fbpx

ماتَ بن علي… جلاَّد سنوات الجمر و “معلّم” التجمعيين

وفاة بن علي أو معلّم "التجمعيين" بعد يومين من إعلان النتائج الأولية للدور الأول من الانتخابات الرئاسية التونسية، ألقت بظلالها على المشهد العام في البلاد.

“سيدّتي لقد مات.
-من ذاك؟
-الرئيس
-أيّ رئيس تقصد؟ محمد الناصر،  الرئيس الموقت؟
– لا، بن علي ، ذاك الذي حكمنَا 23 سنة متتالية…
– أكنتَ تحبه؟
– ربّما، لا أدري، كل ما أتذكره أنه في عهده كانت الأسعار منخفضة، كنَّا نعيش مستورين، أمَّا اليوم فنحن نعاني من غلاء المعيشة وضيق الحال”.

هكذا علَّق سليم، نادل في مقهى، على وفاة الرئيس زين العابدين بن علي، المخلوع من الحكم في تونس إبَّان ثورة 2011، حتى كادَ الكهل الذي في المكان يُسقط قارورةَ المياه من يده.

منير بن صالحة المحامي الشخصي لبن علي أكَّد لـ”درج” خبر الوفاة، إثر توعك صحة بن علي في الفترة الأخيرة ومكوثه في العناية المركزة في أحد مستشفيات المملكة العربية السعودية.
بن صالحة أوضح أن عائلة بن علي ستدفنه في مكة، وليسَ في تونس، مردفاً: “عندما يموتُ الشخص العائلة هي التي تختار مكانَ دفنه، ومكة ستحتضن جثمان الرئيس للمرة الأخيرة”.

وفاة بن علي أو معلّم “التجمعيين” (نسبة إلى حزب “التجمع الدستوري الديموقراطي” الذي أسسه)، بعد يومين من إعلان النتائج الأولية للدور الأول من الانتخابات الرئاسية التونسية، ألقت بظلالها على المشهد العام في البلاد، حتى تدوينات الصحافيين في هذا الخصوص انقسمت مضامينها بين استعمال عبارات “الرئيس السابق” أو “المخلوع”. واختلف آخرون بين طلب الرحمة له أو لشهداء الثورة والتعذيب في السجون أيام حكمه.

بن علي الذي أقام في السعودية مع بعض من أفراد عائلته، زوجته الثانية ليلى الطرابلسي وأبنائه الاثنين، منذ 14 كانون الثاني/ يناير 2011، توفي عن 83 سنة. ولربَّما السنوات الـ8 التي أمضاها في المنفى كانت ألطف بكثير مما عاشه نظراؤه المخلوعون في بلدان عربية أخرى، بالشعار ذاته ألا وهو “الشعب يريد إسقاط النظام”.

تقول ياسمين إحدى الصحافيات التونسيات، “من حسن حظه أنه لم يُحمل إلى السجن على نقالة كالرئيس المصري حسني مبارك، كما أنه لم يقتل ولم يتم العبث بجثته كجاره السابق معمّر القذافي، ولم تقصف سيارته كعلي عبد الله صالح في اليمن”.

ماتَ بن علي معززاً مكرّماً في جدة، تحت الظلال الدافئة لحاكمي السعودية وحماية أمنية مشددة من أي سوء أو خطر قد يطاوله هو وعائلته.

“ليتنا تمتعنا بربع النعيم والعزّ الذي رآه هو وزوجته وعائلة الطرابلسي”. هكذا علّقت إحدى السيدات الواقفات في صف أحد المحلات التجارية الكبرى، مضيفةً “عاشَ عزيزاً ومات عزيزاً ولو عنت له تونس شيئاً لطلب أن يدفن فيها على الأقل، نحن وأولادنا من دفع الفاتورة وما زلنا نعاني نتائج نظامه الفاسد”.

أما سائق الأجرة عندما استشعر بأنني صحفية من كمية المكالمات التي استقبلتها وأنا في سيارته سألني لأكثر من مرة “سيدتي بما أنك صحافية، بالله عليك، هل مات بن علي فعلاً؟ أم هي خدعة كل مرة من محاميه؟”.

“نعم لقد مات، لماذا تقول هذا؟”، سألته.

وفاة بن علي أو معلّم “التجمعيين” بعد يومين من إعلان النتائج الأولية للدور الأول من الانتخابات الرئاسية التونسية، ألقت بظلالها على المشهد العام في البلاد

“لأنني ببساطة أحزن عليه في كل مرة أسمع إشاعة وفاته وأنا اليوم أريد أن أحزن بحق!”. سألت هشاماً عما يحزنه تحديداً، فرد مستفيضاً:

“على ثمن الجعة التي كانت في عهده 870 مليماً، واليوم ثمنها مضاعف مرات، على محضر خطية (غرامة) الهندام الذي يحرّره عون الشرطة ضدنا إذا ما وجدنا لا نلبس حذاء، كان سائقو الأجرة يدفعون 10 دنانير فقط على أيام بن علي، اليوم الخطية المالية ذاتها أصبحت بـ100 دينار. تخيلي سيدتي لو أصاب قدمي مرض حتى لو بسيط يمنعني من ارتداء الحذاء سأضطر إلى التوقف عن العمل والبقاء في البيت حتى لا أدفع خطية. من بعده عشنا وما زلنا نعيش كابوساً مريراً وأكثر”.

الجنرال الكافي صاحب الفضل على العريف الشاب …زوجَّه ابنته وصعد به سلم “المجد العسكري”

وصلَ زين العابدين بن علي إلى رئاسة الجمهورية التونسية في السابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 1987 بانقلاب وصف بالناعم على الرئيس السابق الحبيب بورقيبة، بعدما تعكرت صحته وجزم أطباء القصر وقتها أنه تصعب عليه مزاولة مهماته، بعدما أصابه الزهايمر والشيخوخة. انقلاب دبّر بتأنّ، خطَّط له بن علي جيداً، مذ كان وزيراً للداخلية في 28 نيسان/ أبريل 1986. ثم تقلد منصب رئيس الوزراء شهراً واحداً قبيل تاريخ الانقلاب، أي تشرين الأول/ أكتوبر 1987، في خضم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي عاشتها البلاد وقتها. رئيس جمهورية عاجز، وحكومة مغضوب عليها من الشعب بسبب غلاء الأسعار وانتشار الفساد والمحسوبية.

ثاني رئيس لتونس بعد استقلالها في 20 آذار/ مارس 1956، تدرَّج شاباً بين المؤسستين العسكرية والأمنية. يكاد المتفحصون في تاريخ بن علي يجزمون أن الجنرال علي الكافي حماه الأسبق ووالد زوجته الأولى نعيمة الكافي هو أحد أهم الحلقات المهمة في سيرته الذاتية. الكافي لم يكن سبباً في انتشال بن علي من مستقبل مجهول بل كان أيضاً سبباً رئيسياً في صعوده إلى سلم الحكم واقترابه من دوائر صنع القرار. حظوة الجنرال الكافي في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة ساعدت بن علي كثيراً على الولوج إلى فرص ذهبية قد لا تأتي لشباب كثر في سنه.

الجنرال الكافي ذلك الذي زوّجه ابنته، ثم أخد بيده من مجرد جندي بسيط برتبة عريف إلى ضابط في الجيش التونسي. هذه المصاهرة مكنت بن علي من الالتحاق ببعثة عسكرية إلى كلية سان سير الأرقى في فرنسا، للحصول على تكوين عسكري عصري وحديث، بحسب مواصفات تلك الحقبة، ومنها تابع في المدرسة الفرنسية “شالون سور مارن” ودرس فيها الفنون المدفعية. وانهالت بعد فرنسا فرص التكوين والصعود في سلم الرتب العسكرية على بن علي. وأرسله حماه إلى دورة إلى المدرسة العسكرية العليا للاستخبارات والأمن في بلتيمور في الولايات المتحدة، ومدرسة المدفعية الميدانية (تكساس، الولايات المتحدة) ليستلم بعدها الأمن العسكري التونسي حيث تولى رئاسته 10 سنوات متتالية.

حكمَ تونس بقبضة أمنيَّة… أطلقَ معارضوه وضحايا التعذيب تسمية “سنوات الجمر “على فترة حكمه

لم يكن من السهل التمتع بالحق في حرية التعبير والصحافة في عهد بن علي ولا حتى حرية التنظيم والتحزب وفق أفكار تعددية من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال. منح بن علي رخصاً لأحزاب صورية، لم يتعدَّ نشاطها كل خمس سنوت التوقيع على رسائل المناشدات له للترشح في الانتخابات الرئاسية. أحزاب لم يكن لها وزن يذكر في الشارع التونسي ولا يكاد المواطنون حتى يفقهون أسماءها، كالـ”خضر” والديمقراطيين الاشتراكيين. إلا أنه على رغم صورة بلد الحريات شكلاً التي أراد بن علي تسويقها للغرب بأحزاب ورقية، فقد حارب نظامه بشدة المنضوين تحت تيار “الاتجاه الإسلامي”، “حزب النهضة” حالياً، وصولاً إلى “حزب العمال الشيوعي”. وحظر نشاطهما واعتقل منخرطين فيهما مرات عدة. هذان الجناحان السياسيان شهدا شعبية مهمة، في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي، الأمر الذي لم يرق لبن علي وجند له الإعلام لتأليب الرأي العام ضده.

وفق تقارير حقوقية متطابقة بلغ عدد انتهاكات حقوق الإنسان في عهد بن علي 388 عملية قتل و 38 إعداماً و448 اختطافاً قسرياً و4435 اغتصاباً و 18465 ضحية تعذيب. هذه الأرقام معظم ضحاياها مارسوا نشاطاً سياسياً او أشتبه في ذلك، أو كانوا من أفراد عائلة معارض.

أرقام بدت مفزعة بعد توثيقها من هيئة الحقيقة والكرامة بعيد الثورة وأكدتها منظمات المجتمع المدني العاملة في حقل مكافحة التعذيب وحماية حقوق الإنسان.

ولعل من أكثر المشاهد التي بقيت في بال التونسيين خلال 23 سنة من حكمه عبارة “بوليس على كل مواطن” فلقد آمن التونسيون لفترة بأن الجميع مخبرون وينقلون تقارير للأمن. في الجامعة والمعهد والحي والمقهى والمكتبات العمومية وعلى أبواب المساجد والبارات وحتى بين سائقي الأجرة، كانت انت تشاع فكرة أن جميعهم من الشرطة..

حكم بن علي أيضاً عبر السيطرة على وسائل الإعلام المتاحة محلياً وقتها، وجعل رجلاً له في كل جريدة وإذاعة، وكانت قناة “تونس7” الوطنية الأولى حالياً، وكأنها الناطق الرسمي باسم رئاسة الجمهورية وليست تلفزيوناً عاماً ناطقاً بهموم الشعب وأحواله.

عام 2008 قبل سنتين من سقوط نظام بن علي صنفت تونس عالمياً في المرتبة 143 في حرية الصحافة، من أصل 173 دولة، وشكل تقرير واقع الحريات الصحافية التي نشرته “النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين” بدعم من “الاتحاد الدولي للصحافيين”، صدمة للعالم في تدني منسوب حرية الرأي والتعبير والصحافة.

عربة الخضار “البوزيدية” التي هزت عرش بن علي وقذفت به عنوة في أحضان خادم الحرمين

ربما لو سئل بن علي عن طريقة خروجه من الحكم التي كان يتوقعها لما كان رده أبداً بأن نهاية مجده، ستكون على يد شاب بسيط من سيدي بوزيد. إنه محمد البوعزيزي ذاك الذي قلب حياة التونسيين رأساً على عقب ومن بعدهم حياة الليبيين والمصريين والسوريين، بعدما أضرم النار في جسده احتجاجاً على صفعه شرطية في سوق الخضار.

تنحى بن علي عن السلطة بعد ثلاثة خطابات شهيرة استجدى ودغدغ فيها عاطفة التونسيين، وصارح شعبه بأنه قد “غالطوه”. لكن هذا المشهد الأخير الذي لعبه بن علي، لم يمنع الموجات الاحتجاجية العارمة من التصاعد واجتياح البلاد، وهي انتفاضة جعلته يغادر البلاد خلسةً، من دون مكتوب استقالة او تنحي أو حتى تفويض لمن ينوبه.

ماتَ بن علي معززاً مكرّماً في جدة، تحت الظلال الدافئة لحاكمي السعودية وحماية أمنية مشددة من أي سوء أو خطر قد يطاوله هو وعائلته.

توجه أولاً إلى فرنسا التي رفضت استقباله خشية حدوث تظاهرات للتونسيين فيها، فلجأ إلى السعودية وذلك يوم الجمعة 14 كانون الثاني 2011.

في شباط/ فبراير 2011، طالبت الدولة التونسية المملكة العربية السعودية باستعادة بن علي لمحاكمته بتهم تعلقت بالقتل العمد، وتحريض التونسيين على قتل بعضهم بعضاً، وإحداث فتنة بين أبناء الوطن الواحد، إضافة إلى اتهامه بمؤامرة على أمن الدولة وإساءة استخدام السلطة واستخدام المخدرات وتهريبها، إلى جانب اختلاس أموال واستغلال أراض وتفريط في أملاك الدولة.

حتى 15 أيار/ مايو 2018، بلغ مجموع الأحكام الصادرة في حق بن علي 5 أحكام مؤبدة، إضافة إلى السجن 207 سنوات و6 أشهر و218 مليون دينار تونسي خطية مالية.

توفي بن علي في 19 أيلول/ سبتمبر ولم تأخذ العدالة مجراها ولم نسمع منه حتى بعضاً من الحقيقة في كل التهم المنسوبة إليه، وتابعنا أخباره في شكل صور على مواقع التواصل الاجتماعي.

مات بن علي ولم يحاسب فاسد واحد أو حتى جلاد واحد من الذين عذبوا الناس ونهبوا المال العام. مات بن علي وخلفه 6 رؤساء في ظروف وصف بعضها بالغريب.

تونس في ظل الرئيس الضعيف

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني