fbpx

كيف نفهم عملية التطهير التي جرت في المملكة العربية السعودية بحسب موقع “Vox” الأميركي..

نوفمبر 8, 2017
يقوم محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة العربية السعودية، الطموح البالغ من العمر 32 عاماً بلمّ شمل معارضيه تحت سيف الاعتقال، خصوصاً المعارضة الآتية من داخل عائلته المالكة. خلال نهاية الأسبوع، اعتقلت الشرطة السعودية 11 أميراً بشكلٍ صادم، إلى جانب عشرات المسؤولين ورجال الأعمال، بتعليمات من بن سلمان ووالده الملك سلمان. تقول الرواية الرسمية إن هذه الاعتقالات جاءت ضمن حملة مكافحة الفساد

يقوم محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة العربية السعودية، الطموح البالغ من العمر 32 عاماً بلمّ شمل معارضيه تحت سيف الاعتقال، خصوصاً المعارضة الآتية من داخل عائلته المالكة.
خلال نهاية الأسبوع، اعتقلت الشرطة السعودية 11 أميراً بشكلٍ صادم، إلى جانب عشرات المسؤولين ورجال الأعمال، بتعليمات من بن سلمان ووالده الملك سلمان. تقول الرواية الرسمية إن هذه الاعتقالات جاءت ضمن حملة مكافحة الفساد التي يقودها الأمير المعروف على نطاق واسع باسم MBS. لكن العديد من الخبراء يقولون إن ما يحدث فعلاً هو أن ولي العهد، ووريث العرش المرتقب، يحاول سجن منافسيه المحتملين لتعزيز سلطته.
يقول كولين كال الأستاذ في جامعة جورج تاون، الذي عمل نائب مساعد وزير الدفاع في عهد إدارة أوباما: “يمكن إطلاق تهم الفساد على أي شخص يعمل في الحكومة أو قطاع الأعمال تقريباً. تبدو هذه وكأنها الخطوة الأخيرة لتعزيز سلطة بن سلمان، بإزالة المنافسين المحتملين”.
تأتي هذه الحملة من الاعتقالات كجزء من سلسلة خطوات اتبعها بن سلمان منذ تعيينه ولياً للعهد في حزيران (يونيو) الماضي، ليعزز موقعه كمهندس للسياسات السعودية في الفترة المتبقية من ولاية والده.
يبدو أن هدف هذه السياسات، هو إجراء تغيير جذري في النظام السياسي السعودي، الذي بُني سابقاً على إجماع العائلة المالكة والتفاهم مع المؤسسة الدينية، ليصبح نظاماً أكثر مركزيةَ، تتركز فيه السلطة بقوة في أيدي الملك.
يكتسب هذا التكريس للسلطة، الذي يسعى إليه بن سلمان، كونه شراً أو خيراً من المنظور الذي ترى منه الأمور. ففي ما يتعلق بالسياسة المحلية، مثَّل صعود الأمير بن سلمان قوةً دافعةً للإصلاح، إذ أظهر استعداداً جماً لمحاربة المؤسسة الدينية، وقاد الحملة الناجحة لتمكين المرأة من قيادة السيارة، ويبدو مصراً على تحديث الاقتصاد السعودي القائم على البترول. لكن من ناحية السياسة الخارجية، كانت سياسته مدمرة إلى حد كبير، إذ قاد حملة السعودية للتصعيد في اليمن، الحرب التي راح ضحيتها 13500 قتيلاً، وأساء إدارة الأزمة الدبلوماسية مع قطر.
لذا فإن حملة هذا الأسبوع ليست مجرد خلاف عائلي بسيط، بل إنها أهم المعارك حتى الآن على صعيد النزاع حول السياسة السعودية والمستقبل السياسي للبلاد، وهي حرب أبعد ما يكون عن الانتهاء.
يقول الدكتور عبد السلام مغراوي أستاذ العلوم السياسية في جامعة دوك عبر البريد الإلكتروني: “هذه الحملة غير الاعتيادية من الاعتقالات التي طالت شخصيات بارزة مقربة من العائلة المالكة في نهاية الأسبوع الماضي هي أمر جلل. هي جزء من الإجراءات غير المسبوقة والمتسرعة، والتي قد تحمل انعكاسات هائلة على المملكة العربية السعودية والمنطقة بأسرها. وبالنظر إلى أن بن سلمان مازال ولياً للعهد، فإن توليه السلطة بعد موت والده أو تنحيه لن يكون سلساً”.
يجمع محمد بن سلمان قدراً غير مسبوق من السلطة بين يديه
لفهم الآثار الحقيقية لهذه الاعتقالات المفاجئة، عليك فهم بعض الأشياء عن الماضي القريب لسياسة العائلة المالكة السعودية.
تولى الملك سلمان الحكم في كانون الثاني (يناير) 2015، بعد موت الملك السابق عبدالله. كان سلمان حينها عجوزاً (79عاماً) لدرجة، قد لا تسمح له بأن يكون زعيماً عالمياً، ولم يكن يتوقع أن يكون لعهده اتجاهاً سياسياً شخصياً. وهناك إشاعات رائجة بأنه يعاني من فقدان الذاكرة بسبب تقدم السن.
أشعل تنصيب محمد بن سلمان شرارةً من الصراع الهادئ حول النفوذ والتأثير على اتجاه الدولة السعودية بين عدة فروع متنافسة داخل العائلة المالكة الكبيرة. بن سلمان، الذي كان في الـ29 عاماً من عمره حين تولى والده الحكم، ظهر سريعاً باعتباره أبرز الفائزين. فبعد فترة قصيرة من تولي الملك سلمان للحكم عين ابنه وزيراً للدفاع.
لم يُضِع بن سلمان كثيراً من الوقت، ليبدأ في ممارسة نفوذه الجديد. وحسب جميع الروايات، كان هو القوة الدافعة خلف قرار التدخل في الحرب الأهلية في اليمن المجاورة في نيسان (أبريل) 2015 دعماً للحكومة المعترف بها دولياً، ضد مليشيات الحوثي المتمردة التي تعتبرها الرياض وكيلاً لطهران.
كان هذا التدخل كارثياً بشكل كبير، إذ أدى إلى مقتل الآلاف، ولا تبدو نهاية النزاع قريبةً في أي حال، لكن هذا الأمر لم يوقف بن سلمان عن الاستمرار في بسط نفوذه تحت رعاية والده.
أصبح بن سلمان الفاعل الأكبر في السياسة المحلية السعودية، وفي علاقاتها الخارجية، فتصرف باعتباره رأس الحكومة، بينما أدى والده واجبات حاكم الدولة الرسمية.
تحرك بن سلمان سريعاً لتعزيز السلطة بين يدي مؤسسة الملك وبين يديه شخصياً. في نيسان (أبريل) 2016 مثلاً، نزع الأمير سلطة الاعتقال من الشرطة الدينية المعروفة بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما يعد هجوماً واضحاً على سلطة المؤسسة الدينية الإسلامية القوية في السعودية. في حزيران (يونيو) 2017 أقنع والده بإزاحة ولي العهد حينها محمد بن نايف، وتعيينه بدلاً منه خليفةً لوالده.
تعد أحداث الأسبوع الماضي، من ناحية، مجرد امتداد لسيطرة محمد بن سلمان على السلطة التي بدأت عام 2015. لكنها في الواقع أكبر من ذلك، إنها هجوم علني غير مسبوق على منافسيه داخل آل سعود.
بحسب مغراوي: “العائلة المالكة السعودية حافظت دائماً على السرية في ما يخص إدارة شؤونها الداخلية، أما هذه الاعتقالات الأخيرة، فغيرت هذا الاتفاق الضمني تماماً، ممهدةً الطريق لصراع علني وسباق على السلطة بين أعضاء العائلة المالكة والقبائل والعائلات والمحافظين الدينيين”.
بالتالي، سبب اعتقال بن سلمان لهذا العدد الكبير من الأشخاص المؤثرين: هو القضاء على التهديدات المحتملة. من بين المعتقلين، على سبيل المثال، يبرز الأمير الوليد بن طلال مالك صندوق “المملكة” الاستثماري، الذي يبلغ رأسماله 10 مليارات دولار، وأحد أغنى أثرياء العالم. منحته ثروته قوةً هائلةً، رآها الأمير محمد بن سلمان، تهديداً محتملاَ.
لم يقتصر الأمر على الاعتقالات. يوم السبت طُرد قائد قوات الحرس الوطني السعودية، التي لا تشبه الحرس الوطني الأمريكي، بل هي أشبه بجيش موازي أنشأ خصيصاً لحماية العائلة المالكة من خطر الانقلابات العسكرية، كذلك قائد القوات البحرية. استبدل الاثنان بمسؤولين أقل تهديداً لسلطة بن سلمان، ما يعني تركيز المزيد من السلطة في يدي ولي العهد.
من المذهل حقاً رؤية مقدار السلطة التي تركزت في مؤسسة الملك، بعد أن كانت عملية اتخاذ القرار موزعةً بشكل تقليدي بين يدي عدد متنوع من أعضاء العائلة المالكة. وقال الباحث في جامعة برنستون، برنارد هيكل لمراسل فوراين بوليسي ديفيد كينر: “في الواقع، محمد بن سلمان ووالده، هما أقوى ملوك المملكة العربية السعودية منذ نشأتها”.
وعلى الرغم من أن أجندة محمد بن سلمان جيدة للمرأة السعودية وللاقتصاد، إلا أنها خطيرة على المنطقة. ليس من الواضح بعد إذا كانت سلطته المتنامية أمر جيد للمملكة والعالم أو لا.
التوصيف الأكثر شيوعاً لمحمد بن سلمان في الصحافة العالمية هو أنه “مصلح”. يوصف حرفياً بأنه رجل شاب يحاول العبور بالسعودية إلى عصر جديد، وأن خطاباته العامة تركز بشكل مهووس على حاجة المملكة لتجاوز اعتمادها على صناعة النفط، وتحديث خطاب المؤسسة الدينية الإسلامية ليكون أكثر اعتدالاً.
قال الأمير في مؤتمر في تشرين الأول (أكتوبر): “نحن نعود إلى ما كنا عليه من قبل، بلد الإسلام المعتدل المنفتح على كل الأديان والتقاليد والناس في كل أنحاء العالم، 70% من سكان السعودية تحت سن الـ30 عاماً، وفي الحقيقة لن نقضي الـ30 عاماً المقبلة من حياتنا نصارع الأفكار الهدّامة”.
يبدو الأمير جاداً تجاه هذه القضايا. في شباط (فبراير) الماضي أطلقت الحكومة السعودية خطةً استثماريةً طموحة بمبلغ 50 مليار دولار في مجال الطاقة المتجددة. وفي أيلول (سبتمبر) ألغت الدولة حظرها على قيادة النساء للسيارة. كلا الخطوتين أشارتا إلى استمرار الأمير محمد بن سلمان في أجندته الإصلاحية.
لكن في حين يفكر بن سلمان بطريقة تقدمية في أمور السياسة المحلية، فإن نهجه في التعامل مع الشرق الأوسط صدامي بشكل استثنائي. إذ يرى إيران ونفوذها المتزايد في جميع أنحاء المنطقة باعتبارها تهديداً وجودياً، كما أنه حاول استخدام كل الوسائل المتاحة له تقريباً لتوسيع النفوذ السعودي على حساب إيران.
هذا النهج العدائي يحظى بدعم البيت الأبيض، إذ غيّر الرئيس دونالد ترامب من سياسة وخطاب الولايات المتحدة لتتوافق مع المملكة العربية السعودية، وتقف بقوة ضد إيران. كما أن العلاقات بين الطرفين تزداد دفئاً على المستوى الشخصي: في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، التقى بن سلمان مستشار ترامب الأول جاريد كوشنر في واحد من اللقاءات الكثيرة التي جمعت بين الرجلين.
مع ذلك، فإن الكلفة البشرية لنهج بن سلمان هائلة، وتمثل حرب اليمن المثال الأبرز عليها. اليمن التي عانت فقراً مدقعاً منذ ما قبل الحرب، تزايدت معاناتها جراء الحصار والهجمات الجوية، التي دمرت المستشفيات والمدارس ومنشآت البنية التحتية الأخرى. يحتاج 20 مليون يمنياً تقريباً إلى المساعدات الإنسانية لتلبية الحاجات الأساسية، في بلد يبلغ سكانه 28 مليوناً. وتمثل اليمن اليوم الأزمة الإنسانية الأكبر في العالم متجاوزة حتى سوريا في مأساتها.
لكن بن سلمان قام بأشياءٍ أخرى هددت الاستقرار كذلك. في وقت مبكر من هذا العام، قاد تحالفاً من الممالك الخليجية لقطع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع قطر، في محاولة لإخضاع الدوحة، التي حاولت اتباع سياسة خارجية مستقلة عن الرياض، لرؤيته للمنطقة. وجد آلاف من السعوديين الذين يعيشون في قطر أو العكس حيواتهم تغرق في الفوضى، ولم تتعافَ قطر من الأزمة بشكل كامل حتى الآن.
في نهاية الأسبوع الماضي استقال سعد الحريري، رئيس الوزراء اللبناني المدعوم من السعودية، من منصبه بتوجيهات سعودية في الغالب. تكمن الفكرة على الأرجح في خلق تحدٍ لإيران ووكيلها اللبناني حزب الله، الذي يعدّ جزءاً من التحالف الحكومي، والذي سيكون مضطراً للتعامل مع تداعيات الأزمة. تزامُن الاستقالة مع حملة الاعتقالات في السعودية ليست صدفةً، بحسب ما يرى الخبراء.
يرى الدكتور كال، أن “تعزيز السلطة يرسخ من موقف معسكر الصقور في السياسة الخارجية الساعي للمخاطرة في مواجهة إيران، ليس فقط في اليمن بل في لبنان وأماكن أخرى. ربما تشجع السعودية الصراع في لبنان الذي سيستنزف الإيرانيين ووكلائهم كما نزفت السعودية في اليمن”.
كل هذا بافتراض أن سلطة محمد بن سلمان ستبقى قويةً كما هي الآن. من الممكن أن تقود تغييراته الكاسحة للسياسة السعودية وحملة الاعتقالات العلنية غير المتوقعة، إلى ردود أفعال معاكسة من قبل أعضاء آخرين من العائلة المالكة، أو حتى إلى نوع من الانقلاب الناعم على محمد بن سلمان.
يرى مغراوي أن “صعود جيلٍ جديدٍ من الأمراء إلى السلطة، من بينهم محمد بن سلمان، يخلق نوعاً من عدم اليقين والتوتر داخل بنية الحكم، من دون مؤسسات جديدة ومفتوحة، فإن مثل هذا القلق سيؤدي إلى قرارات غير حكيمة تدشن عهداً جديداً من عدم الاستقرار، إن لم يكن من الاقتتال العنيف”.
الأمر إذن أن بن سلمان يقدم على مغامرة خطيرة. أجندته السياسية الطموحة مثيرةً للجدل بالفعل، ومحاولة فرضها في الوقت نفسه الذي يسجن فيه أمراء من العائلة المالكة، يبدو طريقاً واضحاً لإثارة رد فعل عنيف. الشيء الواضح الوحيد، أن المستقبل القريب للمملكة العربية السعودية ومحمد بن سلمان نفسه هو أحد الأشياء غير المؤكدة.
كتب بروس ريدل، الخبير في الشأن السعودي في معهد بروكينز للمونيتور، قائلاً: “المملكة على مفترق طرق: تأثر اقتصادها بانخفاض أسعار النفط، الحرب في اليمن أشبه بالمستنقع، حملة الحصار على قطر انتهت بالفشل، النفوذ الإيراني وصل إلى ذروته في لبنان وسوريا والعراق، وخلافة العرش مازالت سؤالاً مجهول الإجابة. هذه هي الفترة الأكثر هشاشةً في تاريخ السعودية خلال ما يزيد على نصف قرن”.
هذا الموضوع مترجم عن موقع VOX
لقراءة المقال بالإنكليزية على الرابط التالي.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الأمر الوحيد الذي بقي أمام من يسعى إلى تخيل “ما بعد لبنان” هو أن يغادر اللبنانيون كلهم هذه المساحة بقوارب صغيرة وكبيرة، وأن ينجو بعضهم ويموت بعضهم الآخر، وهذا ما يحصل عملياً، وفي هذا الوقت سيكون سهلاً على الثنائي الشيعي أن يفوز بوزارة المالية…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني