fbpx

الحرب التي لا تنتهي… إرث العراقيين الثقيل من اليورانيوم المنضب

"تعرضت مناطقنا لقصف أميركي، وبعد ستة أشهر أُصبتُ بهذا المرض، وعندما راجعت الأطباء، تبين أنَّ سبب إصابتي بالسرطان هو الإشعاع، من جرّاء القصف الأميركي. لقد تركت دراستي، ولا أموال لكي أتعالج، وأنا أناشد الحكومة لمساعدتنا والذهاب بي إلى خارج العراق لأتمكن من العلاج".

تنويه: التحقيق يحتوي على صور وفيديوهات حصرية لعراقيين متأثرين بإشعاعات اليورانيوم المنضب، وقمنا بتغشية الصور الصادمة 

 في قرية نائية وبعيدة، لا طرق معبدة توصل إليها، وبيوتها معظمها من الطين، يذهب أحمد داود (16 سنة) كل يوم للعب كرة القدم مع أصدقائه، في ساحة ترابية قرب بستان النخيل على أطراف قرية خليل الحسيناوي الفقيرة، لكن حدث أن توقف الصبية عن اللعب لأيام في نيسان/ أبريل عام 2003 بسبب القصف العنيف الذي تعرضت له مواقع الدبابات ومضادات الطائرات التي وضعها الجيش العراقي في البستان وحول القرية (جنوب محافظة ديالى) لإخفائها عن الطائرات الأميركية.

بعد توقف القصف، عاد أحمد وأصدقاؤه للعب كرة القدم، ومنظر الدبابات المعطوبة لم يكن بالنسبة إليهم مثيراً للقلق، ما دامت الطائرات لن تعود مجدداً إلى سماء القرية، غير أنّ ما لم يكن يعلمه اللاعبون الصغار هو أنَّ الموت كامن لهم في بستان النخيل، وفي الدبابات المحترقة التي قُصفت باليورانيوم المنضب، وفي الغبار الذي يستنشقونه وهم يركضون خلف الكرة.

مرت 6 أشهر على سقوط نظام صدام حسين، تغير خلالها الكثير في العراق، وفي قرية خليل الحسيناوي أيضاً، حيث يسكن أحمد مع عائلته، وبينما كان يلعب في تلك الساحة الترابية ذات يوم، سقط أحمد على الأرض، وهذا كان آخر عهده مع كرة القدم، التي لن يكون قادراً على ركلها وتمريرها لأصدقائه مجدداً.

بعد مراجعات كثيرة إلى مستشفيات وأطباء، تبين أنّ أحمد مصاب بسرطان الغدد اللمفاوية. وفي فيديو حصلنا عليه من أرشيف دائرة الصحة في محافظة ديالى يعود إلى عام 2011، يظهر أحمد وقد تساقط شعره، وبدت عليه متاعب المرض وهو يتحدث عن حالته الصحية، التي تزداد سوءاً يوماً بعد آخر، مؤكداً أنَّ الأطباء الذين راجعهم عزوا وبشكل مباشر سبب إصابته بالسرطان إلى إشعاعات تعرض لها.

“تعرضت مناطقنا لقصف أمريكي، وبعد ستة أشهر أُصبتُ بهذا المرض، وعندما راجعت الأطباء، تبين أنَّ سبب إصابتي بالسرطان هو الإشعاع، بسبب القصف الأمريكي، لقد تركت دراستي، وليس لدينا الأموال لكي أتعالج، وأنا أناشد الحكومة لمساعدتنا والذهاب بي إلى خارج العراق لأتمكن من العلاج”

بهذه الكلمات القليلة والمتعبة، وثَّق أحمد شهادته ومرضه، وقالت والدته: “إنَّه كان بكامل صحته قبل القصف الأميركي، ثم بدأت تظهر عليه أعراض التعب، وبدأت قدماه تُصابان بخدر بين حين وآخر، وظهرت أورام تحت إبطه وفي خاصرته وصدره، ولم تُشخَّص إصابته بالسرطان مبكراً لذلك لم يعد باستطاعتنا فعل أيّ شيء”.

أحمد داود يتحدث عن إصابته بالسرطان، حصلنا على الفيديو من مصدر خاص في دائرة صحة محافظة ديالى

مات أحمد بعد 8 سنوات من تشخيص إصابته بالسرطان، وظلَّ هذا الفيديو شهادة حزينة توثق نداءً ملحّاً للنجاة، لكنَّ أحداً لم يسمع، والحكومة التي ناشدها لتقديم المساعدة له، لم تمد له يدَ العون، وحجبت شريط الفيديو الوحيد له طيلة هذه السنوات، قبل أن نعثر عليه وتكون قصته بداية تحقيقنا الذي نتقصى فيه الآثار المدمرة التي نتجت عن استخدام سلاح اليورانيوم المنضب في حرب الخليج 1991 أو “عاصفة الصحراء”، ثم حرب 2003 التي انتهت بسقوط نظام صدام حسين، ودخول قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة إلى العراق.

“تعرضت مناطقنا لقصف أميركي، وبعد ستة أشهر أُصبتُ بهذا المرض، وعندما راجعت الأطباء، تبين أنَّ سبب إصابتي بالسرطان هو الإشعاع، من جرّاء القصف الأميركي. لقد تركت دراستي، ولا أموال لكي أتعالج، وأنا أناشد الحكومة لمساعدتنا والذهاب بي إلى خارج العراق لأتمكن من العلاج”.

نعمان داود شقيق أحمد يحمّل الجيش الأميركي مسؤولية موت شقيقه، ويقول: “لقد تلوثت منطقتنا بالإشعاع بسبب القصف الأميركي، والأطفال الذين خرجوا للعب كلهم أصيبوا، لم يكن أحمد وحده، أصدقاؤه أيضاً أصيبوا بالسرطان، وكثر من أبناء القرية”. ويتابع نعمان أنّهم حين كانوا يدورون بأحمد بين مستشفيات في ديالى وبغداد، كان يسألهم الأطباء إن كانوا يسكنون قرب معسكرات للجيش أو مواقع عسكرية، لأنّ الفحوصات تشير إلى تعرّضه لمستويات عالية من التلوث الإشعاعي.

فيديو آخر حصلنا عليه من مصادر خاصة في دائرة صحة ديالى، يعود إلى قرية خليل الحسيناوي أيضاً، يُظهر مجموعة مكونة من خمس نساء مصابات بالسرطان، يتحدثن عن ظروف الإصابة. تقول سناء حمد إنَّها بعد أسبوعين من قصف الطائرات الأميركية خرجت مع نساء أخريات إلى الحقل، وبعدها بدأت أعراض غريبة تظهر عليهن، وعندما أجرين الفحوصات الطبية تبين أنهن مصابات بالسرطان.

نساء من قرية خليل الحسيناوي يتحدثن عن إصابتهن بالسرطان، حصلنا على الفيديو من مصدر خاص في دائرة صحة ديالى

تتبعنا كل من ظهروا في الفيديوات التي حصلنا عليها، وذهبنا إلى قرية خليل الحسيناوي، لتقصي حالة المصابين بالسرطان هناك، ومعرفة مصائرهم، لكننا لم نجد غير عائلة أحمد التي حدثتنا عن ظروف إصابته وموته. أما النساء الأخريات فأخبرنا الأهالي هناك أنَّهن نزحن مع عائلاتهن بعد نشوب الحرب الأهلية عام 2006، ولم يعد أحد منهم إلى القرية منذ ذلك الحين، غير أنَّهم أكدوا أن الإصابة بالسرطان باتت متفشية في القرية وكثيرون ماتوا بسبب هذا المرض.

أعداد المصابين بالسرطان من 1991 إلى 2018 بالاعتماد على الإحصائيات غير المنشورة التي حصلنا عليها من وزارة الصحة

حرب السرطان الشرسة

منذ حرب عاصفة الصحراء 1991، صار لافتاً ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية في العراق، وتعزو منظمات دولية كثيرة، ودراسات أُجريت على آلاف العراقيين خلال الـ28 سنةً الماضية، هذا الارتفاع إلى استخدام اليورانيوم المنضب في حربي 1991 و2003 وزيادة نسب التلوث الإشعاعي في المناطق الحضرية المكتظة بالسكان.

طلبات كثيرة قدمناها لوزارة الصحة من أجل الحصول على تقاريرها الإحصائية السنوية بغرض دراستها ومقارنة أرقام ونسب الإصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية في المدن العراقية. وفي كل مرة ترفض الوزارة طلبنا لأسباب لم توضحها، لكننا في النهاية وبمساعدة موظفين يعملون في دائرة التخطيط وتنمية الموارد في مركز الوزارة طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، استطعنا الحصول على التقارير الإحصائية السنوية غير المنشورة، للفترة بين عامي 1991 و2018.

منذ عام 1991 وحتى عام 2003 بلغ عدد المصابين بالسرطان في العراق 131072 مصاباً، فيما ارتفع هذا العدد كثيراً بعد حرب 2003 التي أطاحت بنظام صدام حسين، ومنذ عام 2004 حتى عام 2018 بلغ عدد المصابين بالسرطان 287254 مصاباً، بحسب تقارير وزارة الصحة، لكن هنالك من يعتبر أنَّ هذا الرقم أقل كثيراً من العدد الفعلي لمرضى السرطان.

عباس قاسم، 22 عامًا، مصاب بالسرطان جرّاء التلوث الإشعاعي على الحدود العراقية الكويتية، البصرة،2002

في شهادته عن تأثير سلاح اليورانيوم المنضب، يقول أستاذ الفيزياء النووية والعميد السابق لكلية العلوم في جامعة بغداد الدكتور محمد الشيخلي إنَّ العدد الفعلي للمصابين بالسرطان في العراق يقترب من المليون شخص، ويضيف أنّه سلَّم وزارة الصحة والبيئة وكذلك الأمم المتحدة تقريراً مفصلاً عن التأثيرات الكارثية للتلوث الإشعاعي، حيث ترأس فريقاً بحثياً بعد أسبوعين من دخول قوات التحالف بقيادة الجيش الأميركي إلى العراق في التاسع من نيسان/ أبريل عام 2003. وكانت مهمة الفريق قياس مستوى التلوث الإشعاعي في المناطق التي قُصفت باليورانيوم المنضب، وكذلك المنشآت العسكرية والنووية التي تعرضت للدمار والسرقة.

يقول الشيخلي الذي يُقيم الآن في بيروت إنّه وفريق مـن مركز بحوث طب اليورانيوم تقصَّوا المواقع التي قُصفت باليورانيوم المنضب ابتداءً من شمال العاصمة بغداد، وحتى مدينة أم قصر في أقصى الجنوب العراقي، حيث المنطقة الحدودية مع الكويت، وأجروا خصوصاً مسحاً للمناطق شديدة التحصين والمنشآت العسكرية التي استهدفت بكميات كبيرة من ذخيرة اليورانيوم، باعتباره سلاحاً مخصصاً لاختراق الدروع.

“شاهدنا ونحن نعبر العراق بقايا آلاف المدرعات والعربات المصفحة المحروقة والمدمرة، من دبابات وناقلات جند وشاحنات عسكرية وقاطرات مدفعية ثقيلة وغيرها، انتشرت على امتداد ساحات العمليات العسكرية من بغداد وحتى أقصى الجنوب في أم قصر والفاو. هذه الدروع تلقت ضربات مدمرة من طائرات ودبابات أميركية بذخائر معظمها مصنوع من مادة اليورانيوم المنضب، وانتشرت هذه الدروع في الحقول والبساتين وتحت النخيل وبين البيوت السكنية”.

ويضيف الشيخلي أنَّ الاستطلاعات الميدانية والقياسات التي أجراها الفريق العلمي في العراق، أظهرت ارتفاع مستوى التلوث الإشعاعي في مناطق شاسعـة من بغداد ومناطق جنـوب العراق، حيث يزيد في هواء بعض المناطق بعشرة أضعاف عن المستوى الطبيعي. أما مستوى الإشعاع في مناطق اختراق إطلاقات اليورانيوم للمدرعات العراقية، فيزيد على 30 ألف مرة عن الحد الطبيعي، وقد لوحظ أنَّ الشظايا التي تخلفها بعض الإطلاقات المنفجرة تنتشر على رقعة واسعة، ولا سيما في مناطق الحقول، ما يهدد تلوث المياه السطحية والدورات الزراعية والغذائية، إضافة إلى المياه الجوفية مع تقادم الوقت.

في عدد كانون الثاني/ يناير لعام 1998 نشرت مجلة “ألف باء” الورقية إحصاءات وزارة الصحة العراقية لنسب الإصابة بمرض اللوكيميا في العراق، وأظهرت حينها ارتفاعاً قالت الوزارة إنّه كبير في ظل تدني الخدمات الصحية جرّاء الحظر المفروض على العراق بموجب قرار الأمم المتحدة رقم 661 الذي صدر في 6 آب/ أغسطس عام 1990، نتيجة الغزو العراقي للكويت.

الإحصاءات التي شملت 6 محافظات في جنوب العراق بين عامي 1989 و1995 تظهر أنَّ نسبة الإصابة باللوكيميا ارتفعت من 3.8 في المئة إلى 10.6 في المئة في محافظة المثنى، ومن 5.4 في المئة إلى 10.3 في المئة في محافظة البصرة، ومن 4.6 في المئة إلى 8.2 في المئة في محافظة ذي قار، ومن 4.5 في المئة إلى 7.5 في المئة في محافظة ميسان، ومن 4.8 في المئة إلى 6.2 في المئة في محافظة القادسية (محافظة الديوانية الآن) ومن 5.3 في المئة إلى 8 في المئة في محافظة واسط.

عام 1998 أيضاً، أصدرت الأمم المتحدة وثيقةً كشفت فيها أن معدلات الإصابة بالسرطان زادت بستة أضعاف بعد حرب الخليج عام 1991، وجاء في الوثيقة أنَّ الزيادة بنسب الإصابة بالسرطان في عموم العراق بلغت 55 في المئة بين عامي 1989 و1994، وأنَّ أنواعاً جديدة من السرطان بدأت تتفشى في البلاد، والسرطان بدأ يظهر في صغار السن.

كابوس النظائر المشعة

بيانات الوكالة السويدية لأبحاث الدفاع تشير في تقريرها المقدم لوزارة الدفاع السويدية أنَّ الولايات المتحدة الأميركية أسقطت نحو 78214 مقذوفة من اليورانيوم المنضب على العراق في حرب عاصفة الصحراء عام 1991، وارتفع استخدام الجيش الأميركي لليورانيوم المنضب في حرب 2003 ليصل وفق الوكالة السويدية إلى 300000 مقذوفة، مؤكدةً تجاهل الولايات المتحدة التحذيرات من استخدام هذا السلاح في المناطق الحضرية المكتظة بالسكان.

سلاح اليورانيوم المنضب المستخدم بكميات هائلة من قبل الجيش الأميركي كلَّف العراق خسائر فادحة، وقضى على معظم قدرته العسكرية وآلياته، ففي حرب 1991 أعلنت القيادة المركزية الأميركية أنَّ الجيش العراقي خسر 3700 من أصل 4280 دبابة يمتلكها، و2400 من أصل 2880 ناقلة جنود مدرعة و2600 من أصل 3100 قطعة مدفعية.

المعدات العسكرية العراقية المدمرة تحوَّلت إلى خردة معدنية ملوثة بالإشعاع، وجُمعت في مقابر كبيرة للحديد قرب الحدود العراقية – الكويتية، وكذلك في مناطق عدة من محافظة البصرة، كما في قرية “أبو فلوس” التي تقع بالقرب منها أكبر مقبرة للخردة العسكرية الملوثة، إضافة إلى 2000 عربة مدرعة ومدنية قُصِفت على الطريق الدولي رقم 80 خلال انسحاب الجيش العراقي من الكويت عام 1991، والذي صار يُعرف في ما بعد بـ”طريق الموت”.

في حرب 2003 لا توجد إحصاءات لعدد الآليات والمواقع العسكرية التي قُصفت باليورانيوم المنضب، لكن ما هو مؤكد أنَّ الغالبية العظمى منها تم تدميره بالفعل، وما زاد الأمر سوءاً هو أنّ تلك العربات -الدبابات والدروع- ومنصات الدفاعات الجوية تم نشرها في المدن وأطرافها وفي البساتين والقرى النائية، ما جعلها عرضة للسرقة والتداول، بعد سقوط نظام صدام حسين.

بعد دخول القوات الأميركية إلى العاصمة العراقية بغداد، وتحديداً في حزيران/ يونيو عام 2003 قصد العراق فريق من منظمة السلام الأخضر العالمية (غرينبيس) لتقييم التلوث الإشعاعي في موقع التويثة النووي الذي يعد أكبر منشأة نووية في البلاد، واتهم الفريقُ حينها الجيش الأميركي بانتهاك القانون الدولي لرفضه السماح بإجراء مسح ميداني لمعرفة كمية التلوث الإشعاعي هناك.

تتألف منشأة التويثة للأبحاث النووية (17 كلم جنوب بغداد)، التي بُنيت في ستينات القرن الماضي، من مجمّع يضم أكثر من 100 بناء ويمتد على مساحة 56 كيلومتراً مربعاً. وكانت هذه المنشأة تشكل مركز البرنامج العراقي للأسلحة النووية. وقد شملت النشاطات الأولى في هذا الموقع مفاعلات أبحاث عدة ونشاطات مرتبطة بعزل البلوتونيوم ومعالجة النفايات وتعدين اليورانيوم وتطوير بادئ النيوترون، فضلاً عن نشاطات أخرى تمحورت حول عدد من تقنيات تخصيب اليورانيوم.

تضم المنشأة أيضاً “مفاعل تموز1” الذي قصفته إسرائيل عام 1981 في غارة جوية شاركت بها 8 طائرات من طراز “أف 16” أميركية الصنع، في عملية أطلقت عليها إسرائيل اسم “عملية أوبرا”، وقد أدانها مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 487 بقوة باعتبارها أول هجوم عسكري على منشأة نووية في العالم.

في أعقاب حرب عام 1991، عملت الوكالة الدولية للطاقة الذرية على إزالة كامل المخزون العراقي المعروف من المواد النووية الملائمة للاستعمال في الأسلحة، وذلك بحسب ما نصَّ عليه القرار رقم 687 الصادر عن مجلس الأمن. أما المواد المشعة الأخرى، وضمنها اليورانيوم، فتم تخزينها في براميل محكمة الإقفال في موقع التويثة، وكان يتم فحصها سنوياً من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية بموجب معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. وتشير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أنَّ 500 طن من “الكعكة الصفراء” و1800 كلغ من اليورانيوم متدني التخصيب كانت لا تزال، في كانون الأول/ ديسمبر عام 2002، موجودة في موقع التويثة، فضلاً عن مئات المصادر الصناعية ذات النشاط الإشعاعي العالي التي ظلَّت متوافرة في البلاد.

منشأة التويثة النووية بعد تعرضها للقصف والسرقة، حصلنا على الفيديو من مصدر خاص في وزارة العلوم والتكنلوجيا

يقول فريق “غرينبيس” في رسالة بعث بها حينها إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي، ومدير “منظمة الصحة العالمية” غرو هارلم برونتلاند، في العاشر من تموز/ يوليو عام 2003، إن “سكان المناطق القريبة من موقع التويثة استولوا على براميل تشتمل على مواد نووية تُعرف باسم “الكعكة الصفراء”، وعلى حاويات أخرى كانوا يحتاجون إليها من أجل تخزين الطعام والمياه والحليب واللبن. ولم يكن السكان يعلمون أنَّ البراميل مشعة وسامة، وأنهم يعرّضون أنفسهم لمخاطر كبيرة. ويشير بعض الشهود إلى أنَّهم رأوا أفراداً يحملون الحاويات ويفرغون محتوياتها المشعة المتدنية النشاط في التربة أو في الشبكة المحلية لإمدادات المياه”.

“الخرطوشة الفارغة (بعد الاستعمال) لطلقة يورانيوم منضب بطول سيجارة، تبقى مشعة وينبعث منها إشعاع في اليوم الواحد يعادل أو يفوق المسموح به في سنة كاملة”.

توثق الرسالة شهادة لطبيب محلي اسمه جعفر ناصر، يدير عيادة في المناطق المجاورة لموقع التويثة يقول فيها إنّه عالج على مدى خمسة أيام بعد استيلاء السكان على معدات الموقع نحو 20 مريضاً أصيبوا كلُّهم بالتسمم بمواد إشعاعية، وظهرت عليهم أعراض تشبه ما حصل للمصابين بمتلازمة الإشعاع الحادة (Acute Radiation Syndrome) وتتمثل بالنزيف والتقيؤ وضيق التنفس والغثيان والطفح الجلدي.

استغرق خبراء المواد الإشعاعية في فريق “غرينبيس” أسبوعاً كاملاً لإجراء مسح مطول للمنطقة الملوثة، حيث رصد الخبراء نشاطاً إشعاعياً في عدد من المنازل، يفوق المستوى الطبيعي للإشعاع بعشرة آلاف مرة، وفي مصدر آخر خارج مدرسة الماجدات الابتدائية التي تضم 900 تلميذ كان مستوى الإشعاع أكثر بثلاثة آلاف مرة من المستوى الطبيعي.

أطفال عراقيون يلعبون على مدافع الدبابات المدمرة، في إحدى مقابر الدبابات على مشارف بغداد، 2003

الدكتور كاظم المقدادي الطبيب والباحث المتخصص بالصحة والبيئة والتلوث الأشعاعي والأضرار البيولوجية لاستخدام أسلحة اليورانيوم، وهو يُقيم الآن في السويد، تحدث عن التأثير البيولوجي لليورانيوم المنضب قائلا: “إنَّه نفايات نووية، وناتج ثانوي لعملية تخصيب اليورانيوم الطبيعي للحصول على النظير U-235 عالي الإشعاع القابل للانشطار ذاتياً والمطلوب في إنتاج الأسلحة الذرية وكوقود للمفاعلات النووية، وكذلك فإنَّ أسلحة اليورانيوم المنضب تحتوي على النظائر المشعة U-234 و U-238 وكذلك النظير U-236 شديد الإشعاع، إضافة إلى البلوتونوم والأمريشيوم والنبتونيوم”.

بالنسبة إلى حدود التعرض الإشعاعي لليورانيوم واليورانيوم المنضب يقول المقدادي إنَّ معايير السلامة النووية العالمية لعام 1996 تنص على أنَّ الجرعة الإشعاعية التي يتعرض لها الفرد يجب ألا تزيد عن 1 ميليسيفيرت/ سنة، وفي حالات معينة يمكن أن يُسمح بأن تصل الجرعة الفعالة إلى 5 ميليسيفيرت في سنة واحدة، شرط ألا يزيد متوسط الجرعة عن 1 ميليسيفيرت/ سنة لخمس سنوات متعاقبة.
الخرطوشة الفارغة (بعد الاستعمال) لطلقة يورانيوم منضب بطول سيجارة، تبقى مشعة وينبعث منها إشعاع في اليوم الواحد يعادل أو يفوق ما مسموح به خلال سنة كاملة”

وعن مستويات الإشعاع التي تخلفها قذائف اليورانيوم، يؤكد المقدادي أنّ الملليغرام الواحد من النظير U-238 يطلق في اليوم الواحد أكثر من مليون جسيم من أشعة ألفا إضافة إلى أشعة بيتا وغاما، وأنَّ الخرطوشة الفارغة (بعد الاستعمال) لطلقة يورانيوم منضب بطول سيجارة، تبقى مشعة وينبعث منها إشعاع في اليوم الواحد يعادل أو يفوق المسموح به في سنة كاملة.

سألنا المقدادي عن التأثير البيولوجي لهذه الأشعة في جسم الإنسان وكان جوابه: “إن جزيئات ألفا المنبعثة من اليورانيوم المنضب تستطيع التأثير في تركيب الحمض النووي منقوص الأوكسجين (DNA)، ويمكن أن تؤدي التغييرات التي تسببها إلى السرطان خلال شهور، إضافة إلى أن جزيئاً واحداً من هذه الأشعة حين يستقر في عقدة لمفاوية فإنه كفيل بتدمير جهاز المناعة بالكامل، ما يسبب أنواعاً خطيرة من السرطان وتشوهات الأجنة”.

التشوهات الجينية

تظهر إحصائيات وشهادات حصلنا عليها تبايناً كبيراً بين الأرقام الواردة في تقارير وزارة الصحة السنوية وأرقام المستشفيات في ما يتعلق بأعداد ونسب التشوهات الخلقية. فعلى سبيل المثال تذكر وزارة الصحة في تقريرها لعام 2017 أنَّها سجلت 85 حالة تشوه خلقية بين الولادات في عموم محافظة الأنبار (التي تضم 9 مدن)، بينما قال مدير إعلام مستشفى الفلوجة السابق ناظم الحديدي إن المستشفى سجل في العام نفسه 275 حالة تشوه خلقية، وهذا العدد في مدينة الفلوجة وحدها، وكذلك في تقريريها لعام 2015 و2016 لم تورد الوزارة أيَّ أرقام أو نسب عن التشوهات الخلقية في محافظة الأنبار.

ولادات عراقية مصابة بتشوهات خلقية، الصور حصلنا عليها من مصدر خاص في وزارة الصحة وقد تم تمويه الصور لتخفيف قساوتها

عام 2004 بلغت نسبة التشوهات الخلقية 8.9 في المئة من مجموع الولادات في العراق، واحتلت العاصمة بغداد المرتبة الأولى بنسبة 26.5 في المئة من مجموع الولادات المشوهة، تلتها محافظة نينوى بنسبة 23 في المئة ثم البصرة بـ11.7 في المئة ثم بابل بـ6 في المئة، فيما تراوحت نسبة التشوهات في بقية المحافظات الثلاث عشرة بين 1.1 في المئة و5.3 في المئة، ما عدا محافظة الأنبار التي لم تتوافر فيها أي إحصاءات حتى عام 2008 بسبب الوضع الأمني الذي كان حينها خارج سيطرة الدولة وقوات التحالف الدولي.

بحسب أرقام وزارة الصحة فإن نسبة التشوهات الخلقية انخفضت بشكل طفيف عام 2005 لتسجل 7.9 في المئة ثم استمر هذا الانخفاض في عام 2006 مسجلا 7.6 في المئة ثم 6.9 في المئة في عام 2007 واستمر الانخفاض في عام 2008 ليصل إلى 6.2 في المئة، وتحتل التشوهات الخلقية المرتبة الثالثة في الأسباب العشرة المؤدية إلى موت الولادات في العراق.

في الأعوام التالية، سجلت التشوهات الخلقية في الولادات ارتفاعاً دراماتيكياً حيث بلغت 7.4 في المئة عام 2009 ثم ازدادت إلى 11.8 في المئة عام 2010 مواصلة ارتفاعها عام 2011 بنسبة 13 في المئة. أما عام 2012 فسجلت 14.2 في المئة وبلغت النسبة أقصاها عام 2013 لتسجل التشوهات الخلقية 15.6 في المئة من مجموع الولادات في العراق. أما في الفترة الممتدة بين 2014 – 2018 فلا يمكن الاعتماد على الإحصاءات الرسمية لوزارة الصحة بسبب سيطرة تنظيم داعش الكاملة على ثلاث محافظات عراقية هي الأنبار ونينوى وصلاح الدين وسيطرته على أجزاء كبيرة من محافظتي ديالى وكركوك.

توجهنا إلى مدينة الفلوجة ثاني أكبر مدن محافظة الأنبار، وأكثر المدن العراقية شهرةً بعد عام 2003، وتأتي شهرتها من معركتين كبيرتين خاضهما الجيش الأميركي للسيطرة على المدينة عام 2004، وإذ فشل في المعركة الأولى، لكنّه تمكن في الثانية من دخول المدينة بعد حرب تسببت بدمار 70 في المئة من البنى التحتية للمدينة، واتهامات باستخدام أسلحة محرمة دولياً كاليورانيوم المنضب، والفسفور الأبيض، والقنابل العنقودية.

في مستشفى الفلوجة التعليمي، افتتح قسم خاص بالتشوهات الخلقية، مُنعنا من دخوله، إلا بإذن خطي من وزير الصحة علاء الدين العلوان، وامتنع كثر من الأطباء عن إعطائنا شهاداتهم لأنَّهم غير مخولين بالتصريح. ففي محافظة الأنبار على وجه الخصوص تتحفظ وزارة الصحة ودوائرها على المعلومات الخاصة بمعدلات التشوهات الخلقية والإصابة بالسرطان، أو الحديث عن مستويات التلوث الإشعاعي، لكننا وبمساعدة أطباء اشترطوا عدم الكشف عن هوياتهم استطعنا الحصول على 350 صورة لأطفال وأجنة مصابين بتشوهات خلقية حادة. ووافقت عضو “لجنة التشوهات الخلقية في مستشفى النسائية والأطفال بالفلوجة”، الدكتورة سميرة العاني على إعطائنا شهادتها عن معدلات التشوه الخلقي الموثقة في سجلات المستشفى.

ولادات عراقية مصابة بتشوهات خلقية، الصور حصلنا عليها من مصدر خاص في وزارة الصحة وتم تمويه الصور لتخفيف قساوتها

تؤكد العاني أنَّ التشوهات في ولادات مدينة الفلوجة تفوق بـ14 ضعفاً، التشوهات الخلقية في مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين، وتقول العاني إنَّها وثقت بنفسها خلال عامين فقط 699 حالة تشوه خلقي، وعند سؤالها عن مدى ارتباط زيادة معدلات التشوه بالتلوث الإشعاعي، أكدت العاني أنَّهم بحثوا عن المعادن السامة في العينات المأخوذة من الولادات المصابة بتشوه خلقي وكذلك العينات المأخوذة من عائلاتهم (الأب أو الأم أو كلاهما) فوجدوا نسباً عالية من اليورانيوم والزئبق والرصاص ومعادن أخرى.

العاني تحدثت عن قلة الدراسات والإحصاءات الخاصة بزيادة معدلات التشوهات في مواليد مدينة الفلوجة، وذكرت أنَّ آخر إحصاء أُجري كانت عام 2011 وثق زيادة كبيرة في التشوهات الخلقية، بلغت 147 حالة من بين كل 1000 مولود جديد.

“التشوهات في ولادات مدينة الفلوجة تفوق بـ 14 ضعف التشوهات الخلقية في مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين”

المدير السابق لإعلام مستشفى الفلوجة ناظم الحديدي تحدث عن نسب وإحصائيات التشوهات الخلقية في الفلوجة، مشيراً إلى أن مدير دائرة صحة الأنبار خضير خلف شلال وبالتعاون مع مدير مستشفى النسائية والأطفال في الفلوجة علاوي العيساوي ألغيا دور لجنة التشوهات الخلقية التي كانت مسؤولة عن توثيق التشوهات وأرشفتها في سجلات خاصة، وكذلك منعوا الأطباء وإعلام المستشفى من الإدلاء بأي تصريحات حول هذا الأمر، وذكر لنا أنَّ دائرة صحة الأنبار فتحت معه مجلساً تحقيقياً لأنَّه أدلى بتصريحات لصحيفة “الإندبندنت” البريطانية عام 2013.

الحديدي الذي نُقِل من مستشفى الفلوجة إلى مستشفى مدينة الكرمة (30 كيلومتراً شمال شرقي الفلوجة) يشكك في إحصاءات وزارة الصحة، ويقول: “إحصاءات وزارة الصحة لا تمثل الحقيقة، إنَّها لا تمثل 50 في المئة من الحقيقة، إنَّهم يتسترون على الأرقام الحقيقية لأنها كارثية”، ويضيف: “مجتمع الفلوجة يشهد عزوفاً كبيراً عن الإنجاب وحتى عن الزواج بعد تزايد التشوهات الخلقية التي تحدث في المدينة”.

الصور التي حصلنا عليها من أرشيف مستشفى الفلوجة هي للفترة من عام 2008 وحتى عام 2019 (باستثناء الأعوام 2014، و2015، و2016 التي لا تتوافر بشأنها أي معلومات أو صور بسبب سيطرة تنظيم “داعش” على المدينة). وتُظهر الصور التي بحوزتنا مواليد وأجنة بعيوب خلقية اشتملت على تشوهات الشفة الأرنبية، والعين الواحدة في منتصف الوجه، وتضخم الأطراف، وكذلك بروز الدماغ خارج الجمجمة، والوجه بلا عينين أو أنف، وهيكل عظمي مشوّه، وغيرها من العيوب.

التشوهات الخلقية في مدينة الفلوجة، الفيديو حصلنا عليه من مصدر خاص في مستشفى الفلوجة

واحدة من الدراسات القليلة التي أجريت على مجتمع مدينة الفلوجة كانت بعنوان “السرطان ووفيات الأجنة والنسبة بين الجنسين في الفلوجة” أجراها عام 2010 فريق من الباحثين في مؤسسة Green Audit البريطانية، بإشراف البروفسور كریس باسبي/ Kris Busby من جامعة أولستر، والذي كان يشغل حينها منصب السكرتیر العلمي للجنة الأوروبية لمخاطر الإشعاع.

الدراسة شملت 711 عائلة في الفلوجة بعدد أشخاص بلغ 4843 وتم اختيار العائلات بشكل عشوائي من أجل الحصول على نتائج أكثر دقة. وبحسب كريس باسبي، فإنَّ النتائج كانت صادمة، إذ إنَّ طيف الأمراض السرطانية ونسب الوفيات بين الأطفال الرضع والنسبة بين الجنسين جاءت مشابهة للنسب في مدينة هيروشيما بعد سقوط القنبلة الذرية. ووثقت الدراسة زيادة بمقدار 40 ضعفاً في سرطان الدم (اللوكيميا) بخاصة في صفوف الصغار، ومن هم دون الـ35 سنة، وزيادة بمعدل عشرة أضعاف في سرطان الثدي بين النساء، وزيادة كبيرة في سرطان الغدد اللمفاوية الذي يصيب العقد اللمفاوية بسبب استنشاق مواد إشعاعية، أو بسبب مواد أخرى تؤثر في التركيبة الجينية، وبحسب النتائج فقد زادت الأمراض السرطانية بحوالي 4.5 مرة عن المعدل الطبيعي.

وفيات الأطفال الرضع شهدت أيضاً زيادة كبيرة في الفلوجة خلال الفترة التي غطتها الدراسة، إذ بلغ معدل الوفيات 80 حالة من بين كل 1000 ولادة، وقارنت الدراسة هذا المعدل بمعدل الوفيات في كل من الكويت ومصر للفترة نفسها، إذ بلغ في الكويت 9 وفيات لكل 1000 ولادة، بينما في مصر سُجلت 19 حالة وفاة لكل 1000 ولادة.

مولود عراقي من مدينة الفلوجة مصاب بتشوهات خلقية، الصورة حصلنا عليها من مصدر خاص في مستشفى الفلوجة

آلاف المواقع الملوثة بالإشعاع

على رغم أن برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) يؤكد وجود آلاف المواقع الملوثة بالإشعاع المؤين في العراق، إلا أنّ وزارة البيئة ووزارة العلوم والتكنولوجيا السابقتين اعترفتا بوجود ما بين 300-365 من المواقع الملوثة بالإشعاع، ففي بغداد مثلاً أقرت وزارة العلوم والتكنولوجيا بوجود 40 موقعاً ملوثاً أخطرها موقعا التويثة وعويريج. وقالت إن البصرة تحتوي على 23 موقعاً ملوثاً بالإشعاع، و20 موقعاً في الناصرية و20 موقعاً في بابل، و16 موقعاً في ديالى، و14 موقعاً في ميسان، و3 مواقع في المثنى، إضافة إلى موقعين اثنين في نينوى، هما عداية والجزيرة، وقد تعرضا لعمليات سلب ونهب ونبش للنفايات النووية المشعة المطمورة هناك.

ومن أجل الحصول على معلومات أكثر دقة بشأن إحداثيات المواقع التي لم ترد في بيانات وزارة العلوم والتكنولوجيا، كالمواقع الملوثة في محافظة الأنبار والنجف وكربلاء والعمارة، توجهنا إلى مقر الوزارة في بغداد، وطلبنا لقاء الوزير لكنه رفض، وامتنع أي مسؤول في الوزارة عن إعطائنا أي تصريح بهذا الشأن. لكننا استطعنا الحصول على كتاب سري موجه من وزارة العلوم والتكنولوجيا وتحديداً مديرية معاملة وإدارة النفايات المشعة، إلى معمل الحديد والصلب في البصرة. وينص الكتاب على نقل “نفايات معالجة” من موقع المعمل في البصرة إلى موقع الخزن المقترح عبر الطريق الدولي في محافظة الأنبار، والكتاب موقع بتاريخ 12/5/2019 من قبل ماجد شنون خلف المشرف على الأنشطة النووية.

وأوضح عضو مجلس النواب العراقي عن محافظة الأنبار يحيى غازي، الذي شغل سابقاً منصب مدير مكتب وزير العلوم والتكنولوجيا، أنَّ تلك النفايات هي خردة عسكرية وقطع غيار ملوثة بالإشعاعات المؤينة من جراء حربي 1991 و2003.

كتاب سري موجه من وزارة العلوم والتكنلوجيا إلى معمل الحديد والصلب في البصرة لنقل نفايات معالجة إلى محافظة الأنبار

في مدينة الرمادي (108 كيلومتر غرب بغداد) حيث مقر الحكومة المحلية لمحافظة الأنبار، قابلنا رئيس مجلس محافظة الأنبار أحمد حميد شرقي، لنعرف منه الموقع المقترح لنقل النفايات المشعة، وكيف تعاملوا مع كتاب وزارة العلوم والتكنولوجيا السري، فأخبرنا أنَّ الموقع المقترح كان في المنطقة الواقعة بين مدينة الفلوجة وبحيرة الثرثار، وأخرج لنا كتابًا صدر بعد شهر على كتاب وزارة العلوم والتكنولوجيا، وقال إنَّ السلطة المحلية في الأنبار وجهت هذا الكتاب إلى التشكيلات الأمنية بكافة أجهزتها في محافظة الأنبار لمنع دخول تلك النفايات السامة إلى حدود المحافظة، وأكد لنا أنَّ إجراءات النقل توقفت.

اتصلنا بالسفارة الأمريكية في بغداد للحصول على معلومات عن كميات اليورانيوم المستخدم في حربي 1991 و2003 وإحداثيات القصف، والخرائط الأمريكية للمواقع الملوثة بالإشعاعات المؤينة، وعلاقة ذلك بارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية، لكننا لم نحصل على رد؛ غير أنَّ جزءً من إحداثيات الـ  GPS للمواقع المستهدفة باليورانيوم المنضب عام 2003 أعطته وزارة الدفاع الأمريكية للجيش الهولندي الذي تمركز في محافظة المثنى جنوبي العراق ضمن قوات التحالف الدولي، وكانت تلك الإحداثيات تخص المواقع الملوثة بالإشعاع في تلك المحافظة حصرًا، وقد سلَّم الجيش الهولندي تلك الإحداثيات لمنظمة السلام الهولندية (PAX) التي ضمنتها في دراسة نشرتها عام 2014.

عام 2003 نشرت مجلة نيو ساينتست ورقة بحثية لوزارة الدفاع الأمريكية (حُذِفَت من الانترنت فيما بعد) أقرَّت خلالها أن الولايات المتحدة وبريطانيا استخدمتا 320 طنًا من ذخائر اليورانيوم المنضب خلال حرب الخليج عام 1991، وجاء في الورقة أيضًا أن الجيش الأمريكي استخدم 2000 طناً من ذخائر اليورانيوم المنضب خلال غزو العراق عام 2003. 

وفي حزيران من العام نفسه، قدَّم داماس لوبيز، رئيس الفريق الدولي لدراسة اليورانيوم المنضب (ADUST) ورقة بحثية قرأها في البرلمان الأوروبي ببروكسيل، ذكر فيها أنَّ الولايات المتحدة استعملت اليورانيوم المنضب على نطاق واسع خلال حروبها على العراق، وقدرَّت مؤسسة الأبحاث النووية الهولندية (LAKA) كمية اليورانيوم المنضب المستعمل في حرب الخليج عام 1991 بأكثر من 800 طن.

في السنة ذاتها التي انتهت بها حرب الخليج 1991 سُرِّبَ تقرير سرّي صادر عن سلطة الطاقة الذرية البريطانية، ونشرته حينها صحيفة الأندبندنت، جاء فيه أنَّ اليورانيوم الذي بقي في العراق يمكنه أن يتسبب بوفاة 500 ألف شخص، وبعد خمس سنوات من تسريب التقرير وتحديدًا في عدد 21/10/1996 ذكرت مجلة The Nation أنَّ هذا الرقم حُسِبَ على افتراض أنَّ المتبقي في العراق هو 40 طنًا، وليس 320 طنًا من اليورانيوم المنضب.

كتاب صادر من مجلس محافظة الأنبار لمنع دخول النفايات المعالجة المشار إليها في كتاب وزارة العلوم والتكنولوجيا السري

(انجز التحقيق بدعم من شبكة “نيريج” للصحافة الاستقصائية)

تلعفر بعد عامين على هزيمة “داعش”: السنّة خائفون من العودة

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الأمر الوحيد الذي بقي أمام من يسعى إلى تخيل “ما بعد لبنان” هو أن يغادر اللبنانيون كلهم هذه المساحة بقوارب صغيرة وكبيرة، وأن ينجو بعضهم ويموت بعضهم الآخر، وهذا ما يحصل عملياً، وفي هذا الوقت سيكون سهلاً على الثنائي الشيعي أن يفوز بوزارة المالية…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني