لبنان وأشكاله الهندسية الفريدة

خطوط لبنان الحمر كثيرة: رئيس وزراءٍ سابق متّهم بمخالفة الدستور يضمّه شيخ الطائفة إلى صدره ويعلنه خطاً أحمر، فنانٌ شعبيّ يعنّف زوجته فيخرج أبناء قريته ليطوّبوه خطاً أحمر، رجل دينٍ أدين بالتحرش بالأطفال تعتبره المرجعيّة خطاً أحمر.

“فلنبدأ بوضع النقاط على الحروف”. الساسة في لبنان كلهم يحبّون هذا الشعار، يرفعون أصواتهم في المؤتمرات الصحافيّة، يلوّحون بالملفات في جلسات مجلس النواب، يرفعون الأصابع في المقابلات، ويهدّدون بوضع النقاط على الحروف، علماً أنّ التنقيط في اللغة العربيّة جاء متأخراً، وكذلك وعودهم وتهديداتهم بفضح بعضهم بعضاً، التي تبقى حبراً على ورق.

تضامن أبناء زحلة مع الفنان وائل كفوري بعد اعتدائه على زوجته

والمسافة الأقرب بين نقطتين، هي خطّ مستقيم، والخطوط المتوازية لا يمكن أن تلتقي، إلا في لبنان. يمكن أن يلتقي حزبان طائفيان عقائديان مؤمنان بالآخرة أكثر من الدنيا، يومياً على طاولات صنع القرار لتقسيم غنائم السلطة، سبحان الله. وللخطوط ألوان، الخط الوهمي الأخضر الذي قسم بيروت إبّان الحرب الأهليّة اختفى، إلا من أذهان سائقي السيارات العموميّة ويستعاد التلميح إليه عند كل خلاف على الحصص. وحده الخط الأزرق الذي يفصل بين جنوب لبنان و”فلسطين المحتلّة” باقٍ، ولا يذكره أحد إلا في نفقٍ من تحته، وغارةٍ من فوقه. أهم الخطوط هو الأحمر، وخطوط لبنان الحمر كثيرة: رئيس وزراءٍ سابق متّهم بمخالفة الدستور يضمّه شيخ الطائفة إلى صدره ويعلنه خطاً أحمر، فنانٌ شعبيّ يعنّف زوجته فيخرج أبناء قريته ليطوّبوه خطاً أحمر، رجل دينٍ أدين بالتحرش بالأطفال تعتبره المرجعيّة خطاً أحمر، رؤساء الأحزاب خطوطٌ حمر، الشعائر الدينيّة خطوط حمر، أصغر حاجب يتبع لزعيمٍ طائفيّ خط أحمر أيضاً. في لبنان، تضيق بك المساحة لتمشي بين الخطوط الحمر يومياً، وويحك إن دست أحدها، فهي ألغامٌ معدّة للتفجير اجتماعياً. وبعض الخطوط لا لون له: توتر عالٍ للكهرباء، خط عسكريّ لنقل البضائع والسلاح والأفراد، وأهمها خطّ سكّة الحديد الوهمي الذي احتفل بالذكرى 124 على انطلاقه، منذ بضعة أيام.

ثلاث نقاطٍ كفيلة بصنع مثلث. المثلث صفقة كل خمس سنوات تنزل على أصحاب السيّارات ليبتاعوها خوفاً على سلامتهم، تنظم لها حملات توعية ومحاضر ضبط، فتنفق البضاعة المستوردة حتّى يأتي تاجرٌ آخر صديق لوزيرٍ جديد. وفي لبنان عرقٌ بلديّ مثلّث، يمنع شربه وبيعه في خمس مساحة أراضي الوطن، احتراماً للعادات والتقاليد، التي برعايتها يُزرع العنب ويقطّر ويُطرح في الأسواق. ومن مشتقات المثلث، أسقطت النقطة الثالثة عن حرف الثاء، فأصبح لبنان متيمّاً بفعل الـ”تتليت” الذي يمارسه سنوياً: مجلس نيابي مقفل أم مجدد لنفسه، تشكيل حكومة يستغرق أشهراً، كرسي رئاسي فارغ حتّى ولو… (إملأ الفراغ من دون مخالفة المادة 384 من قانون العقوبات التي تحذر المس بمقام رئيس الجمهورية). والمثالثة هي الهدف المنشود، إذ إنّ المناصفة لم تعد تكفي.

لبنان بين الأوائل في الرياضيات عالمياً. وحدها موازنته الرسميّة تتأخر نصف عام، وقطوع حساباته 6 أعوام.

ضع نقطة إضافيّة احصل على المربّع: مربعات حزبيّة تمتد من معراب إلى الضاحية. مربعات أمنيّة رسميّة لأربعة أجهزة رسميّة. مربعات أمنيّة غير رسميّة لأجهزة خارجيّة في قوسايا والناعمة وغيرهما. مربعات أمنيّة وسكانيّة وقهريّة تمارس بحقها أسوأ أنواع الظلم في ما اصطلح على تسميته “مخيّمات”. مربعات ليليّة. لبنان شكل هندسي مستطيل معقّد، ولا مستطيلات تضاهيه.

أمّا الدوائر فحدّث ولا حرج. دوّار العدليّة قبوٌ لظلم الفقراء والمهمشين من العاملات والعاملي في المنازل، ضحايا نظام الكفالة والعبوديّة. وعلى كل مستديرة “مسلّة” أم تمثال لرمزٍ طائفيّ. وكيف ننسى الدوائر الحكوميّة؟ رشى، فتقاعس وظيفي، فضياع معاملات، فوظائف مقنّعة، فـ”روح عمول برمة وارجع تعا”. أمّا دوائر المياه العموميّة فكثيرة، أهمّها مكبّان في برج حمود والكوستا برافا يستقبلان الوافدين إلى عاصمة الحرف بالروائح الذكيّة. أما دوائر صنع القرار فخارج الحدود اللبنانيّة.

لبنان بين الأوائل في الرياضيات عالمياً. وحدها موازنته الرسميّة تتأخر نصف عام، وقطوع حساباته 12 عاماً. ولبنان فيه علومٌ أخرى، جغرافيا لم ترسم حدودها حتّى اليوم، وتاريخ ضُرِب له موعد مع المستقبل طمساً بسدود المياه، وأدب تفوح به نشرات الأخبار، وثقافة منع الحفلات الموسيقيّة، وفيزياء العوالم المتوازية بين قاطنيه، وأفضل مدرسة علوم أحياء لشعبٍ لا يثور، إلا عند المس بعلومه المنطقيّة: الطائفة والزعيم.

في بلاد الحرية المغشوشة: “كبّر عقلك” 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

عباس بيضون – كاتب وشاعر لبناني
في تأبين محسن ابراهيم يسعنا ان نؤبن مرحلة كاملة. بهذا المعنى كان محسن شخصية تاريخية، بل كان قادرا على ان يكون كذلك، لا في لحظات نشاطه الصارخ فحسب، بل ايضاً في صمته الأخير وانقلاب الأمور عليه.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
جريمة مقتل فلويد وما تبعها من تظاهرات في مدن أميركية عدة ومحاولات قمعها، أسلحة ستستثمرها إيران وسواها من الآن وصاعداً، فكلّما قال لها أحدهم: “بأي حق قتلتِ فلان أو فلانة؟”، سترد: “بالحق الذي قتل به جورج فلويد”.
محمد أبو رمان – باحث وكاتب ووزير أردني سابق
لا تختلف حالة الأردنيين عما تعيشه معظم دول العالم، إذ وقع عليهم فايروس “كورونا” كالصاعقة، ووجدوا أنفسهم للمرة الأولى منذ عقود طويلة أمام قوانين وأنظمة وسلوك غير تقليدي أو معتاد…
إيلي عبدو – صحافي سوري
في تحوّل استذكار الكاتب اللبناني الراحل سمير قصير، رثاء وحسرة ومديحاً، تقليداً لدى عدد كبير من السوريين، انفصال حاد مع أحوال سابقة، معطوف على بلوغ أحوال جديدة غير مدركة بما يترتب على الإدراك، من أفكار وقناعات وتصورات.
باز علي بكاري – صحافي وكاتب كردي سوري
ليست الولايات المتحدة الاستثناء في المعاناة من مرض العنصرية. ولعله فعل مصادفة أو وحدة حال بين الفاشيين في العالم، أن يصلنا خبر قيام مجموعة من الشبان الأتراك بقتل شاب كردي لأنه كان يستمع لأغنية كردية.
مالك ونوس – كاتب ومترجم سوري
ليست الممارسات التي ينتهجها النظام المصري، سوى علامات على تحوُّلِ سلطته إلى قوة عدوان حلَّت محل “الدولة الوطنية”، التي حلم أبناء الدول العربية ببنائها بعد استقلالهم عن الدولة العثمانية، ومن بعدها عن الاستعمار الغربي.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني