fbpx

السعوديون مرتبكون إزاء التطورات الكبرى الأخيرة

نوفمبر 8, 2017
الشهر الماضي، بينما كانت زينة فرحان تسير خارج أحد مراكز التسوق في الرياض، وخمارها ملقى حول كتفيها، استوقفها أحد رجال الشرطة الدينية (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، ارتعدت فرائصها من شدة الهلع عندما خفض أحدهم زجاج نافذة السيارة، وخاطبها قائلاً "من فضلكِ سيدتي، هل يمكنكِ تغطية شعركِ خلال وقت الصلاة"، أجبته "حسناً، ثم قال لي شكراً لكِ، ثم انطلقت السيارة إلى وجهتها بسرعة. كان هذا كل ما جرى، كان الأمر مذهلاً".

الشهر الماضي، بينما كانت زينة فرحان تسير خارج أحد مراكز التسوق في الرياض، وخمارها ملقى حول كتفيها، استوقفها أحد رجال الشرطة الدينية (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، ارتعدت فرائصها من شدة الهلع عندما خفض أحدهم زجاج نافذة السيارة، وخاطبها قائلاً “من فضلكِ سيدتي، هل يمكنكِ تغطية شعركِ خلال وقت الصلاة”، أجبته “حسناً، ثم قال لي شكراً لكِ، ثم انطلقت السيارة إلى وجهتها بسرعة. كان هذا كل ما جرى، كان الأمر مذهلاً”.
طيلة سنوات حياتها كامرأة بالغة، كان من شأن مثل هذا الحدث، أي مصادفة رجال الهيئة المعنية بتنفيذ القوانين المطابقة للمعايير المجتمعية في المملكة العربية السعودية، أن يُسفر عن نتيجة أكثر قسوة. لم يكنْ مستبعداً أبداً بالنسبة لامرأة تتجرأ على كشف شعرها في الأماكن العامة في أي وقت، ناهيك في وقت الصلاة، أن تتلقى غرامةٍ ماليةٍ على ذلك وربما حتى عقوبة السجن. وتقول فرحان، البالغة من العمر 32 عاما “الشتائم والسجون والجلد والعار، لكن أن نرى أشياء مثلما نشاهدها اليوم، فهو دليلٌ على قدر التغيير الذي شهدته المملكة”.
خلال العام الماضي، جُردَّت الشرطة الدينية، التي تعتبر هاجس المرأة السعودية ومنغصة حياتها، من أدوارها بشكل مطرد، مما أفقدها صلاحيات الاعتقال وتحديد الصواب أو الخطأ. وفي الأسبوع الماضي، تم توقيع مرسوم لاستيعاب أفراد هذه الهيئة داخل وزارة الداخلية – وهو ما يُعتبر ضربة قاسمة لهيئة مركزية عملت على مدى أجيال على فرض التزمت الاجتماعي والديني في مملكة تقاوم التغيير.

جل ما عرفناه عن المملكة الغامضة، تم التخلص منه في الأشهر الماضية واستبداله بسلسلة من الإصلاحات التي تهز جميع جوانب المجتمع السعودي. وقد بدأ هذا التحول على يدي القيادة السعودية الجديدة، متمثلة في الملك سلمان وابنه وولي عهده، الأمير محمد بن سلمان، الذي هز معظم أركان البلاد، حتى طالت هذه التغييرات، يوم السبت الماضي، أعلى طبقة النخبة التي لم يكن يتصور أحدٌ استطاعة المساس بها، عندما تم القبض على 30 من أفراد الأسرة المالكة، بتهمة الفساد.
وقال مسؤولٌ سعوديٌ رفيع المستوى “إن القول بأن ما حدث هو بمثابة صدمة للنظام القائم، يقلل في الواقع من حجم ما يجري فعلاً”. وأضاف “إنها رسالة إلى الناس هنا وإلى العالم بأننا منفتحون على عالم الأعمال، لكن بمواصفاتكم وليس بمواصفتنا. ولا بد من أن يشعر المستثمرون بالثقة لكي يأتوا إلى هنا ويقوموا بنشاطاتهم التجارية بكل شفافية “.
وفي الوقت الذي كان لا يزال عددٌ من أفراد العائلة المالكة وعشرات المواطنين الآخرين من ذوي النفوذ، محتجزين في إحدى الفنادق الأكثر فخامة في الرياض، فندق ريتز كارلتون، راح المواطنون السعوديون، يوم الاثنين، يحاولون فهم  معنى النهج الجديد، والتحول العميق في طريقة تسيير شؤون البلاد، مقارنة بالطريقة التي اعتمدها الحكام في تسييرها على مدار التاريخ الحديث للمملكة.
وقال رجل أعمال سعوديٌ كبير”إنه يُمزقُ نظاماً يحتضِرُ، نظامٌ كان يحابي أفراد العائلة المالكة ويضعهم فوق الجميع”، مضيفاً “إنه يقضي علي تلك العلاقة التفضيلية القائمة بين النخبة والدولة، كانوا في الواقع يمثلون الشيء نفسه، إن ما يجري يعني، ولو جزئياً، الارتقاء بالسعوديين من وضع الرعايا إلى وضع المواطنة”.

في بلدٍ خضع منذ أمد بعيدٍ للحكم عن طريق الإجماع والتوافق – خاصة بين قبائل مختلف فروع العاهل المؤسِس، عبد العزيز – يُعتبر القبض على أفراد من العائلة المالكة، خطوة تتجه مباشرة نحو اعتماد شكلٍ جديدٍ من الحكم، خاصة إذا أضفنا إلى ذلك الإصلاحات الثقافية التي ستسمح للمرأة في العام المقبل بقيادة السيارة ودخول الملاعب الرياضية، وتنظيم الحفلات الموسيقية، والسماح للسياح بزيارة المواقع الأثرية السابقة للعصر الإسلامي.

وقال أحد الوزراء البارزين، الذي رفض، على غرار جميع المسؤولين الآخرين، الكشف عن اسمه، عند التعبير عن وجهة نظره “إن الرسالة التي توجهها القيادة الجديدة هي أن كل ما كان يرتبط بالمملكة العربية السعودية لم يعد قائماً”، وقال “إنها ثورة” وأضاف “كل شيء حساسٌ جداً، ينبغي أن نتحلى بالصبر حتى تستقر الأوضاع “.
ومن بين الإصلاحات الثقافية الضرورية، تعهد الأمير محمد الشهر الماضي “بإعادة السعودية إلى الإسلام المعتدل”، وهو في الواقع التزام منه بكسر التحالف المؤسَس بين رجال الدين الذين يعتمدون تعاليم صارمة تعود إلى عهد العالم البارز محمد بن عبد الوهاب في القرن السابع عشر، وبين حكام المملكة الحديثة.
وقال ولي العهد الأمير محمد في تصريح لصحيفة “الغارديان” إن التفسير المتشدد للإسلام قد ترسخت جذوره في السعودية بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، مضيفاً “لم نكن نعرف كيف نتعامل معها، ثم انتشرت المشكلة في جميع أنحاء العالم. وحان الوقت للتخلص منها”.
تجدرُ الإشارة أنه لم يسبق لأي قائد من القادة السعوديين أن تطرق من قريب لموضوع التصدي لصيغة التفاهم بين رجال الدين والحكام.
وقال الدكتور هيليير، وهو زميل رفيع المستوى غير مقيم في مجلس الأطلسي، إن التغيير الحاد في نوعية الخطاب لا يعني بالضرورة أن القيادة السعودية الجديدة تتنصل من الوهابية.
ثم تساءل “هل ما يجري هو تغيير الطبقات الفلسفية، بحيث لن تعود المؤسسة الدينية السعودية وهابية؟ لو حدث مثل هذا التغيير، لشكل حقاً وفعلاً تحولاً هائلا، لست متأكداً من أن محمد بن سلمان يرغب في القيام بذلك”.
وأضاف “إذا كنا نتوقع أن يترسخ نهج ديني غير متحفظ ويمد حكمه في السعودية، فأعتقد أننا نحلم، لكن السؤال هو كيف يمكن لهذا المجتمع أن يعود حقاً إلى نظرة دينية أكثر معيارية – وخاصة خلال  فترة قصيرة من الزمن، لكن يبدو أن النهج المتبع حتى الآن يتمثل في الحد من الدوافع الأكثر جذرية وخنقها، بدلا من معالجة الجذور التي سمحت لمثل هذا التشدد بالهيمنة. لقد شكلت سنة 1979 محطة حاسمة في فهم كيفية قيام الدولة السعودية بتقييد أو إفساح المجال أمام نفوذ المؤسسة الدينية، وليس من حيث الأساس الديني لتلك المؤسسة “.
واختلف عددٌ من أعضاء نخبة رجال الأعمال السعوديين الذين كانوا على اتصال دائم بالأمير محمد مع ذلك التفسير، وقال أحد هؤلاء الأشخاص “إنه يضع نفسه كزعيم للعالم السني، والطريقة الوحيدة التي تمكنه من تحقيق ذلك هي فقط إذا اعترف علناً وبقوة بأننا فقدنا طريقنا كمجتمع”، في حين قال رجل أعمال مخضرم آخر “إن الطريقة الوحيدة التي تمكنه من تحقيق ذلك – أي تنفيذ تغيير بهذا الحجم –  تتم في حالة وجود زعيم شاب، يتحلى بالصبر، علماً بأن سن من سبقه من الحكام في المملكة عندما اعتلوا العرش، كان يتراوح بين  70 أو 80 سنة، ولم يكن لديهم القدرة على محاولة القيام بأي شيء من هذا القبيل.
“أجل، يمكنك القول بأن الناس يخشون التعبير عن رأيهم، بسبب تزايد مركزية السلطة، لكنه يقوم بما عليه القيام به، وهو يعزز سلطته مثلما يفعل كل من يوجد في وضعه الحالي، ومن الطبيعي أن يُخلف ذلك خسائر وضحايا جانبية”.
ويقول منتقدو الأمير محمد أن الاندفاع المتهور نحو الثورة يتم بدافع السعي لسلطة لم يسبق لها مثيل، والتي يمكن أن يستفيد منها ولي العهد البالغ 32 عاماً من العمر، على مدى عقود عديدة كعاهل للمملكة. ويوجد من بين المعتقلين يعض المنافسين له من داخل العائلة الحاكمة، الذين يعارضون العديد من جوانب الإصلاحات. ويسأل قريب أحد الأمراء المعتقلين “كيف يمكن الإفلات من تبعات مثل الذي يحدث؟” ثم يضيف “من الخطأ تفسير صمت الناس بأنه دليل على موافقتهم”.
وفي نفس الفندق الذي يقيم فيه أفراد الأسرة المالكة المحتجزين، يقوم مستشارون من ماكينزي وديلويت، من مجموعة بوسطن الاستشارية، بصياغة خطط لإصلاح الاقتصاد الذي دأب على استعمال  شبكات المحسوبية، والتي غالبا ما فرض على الشركات الأجنبية أن تتشارك مع أحد أفراد الأسرة المالكة للقيام بأي مشروع في المملكة.
وقد وضع القطاع العام المتكلس عراقيل في طريق المستثمرين والسكان المحليين على حد سواء، ولهذا السبب تُعتبر الإصلاحات الاقتصادية ضروريةً للفوز بدعم قاعدة متشككة ومحافظة، الكثير منهم لا يرتاح لمثل هذا التغيير.
ولخص الوزير البارز الذي رفض الكشف عن اسمه المشهد قائلا “ما يجري هو تغييرٌ في إدارة البلاد، مع استعمال تكتيكات الصدمة، في حزمة واحدة، وسيتعوَد الناس على ذلك. لا يملكون سوى أن يعتادوا عليه.”

هذا الموضوع مترجم عن موقع صحيفة الغارديان البريطاني
لقراءة المقال الأصلي راجعوا الرابط التالي.[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الأمر الوحيد الذي بقي أمام من يسعى إلى تخيل “ما بعد لبنان” هو أن يغادر اللبنانيون كلهم هذه المساحة بقوارب صغيرة وكبيرة، وأن ينجو بعضهم ويموت بعضهم الآخر، وهذا ما يحصل عملياً، وفي هذا الوقت سيكون سهلاً على الثنائي الشيعي أن يفوز بوزارة المالية…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني