية أو تجاوز أي خطوط الحمر… هم يفتقرون إلى الخيال ويقدمون ما يملى عليهم”.

اللافت أن الدولة خسرت المعارك الافتراضية سواء في حرب الوسوم الإلكترونية أو الفيديوات التي يبثها نشطاء الخارج، فوسم #كفاية_ بقى_ يا سيسي، تجاوز المليون تغريدة في يوم واحد، بينما لم يصمد # معاك_ يا_ سيسي كثيراً، وهو ما يفسر أن الأجهزة تتبع منهجاً ثابتاً، لم تطرأ عليه بصمة التكنولوجيا، ولم تسعَ إلى تطوير نفسها بمنافسة المواقع التي تكشف الوجه الآخر للنظام، أو ترد على الفيديوات بفيديوات بل بالحجب والمنع والتشويه في الفضائيات التي تسيطر عليها.

انتفاضة المصريين بين “ارحل يا سيسي” و”حديث الإفك”

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
لقد قتلوا هذا الرجل، وأرادوا أن يوصلوا رسالة! قتلوا حكاية من حكايات بغداد التي لطالما صارت تفضي إلى نهاية موقعة بالدماء.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني